كل أسبوع

من الهامش الأيديولوجي إلى عصب الدولة: كيف تحوّلت "خطة الحسم" إلى عقيدة الحكم الإسرائيلي؟

من الهامش الأيديولوجي إلى عصب الدولة: كيف تحوّلت "خطة الحسم" إلى عقيدة الحكم الإسرائيلي؟

تجنبت الحكومة الصدام الدبلوماسي المباشر عبر تفادي إعلان الضم السياسي والسيادي الصاخب، وانصرفت بدلاً من ذلك إلى هندسة «ضم قانوني وإداري صامت أعاد صياغة البنية البيروقراطية للاحتلال من جذورها.


افراسيانت - نيفين ابو رحمون - لم يكن صعود اليمين القومي الديني في "إسرائيل" إلى صدارة المشهد التنفيذي مجرد تبدّل عابر في موازين التحالفات الحزبية، بل مثّل قطيعة إبستمولوجية وسياسية مع العقائد التي حكمت مقاربة المنظومة الحاكمة للصراع الفلسطيني لعقود خلت؛ إذ تأرجحت النخبة السياسية والعسكرية في "تل أبيب" طويلاً بين مسارين متوازيين: مسار «التسوية المرحلية» القائم على اتفاقات أوسلو وتفريعاتها، ومسار «إدارة الصراع وتقليصه» الذي قاده الليكود بوصفه أداة لشراء الوقت وتأجيل الانفجار والحفاظ على تفوق أمني مستدام بأقل كلفة دبلوماسية.


غير أن «خطة الحسم» (תוכנית ההכרעה) التي صاغها بتسلئيل سموتريتش عام 2017 ونشرها في دورية «هشيلواح»، جاءت لتنسف المنطق المؤسس لكلا المسارين معتبرة أن فكرة إدارة الصراع ليست سوى وهم تكتيكي وعجز بنيوي يجب التخلص منه لصالح خيار تاريخي قاطع يُسقط أي إمكانية لقيام كيان سياسي فلسطيني، ويفرض السيادة الإسرائيلية المطلقة والناجزة على كامل الحيز الجغرافي الواقع غربي نهر الأردن.


قامت هذه الأطروحة على تفكيك جذري للمنطلقات السابقة، منطلقة من فرضية مفادها أن الصراع بين الحركة الصهيونية والمشروع الوطني الفلسطيني هو صراع وجودي صفري بطبيعته، يستحيل معه التوصل إلى تسوية تعايشية أو حتى حفظ الوضع الراهن إلى ما لا نهاية.


وانطلاقاً من هذه الرؤية العقائدية، طرحت الخطة معادلة إجبارية وضعت الفلسطينيين أمام خيارات محددة المعالم: فإما القبول بالسيادة الإسرائيلية والعيش في معازل جغرافية مقطوعة الأوصال تُدار عبر مجالس بلدية ومحلية محرومة من أي تمثيل سياسي أو تطلعات قومية، أو مغادرة البلاد طوعاً مقابل حوافز وتعويضات مالية تدفعها الدولة لتفريغ الأرض ديموغرافياً، أو مواجهة آلة الحسم العسكري والاستئصال الأمني دون قيود قانونية أو اعتبارات للتناسب لكل من يرفع لواء المقاومة أو يرفض الإذعان. ورغم أن النخب السياسية والأمنية التقليدية تعاملت مع هذه الطروحات لسنوات كخطاب أيديولوجي راديكالي معزول في هوامش المستوطنات الرعوية، فإن أزمة النظام السياسي الإسرائيلي هي التي مهدت لها طريق العبور المباشر إلى قلب السلطة.


أفضت الأزمة الدستورية والحزبية المتطاولة بين عامي 2019 و2022، والتي شهدت خمس جولات انتخابية متتالية، إلى تآكل مراكز القوى التقليدية في اليمين، وتزامنت مع مأزق قضائي وشخصي حاصر بنيامين نتنياهو وهدد مستقبله السياسي. وفي خضم بحثه عن كتلة برلمانية صلبة لا تتراجع عن دعمه، تقاطعت المصلحة البراغماتية لرئيس الوزراء مع البرنامج العقائدي لتيار الصهيونية الدينية وحزب القوة اليهودية؛ فنشأت صفقة سياسية ضمنية ومحكمة قامت على مقايضة بقاء نتنياهو وتأمين حصانته السياسية والقضائية بتسليم مفاتيح السيطرة على الضفة الغربية والمشروع الاستيطاني لهذا التيار. وتُوّج هذا التلاقي في وثيقة الخطوط العريضة لائتلاف ديسمبر 2022، التي افتتحت برنامجها بإعلان حاسم وغير موارب ينص على أن للشعب اليهودي وحده حقاً حصرياً وغير قابل للتصرف في جميع أرجاء «أرض إسرائيل»، مما أسقط رسمياً حتى الغطاء البلاغي الذي كانت تستخدمه "تل أبيب" أمام المجتمع الدولي حول خيار الدولتين أو التفاوض المستقبلي.


تجنبت الحكومة الصدام الدبلوماسي المباشر عبر تفادي إعلان الضم السياسي والسيادي الصاخب، وانصرفت بدلاً من ذلك إلى هندسة «ضم قانوني وإداري صامت أعاد صياغة البنية البيروقراطية للاحتلال من جذورها؛ حيث استُحدث منصب وزير مدني ثانٍ في وزارة "الدفاع" فُصِّلت صلاحياته على مقاس سموتريتش، وجرى تشكيل «إدارة الاستيطان» لتنتزع ملفات التخطيط، وتسجيل الأراضي، والإنفاذ من قبضة الضباط العسكريين في الإدارة المدنية التابعة لقيادة المنطقة الوسطى. أحدث هذا الإجراء تحولاً مفصلياً في طبيعة الحكم، إذ تحولت إدارة المستوطنات ومشاريعها التوسعية إلى قطاع مدني يتبع وزارات الدولة الإسرائيلية مباشرة وتُطبق عليه القوانين السارية داخل الخط الأخضر، في حين ظل السكان الفلسطينيون خاضعين للأوامر العسكرية الاستثنائية على ذات الأرض، مكرساً بذلك بنية فصل مؤسسي وقانوني معلن ومكتمل البنيان تحت إشراف طاقم قانوني وأيديولوجي موالٍ للمشروع الاستيطاني تم تعيينه بديلاً عن استشارات النيابة العسكرية الكلاسيكية.


وعلى الصعيد التشريعي والتنفيذي، مضت الحكومة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2023 في تفكيك كافة مسارات الرقابة والفرملة التي اعتادت المنظومة الأمنية وضعها لكبح التصعيد الاستيطاني؛ فتم إلغاء أجزاء جوهرية من قانون «فك الارتباط» لفتح الباب أمام إعادة احتلال شمال الضفة الغربية وشرعنة بؤر استيطانية معزولة مثل «حومش»، مما شكل رسالة مفادها أن حقبة إخلاء المستوطنات أو الانسحاب الأحادي قد طُويت بلا رجعة.


وترافق ذلك مع اعتماد القرار الحكومي رقم 47، الذي قلّص مراحل المصادقة على مخططات البناء الاستيطاني من ست بوابات تتطلب موافقة وزير الدفاع ورئيس الوزراء إلى مرحلة تخطيطية واحدة تقع بالكامل تحت إشراف إدارة سموتريتش، وهو ما فتح الباب لمصادقة قياسية تجاوزت 13 ألف وحدة استيطانية في غضون أشهر قليلة، إلى جانب منح غطاء واسع لظاهرة «الاستيطان الرعوي» التي استُخدمت كرأس حربة لطرد التجمعات البدوية والرعوية الفلسطينية في مسافر يطا والأغوار بقوة الترهيب، مقتطعة عشرات آلاف الدونمات دون الحاجة لإجراءات مصادرة رسمية.


توازى هذا الابتلاع الجغرافي مع مسار ممنهج لتفكيك المقومات الوظيفية للسلطة الفلسطينية، انطلاقاً من المبدأ الأول لخطة الحسم القاضي بتجريد الفلسطينيين من أي إطار تمثيلي جامع؛ إذ أطلقت وزارة المالية العنان لحملة استنزاف مالي حادة عبر اقتطاع مئات ملايين الشواكل من أموال المقاصة الفلسطينية تحت ذرائع مختلفة، متجاهلة التبعات الاقتصادية الوخيمة على قدرة الأجهزة والمؤسسات الفلسطينية على العمل. تزامن هذا الخنق المالي مع إغلاق شبه تام لإمكانات التطوير الحضري والعمراني للفلسطينيين في المنطقة المصنفة (C)، وتشديد القيود على الحركة وربط شبكات الطرق الاستيطانية الالتفافية لتمزيق التواصل بين المحافظات الفلسطينية، وتحويل المدن والقرى إلى كانتونات سكانية مغلقة يسهل خنقها وإخضاعها أمنياً عند الحاجة.


فجّر هذا التحول المتسارع صداماً حاداً وغير مسبوق داخل الدولة العميقة في إسرائيل، حيث وجدت قيادة الجيش التقليدية (خاصة قيادة المنطقة الوسطى) وجهاز الأمن العام «الشاباك» نفسها في مواجهة مفتوحة مع وزراء الائتلاف والمستوطنين؛ إذ استندت العقيدة الأمنية للجيش والشاباك إلى ضرورة التمييز العملياتي بين الفصائل المسلحة والسكان المدنيين، واعتبار التنسيق الأمني مع السلطة الفلسطينية والحفاظ على استقرارها النسبي مصلحة إسرائيلية عليا تمنع اشتعال انتفاضة ثالثة من شأنها استنزاف تشكيلات الجيش وإشغاله عن الجبهات الخارجية.


في المقابل، شن وزراء اليمين الديني وحلفاؤهم في الكنيست هجوماً لاذعاً على القيادات العسكرية، متهمين إياهم بالخضوع لـ«مفاهيم انهزامية موروثة من عهد أوسلو»، وممارسين ضغوطاً سياسية لتقييد ملاحقة اعتداءات المستوطنين وعرقلة إخلاء البؤر العشوائية، بل واتهام المنظومة الأمنية بخيانة المشروع الصهيوني عندما صنفت اعتداءات حوارة والقرى المجاورة بأنها «إرهاب قومي».


ألقى هذا التنازع المؤسسي بظلاله الثقيلة على تقدير الموقف الاستراتيجي الشامل لإسرائيل عشية خريف 2023، وخلق فجوة تقديرية قاتلة في بنية الوعي الأمني؛ فبينما كانت المؤسسة العسكرية مستنزفة في احتواء اشتعال الضفة الغربية وخوض صراع داخلي لصد تغوّل قادة المستوطنين، استمرت شعبة الاستخبارات العسكرية والقيادة الجنوبية في تبني افتراض مريح يرى أن قطاع غزة محيد اقتصادياً، وأن حركة حماس مرتدعة بفعل التسهيلات المالية وتصاريح العمال. غير أن ما غاب عن مراكز التقدير الاستخباري هو أن المضي الجارف في تنفيذ «خطة الحسم» في القدس والضفة، عبر فرض وقائع التهويد الميداني وإلغاء الآفاق السياسية واستنزاف مقومات الصمود الفلسطيني، لم يكن ليمر بمعزل عن ديناميكيات الصراع الكلي؛ إذ أسهم هذا التحول في تفريغ أي إمكانية للوساطة أو التهدئة، محولاً الصراع إلى مواجهة مصيرية وصفرية مغلقة، لتغدو أطروحة الحسم التي انطلقت من صفحات مجلة فكرية هي المحرك الموضوعي للسياسات الإسرائيلية والرافعة البنيوية التي راكمت أسباب الانفجار الكبير في السابع من أكتوبر. 

________________

نيفين ابو رحمون - كاتبة وسياسيّة فلسطينيّة.

 

الباحثون عن العدالة، الحرية، وحقوق الإنسان.!

 

 

 

  • عدد الزيارات 12848944
Please fill the required field.