ثقافة

ورمٌ بحجم قارّة

ورمٌ بحجم قارّة

يبقى سؤال واحد لم يطرحه أحد تحت تلك القبّة: حين ينفجر الورم، مَن يدفع الثمن أولاً؟ الجسد الذي حمله طويلاً، أم العالم الذي صفّق له وهو يكبر؟.."الكاتب"


"افراسيانت - روني الفا - أين السيدة الأولى؟ لا أراها." قالها الرجل الذي رأى، قبل دقائق، مئة وتسعاً وخمسين سفينة إيرانية في قاع البحر.


رأى السفن الغارقة. رأى مليار برميل تعبر هرمز تحت حراسته. رأى الفقر الأميركي يهبط إلى قاعه التاريخي. ثم التفت إلى القاعة، فلم يرَ زوجته.


هكذا تبدأ العوارض. العين تتّسع للبعيد، وتعمى عمّا يجلس في الصف الأمامي.


يعرف الطب فرقاً دقيقاً بين العضلة والورم. كلاهما يكبر. كلاهما يملأ المرآة. العضلة تكبر بالعمل وتخدم الجسد. الورم يكبر على حساب الجسد ويسمّي نفسه قوة.


على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة، وقف دونالد ترامب ليحتفل بمئتين وخمسين عاماً من الاستقلال. في الدقيقة الأولى قال إنّ أميركا عادت. في الدقيقة الثانية قال إنها الأقوى في التاريخ. ثم تتابعت الأرقام كنبضٍ محموم: أدنى فقر،أعلى دخل، أكبر تخفيض ضرائب، واحد وعشرون تريليون دولار من الاستثمارات،ثمانون رقما قياسياً في البورصة. الجسد المتورّم يحبّ الميزان.


ثم جاء المقطع الذي يصلح تقريراً سريرياً للحالة: "بينما تكلّم الآخرون، فعلتُ. بينما تحدّثوا عن السلام، صنعتُه. بينما تجاهلوا التهديدات، واجهتُها." ضمير المتكلم يتكرّر كطَرقٍ على باب مغلق. الأنا التي تحتاج إلى هذا القدر من التأكيد أنا تخاف من الصمت.


وفي منتصف الخطاب، فعل الرئيس ما لم يفعله رئيس قبله. قرأ على منبر الأمم رسائل الشكر التي وصلته. رئيس وزراء باكستان يقول إنه أنقذ ثلاثين مليون إنسان. رئيس أذربيجان يسمّي ما فعله معجزة. رئيس كمبوديا يمدح دبلوماسيته "الرؤيوية". قرأها كما يقرأ تلميذ شهادات التقدير أمام أهله في حفل آخر السنة.
ثماني حروب قال إنه أوقفها. ولم يسأل أحد في القاعة عن الحرب التاسعة التي أشعلها.


العلاقة، أيّ علاقة، تحتاج طرفين. حين يصير الطرف الآخر مرآة، تموت العلاقة وتبقى الصورة.


فنزويلا: عملية في قلب كاراكاس في كانون الثاني/يناير، ثم صفقة خمسة وستين مليار برميل. والرئيس نطق الحكمة القديمة بلا مواربة: للمنتصر الغنائم.


غرينلاند: "سيطرة دائمة" على جزيرة في مملكة أوروبية حليفة، مع قاعدتين عسكريتين كبيرتين.


المحكمة الجنائية الدولية: "مجموعة شريرة". وعلى الدول الأعضاء أن تستقيل منها "فوراً".


الأمم المتحدة نفسها: ميزانية مقصوصة بخمسة عشر في المئة، وأكثر من أربعة آلاف وظيفة ملغاة. والرئيس يقف في بيتها ويشكرها.


تخيّل كلباً يعضّ رجلاً في سوق. يصل الشرطي ليحكم. سؤاله الوحيد: لمن الكلب؟ إن كان لجنرال، فالعضّة مستحقّة. إن كان شارداً، فليُقتل. يتبدّل الحكم مع كلّ جواب،ويخلع الشرطي معطفه ويلبسه بحسب حرارة الإجابة.


هذا هو القانون الدولي في نسخته الأخيرة. الجريمة تُعرَّف بصاحبها. والعدالة تسأل عن هوية الكلب قبل أن تنظر إلى الجرح.


وثمّة عَرَض أخير، طريف ومخيف. قرّر الرئيس أن يغيّر اسم الذكاء الاصطناعي. صار "الذكاء الخارق". قال إنّ كلمة "اصطناعي" تجعله يبدو مزيّفاً. ثم ضحك: "لنرَ إن كانت لديّ أيّ سلطة."


من يسمّي الأشياء يظنّ أنه خلقها. آدم فعلها مرة، بإذن. الإمبراطوريات تكرّرها كلّ قرن،بلا إذن.


في المسرح قاعدة قديمة: البندقية المعلّقة على الجدار في الفصل الأول ستُطلق النار قبل إسدال الستار. في الخطاب نفسه، ثمانية عشر مصنع ذخيرة قيد البناء. إيران بين صفقة و"جحيم بلا نجاة". كوبا "ستسقط". والمكسيك مدعوّة لاستعادة أرضها "من أعداء البشرية". هذا جدار كامل من البنادق.


في بيروت، نعرف هذا المشهد جيداً. رجل على منبر يعدّ ما دمّره. يعدّ السفن والطائرات والرادارات. يقول إنّ كلّ شيء انتهى. ثم يأتي الصباح.


تعلّمت هذه المنطقة أنّ السفن الغارقة لا تُغرق الذاكرة، وأنّ الأرقام المعلنة من المنابر تشيخ أسرع من الناس الذين تعدّهم. الجنوب رأى منابر كثيرة. رآها تُبنى ورآها تُطوى. والأرض بقيت تعرف أسماء أهلها.


في القاعة، كان الموظفون الكبار يصفّقون. يصفّقون ثم يعتذرون. يعتذرون ثم يرسلون رسائل الشكر. يعودون إلى فنادقهم ببزّاتهم الرسمية، ويستلقون على الأسرّة من دون أن يخلعوها. الخوف أيضاً يرهق الجسد.


يبقى سؤال واحد لم يطرحه أحد تحت تلك القبّة: حين ينفجر الورم، مَن يدفع الثمن أولاً؟ الجسد الذي حمله طويلاً، أم العالم الذي صفّق له وهو يكبر؟

________________

 

الباحثون عن العدالة، الحرية، وحقوق الإنسان.!

 

 

 

  • عدد الزيارات 12848852
Please fill the required field.