افراسيانت - اياد شماسنة - لم تعد الرواية الفلسطينية، في طورها الأحدث، تكتفي بصورة الفلسطيني المحاصر في جغرافيا منكوبة: قرية مهدمة، مخيم، حاجز، سجن، مدينة محاصرة، أو بيت مهدد بالمصادرة. بالتأكيد أن هذه الأمكنة لم تفقد مركزيتها؛ فهي الندبة الأولى للتجربة الدامية، ومادتها الأخلاقية الصلبة.
غير أن الرواية، كلما نضجت، اكتشفت أن الفلسطيني يقيم في الذاكرة واللغة والمنفى والاسم العائلي بالإضافة إلى المكان، كما يقيم أيضا في الحكاية التي تنتقل من فم إلى فم، وهو أيضا يترك الحصان وحيدا، ويعبر الجسر، ثم يتعثر خارجه ثم يغادر في خزان ثم يعود عازفا على كونشيرتو الأوجه المختلفة.
من هنا برز ما يمكن تسميته بالفلسطيني العالمي: الإنسان الذي حمل فلسطينيته إلى العالم، وحولها من قضية محصورة في خريطة محلية إلى سؤال إنساني مفتوح. وهنا لا تكون العالمية مكافأة تمنحها دور النشر أو قوائم الجوائز، بل امتحانا قاسيا لقدرة النص على أن يبقى أمينا لجرحه ونكبته، مفتوحا على إنسانية لا تلغي السياسة ولا تختزلها في عاطفة عابرة، ولا في خطاب أخلاقي جاهز ومغلق مسبقًا.
العلامة الفارقة لا الاسم
حين كتب فاروق وادي عن غسان كنفاني وإميل حبيبي وجبرا إبراهيم جبرا بوصفهم ثلاث علامات في الرواية الفلسطينية، كان يقصد التحول الفني الذي يجعل الكاتب فاصلا بين طورين، بحيث لا تعود الرواية بعده كما كانت قبله. واليوم يمكن القول إن الرواية الفلسطينية أنجبت علامة أوسع أهمها: انتقال الفلسطيني من موضوع محلي إلى ذات روائية كونية.
لم تعد الرواية الفلسطينية تقول للعالم: هذه مأساتنا فانظروا إليها؛ بل صارت تقول شيئا أعمق: أيها العالم؛ من فلسطين يمكن قراءة أسئلة العصر كله؛ الهوية، الاقتلاع، الحدود، الذاكرة، المنفى، العنف، القانون، التطهير، والحق المؤجل.
كان حضور الفلسطيني المحلي ضروريا في البدايات. تظهر النكبة عند غسان كنفاني كآلة تطحن الأجساد والخيارات والمصائر. في «رجال في الشمس» يتحرك الرجال الثلاثة في صحراء عابرة، لكنهم، في عمق المعنى، يعبرون الفراغ العربي كله، ويصطدمون بصمتهم قبل اصطدامهم بالموت. الخزان قبر سياسي ورمزي، وتمثيل جارح لخزان عربي سميك الجدران.
لذلك بقي سؤال: «لماذا لم يدقوا جدران الخزان؟» أحد أقسى الأسئلة في الأدب الفلسطيني.
وكذلك فإن موضع الفلسطيني عند إميل حبيبي قد تغير. لم يعد اللاجئ وحده مركز الحكاية، بل دخل الفلسطيني الباقي في الداخل المحتل عام 1948، الذي يعيش داخل دولة لا تعترف به إلا ناقصا في الحق والهوية والإنسانية. في «الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل» تتحول السخرية إلى مقاومة باردة. سعيد كائن ممزق، ينجو بالضحك ويهزم به، فلا يكون بطلا صافيا ولا خائنا صافيا، بل متشائلا يكشف هشاشة الواقع بمفارقته.
أما جبرا إبراهيم جبرا ففتح نافذة أخرى. في «السفينة» و«البحث عن وليد مسعود» حيث تحضر فلسطين كفقد داخلي، كجرح في المثقف، وقلق لا يستقر، أكثر من كونها خريطة مكسورة. جعل جبرا الفلسطيني ابنا للنكبة وابنا للثقافة الحديثة معا. هنا بدأت بذرة الفلسطيني العالمي: شخص لا يغادر فلسطين لأنه نسيها، بل لأنها صارت تسكنه أينما ذهب.
لا يولد الفلسطيني العالمي من السفر وحده أو حتى من اللجوء أو الهجرة أو مجرد الترحال. فقد يسافر كثيرون ولا يصبحون عالميين بالمعنى الروائي. العالمية ليست جواز سفر، ولا لغة أجنبية، ولا ترجمة ناجحة؛ إنها طريقة في بناء الشخصية والزمن والذاكرة. حين يعيش الفلسطيني بين أمكنة متعددة، فإنه لا يعود قادرا على رواية نفسه بخط مستقيم، لأن حياته نفسها مقطوعة أو مكسورة: بيت في الذاكرة، مخيم في الطفولة، جامعة في بلد آخر، لغة أم مهددة، ولغة ثانية تمنحه فرصة وتسرق منه أخرى.
لذلك أخذت الرواية الفلسطينية تتخلى عن الصوت الواحد. دخلت الرسائل، الشهادات، الوثائق، الصور، الخرائط، الحكايات العائلية، والأصوات المتعارضة. لم يعد الراوي مالكا للحقيقة كلها؛ صار يجمع شظاياها. وهذا التحول نتيجة طبيعية لحياة تاريخية ممزقة. من لا يملك أرشيفا كاملا لذاكرته، يكتب رواية من داخل الغياب. ومن لا يستطيع العودة إلى البيت، يبني البيت والعودة في اللغة.
«باب الشمس»: فلسطين كأرخبيل حكايات
تبلغ هذه الفكرة إحدى ذراها في «باب الشمس» لإلياس خوري، مع العلم أن هذه الرواية ليست فلسطينية بالمعنى الوطني الضيق، فكاتبها لبناني، لكنها من أكثر الأعمال قدرة على التقاط فلسطين بوصفها حكاية مفتوحة. لا بطل واحدا هنا، ولا ذاكرة مستقيمة، ولا نكبة تنتهي في فصل محدد.
هناك حكايات تتوالد: قرى، مقاتلون، نساء، عشاق، موتى، ناجون، مخيمات، وأسماء تسقط ثم تعود.
تمنح الرواية الفلسطيني بعدا عالميا لأنها تقدمه إنسانا يخطئ، يحب، يخاف، يكذب أحيانا، يتذكر أحيانا، وينسى أحيانا أخرى. هذه الإنسانية غير المصقولة هي سر قوتها. فالعالمية لا تأتي من تجميل الضحية، بل من تحريرها من القالب. الفلسطيني هنا ليس صورة على ملصق سياسي؛ إنه حياة كاملة، مضطربة، ناقصة، لكنها حقيقية.
في رواية «بينما ينام العالم» لسوزان أبو الهوى، يتخذ الفلسطيني العالمي مسارا آخر: مسار العائلة الممتدة عبر أجيال وبلدان. تبدأ الحكاية من جرح 1948، لكنها لا تبقى هناك. تنتقل بين المخيمات والمنافي واللغات والولادات الجديدة. تخاطب الرواية قارئا عالميا واضحا، وتستعمل بنية مألوفة في الرواية العالمية: عائلة، أجيال، فقد، حب، موت، وذاكرة.
قد يعترض نقاد على هذا النمط لأنه يقرب فلسطين من القارئ الأجنبي عبر عاطفة عائلية واسعة، وقد يقع أحيانا في تفسير زائد. لكن قيمته لا تنكر. لقد نقل هذا النموذج الحكاية الفلسطينية إلى قارئ لا يعرف تفاصيلها، وجعل النكبة تجربة يدخلها من باب الأم والابن والبيت والاسم. وهذه ليست مسألة بسيطة؛ فالرواية الفلسطينية، حين تصل إلى العالم تصارع على الذاكرة في فضاء طالما تُرك للرواية المضادة.
يتغير شكل الفلسطيني العالمي مرة أخرى مع عدنية شبلي، خصوصا في «تفصيل ثانوي». في هذه الرواية ثمة لغة مقتصدة، باردة تقريبا، تمشي حول حادثة صغيرة في ظاهرها، مرعبة في جوهرها. الرواية لا تصرخ، لكنها تضع القارئ أمام صمت أشد إيلاما من الصراخ.
هذه علامة مهمة. لقد صار النص الفلسطيني قادرا على مخاطبة العالم بأدوات جمالية دقيقة لا تعتمد على الشرح. إنه لا يطلب من القارئ أن يتعاطف فورا؛ بل يدفعه إلى التورط في النظر. هذا التفصيل الصغير يكشف نظاما كاملا من المحو. وهكذا فإن الهامش يفضح المركز. الجريمة المنسية تفتح سؤال التاريخ كله. هنا لا يعود الفلسطيني العالمي شاهدا على مأساة عامة فحسب، بل باحثا في أثر شبه مطموس، في ندبة صغيرة تركها العنف ونسيها المنتصرون.
الذاكرات المتقابلة
في «مصائر: كونشرتو الهولوكوست والنكبة» لربعي المدهون، يدخل السرد الفلسطيني منطقة شديدة الحساسية. لا تكتفي هذه الرواية بمقابلة الفلسطيني بالإسرائيلي، بل تضع النكبة في تماس مع ذاكرة الهولوكوست، ومع أسئلة العودة والهوية والزواج المختلط واللغة. يمكن القول إن هذه مغامرة صعبة، لأن مقارنة الآلام قد تنزلق إلى تبسيط أخلاقي أو منافسة في الضحية.
لكن قيمة الرواية أنها تحاول بناء تركيب متعدد، لا شعار سريع.
الفلسطيني العالمي، هنا، ليس منغلقا داخل ذاكرته، ولا متنازلا عنها. إنه قادر على رؤية ذاكرات الآخرين من دون أن يسمح لذاكرته بأن تمحى. وهذه درجة من النضج السردي والسياسي معا. فالرواية لا تهرب من التعقيد، بل تدخله، وتجعل الفن مساحة يتجاور فيها الألم والحق والالتباس.
الخروج إلى العالم ليس بريئا. فهناك سوق يحب صورة محددة عن الفلسطيني: الضحية النبيلة، الطفل الباكي، المرأة المسحوقة، الشاب الغاضب، المخيم البائس. هذه الصور تصبح خطرة حين تتحول إلى بطاقة تعريف وحيدة.
أما الرواية الأعمق فهي التي تذهب إلى العالم محتفظة بصعوبتها. لا تخجل من محليتها، ولا تذيب أسماء الأماكن، ولا تبسط التاريخ كي يصبح قابلا للاستهلاك السريع. فالأدب لا يبلغ العالمية بالتنازل عن الخصوصية، بل بالذهاب بها إلى أقصى درجات الصدق. كلما كان النص فلسطينيا في تفاصيله، صار أقدر على لمس قارئ بعيد، لأن الإنسان لا يتعرف إلى غيره عبر العموميات، بل عبر التفاصيل الحية.
الفلسطيني العالمي في الرواية الفلسطينية هو امتدادها الأوسع. المحلي هو الجذر: القرية، البيت، الرائحة، اللهجة، المقبرة، الطريق، الحاجز، المفتاح، وشجرة الزيتون. أما العالمي فهو الأفق: المنفى، الترجمة، تعدد القراء، تعدد الروتة، تشابك الذاكرات، والسؤال الإنساني الكبير. وحين تخرج الرواية الفلسطينية من الخريطة، فهي لا تهرب منها؛ إنها تحملها إلى مكان آخر، وتجعلها قابلة لأن ترى من جديد.
لقد انتقلت الرواية الفلسطينية، في هذا المسار، من طلب الاعتراف إلى إنتاج المعرفة. لم تعد تقول فقط: نحن هنا. صارت تقول: من خلال حكايتنا يمكن فهم العالم كما صار؛ عالم الجدران، واللاجئين، والحدود القاسية، والخرائط التي يرسمها الأقوياء ويدفع ثمنها الضعفاء.
لذلك يغدو الفلسطيني في الرواية الحديثة شخصية مركزية في خيال العصر، لا لأنه أكثر ألما من غيره، بل لأن تجربته تكثف سؤالا لا يستطيع العالم الهرب منه: ماذا يبقى من الإنسان حين يسلب منه المكان، ولا يبقى له إلا أن يروي؟
________________



