العالم يتحرك على الأرجح نحو نظام متعدد الأدوات، من احتياطيات موزعة بدرجة أكبر بين الدولار واليورو والذهب وعملات أخرى، إلى تسويات ثنائية بالعملات المحلية.
افراسيانت - وائل شري - يتكرر الحديث عن «نهاية البترودولار» حتى بات المصطلح يوحي أحياناً بأن العالم يقف على أبواب انقلاب نقدي كبير، ينتقل فيه من الدولار إلى عملة أخرى. لكن الأرقام ترسم صورة أكثر تعقيداً. فآخر بيانات صندوق النقد الدولي المتاحة، للربع الأول من عام 2026، تُظهر أن الدولار لا يزال يشكل 57.13% من احتياطيات النقد الأجنبي العالمية، مقابل 20.03% لليورو و1.99% فقط لليوان الصيني.
وفي سوق الصرف الأجنبي، كان الدولار طرفاً في 89.2% من جميع التعاملات العالمية في نيسان/أبريل 2025، بحسب بنك التسويات الدولية. هذه ليست أرقام عملة على وشك الاختفاء. لكنها في الوقت نفسه لا تنفي أن النظام الذي منح الدولار لعقود درجة استثنائية من الحصرية بدأ يتغير. لذلك، لا يحبذ الحديث عن انتهاء البترودولار كنظام عالمي، بل من الأفضل البدء في التحقيق ما إذا كان هناك أي منافس ينشأ بديلاً لهذا النظام مستوفياً الشروط اللازمة للمنافسة.
البترودولار، في جوهره، أوسع من مجرد بيع برميل النفط بالدولار. فالنظام الذي ترسخ منذ سبعينيات القرن الماضي قام على مجموعة مترابطة من العناصر: تسعير جزء كبير من تجارة الطاقة بالدولار، تراكم فوائض مالية هائلة لدى الدول المصدرة للنفط، ثم إعادة تدوير جزء من هذه الإيرادات في المصارف والأسواق والأصول المالية العالمية، وخصوصاً الأصول الأميركية. وإلى جانب هذه الحلقة المالية، تطورت علاقة أمنية وسياسية وثيقة بين الولايات المتحدة والعديد من دول الخليج، ما جعل النظام النقدي والطاقة والأمن أجزاء من بنية واحدة، وإن لم تكن نتيجة اتفاق واحد بسيط كما يصورها الخطاب الشائع أحياناً.
ورغم التحولات الجيوسياسية الحالية، ما تزال ركائز كثيرة من هذه البنية قائمة. فقوة الدولار لا تأتي من النفط وحده، وهذه نقطة أساسية في فهم النقاش. تقديرات الاحتياطي الفيدرالي تظهر أن الدولار يستخدم في النسبة الأكبر من فواتير التجارة خارج أوروبا؛ وفي أحدث سلسلة شاملة متاحة لفواتير الصادرات، بلغت حصته 96% في الأميركيتين و74% في آسيا والمحيط الهادئ و79% في بقية العالم، باستثناء أوروبا حيث يتمتع اليورو بدور أكبر. وفي التمويل الدولي، نحو 55% من المطالبات المصرفية الدولية وبالعملات الأجنبية، ونحو 60% من الالتزامات المصرفية، مقوّمة بالدولار، كما يدور نصيب العملة الأميركية من إصدارات الديون بالعملة الأجنبية حول 60%.
أما سوق سندات الخزانة، فتبقى إحدى أهم نقاط القوة التي يصعب على أي منافس توفير بديل مماثل لها. ففي حزيران/يونيو 2026 امتلك المستثمرون الأجانب نحو 9.30 تريليون دولار من سندات الخزانة الأميركية، منها نحو 3.78 تريليون دولار لدى جهات رسمية أجنبية. حجم السوق وسيولته وإمكانية الدخول والخروج منه بسرعة يوفر للبنوك المركزية والمؤسسات العالمية مخزوناً هائلاً من الأصول القابلة للتداول، وهي وظيفة لا تستطيع الرغبة السياسية وحدها أن تخلق بديلاً لها.
لكن استمرار قوة الدولار لا يعني أن موقعه بقي ثابتاً. ففي مطلع الألفية كانت العملة الأميركية تشكل نحو 72% من الاحتياطيات العالمية، بينما تراجعت حصتها إلى نحو 57% في مطلع 2026. هذا الانخفاض لا يعني أن البنوك المركزية تتخلى عن الدولار أو أن عملة أخرى أصبحت جاهزة لوراثة موقعه، بل يعكس اتجاهاً أوسع نحو تنويع الاحتياطيات وتقليل الاعتماد على أصل واحد. والأهم أن ما خسره الدولار لم ينتقل إلى منافس واحد؛ بل توزّع بين اليورو وعملات أخرى والذهب، ما يجعل التحول الجاري أقرب إلى تراجع تدريجي في درجة الحصرية التي تمتع بها الدولار، لا انتقالاً منظماً من هيمنة عملة إلى هيمنة أخرى.
ويبرز الذهب كأحد أبرز الرابحين من هذا التحوّل. ففي نهاية 2025، قدّر البنك المركزي الأوروبي أن الذهب بات يشكل نحو 27% من الاحتياطيات الرسمية العالمية بالقيمة السوقية، مقابل نحو 22% لسندات الخزانة الأميركية و15% للأصول باليورو. لكن هذا الصعود لا يعني أن البنوك المركزية تستبدل الدولار بالذهب بالحجم نفسه؛ فجزء كبير من ارتفاع وزنه يعود إلى قفزة الأسعار، بينما بقي نمو الكميات المملوكة رسمياً أكثر محدودية. لذلك، يعكس صعود الذهب اتجاهاً متزايداً نحو تنويع الاحتياطيات والتحوط من المخاطر، لا انتقالاً مباشراً من الدولار إلى الذهب، ولا دليلاً بحد ذاته على انهيار العملة الأميركية.
وهنا يجب التمييز بين ثلاثة مفاهيم غالباً ما تختلط في النقاش العام: تراجع حصة الدولار، وتراجع هيمنته، وانهياره. يمكن أن تنخفض حصة الدولار في الاحتياطيات من أكثر من 70% إلى أقل من 60% من دون أن يفقد موقعه كعملة مهيمنة، إذا بقيت البدائل بعيدة عنه في أسواق الصرف، الائتمان، السندات، والتجارة. أما الانهيار فيفترض تحوّلاً أكثر جذرية كأن يكون فقداناً واسعاً لوظائف الدولار كأصل احتياطي ووسيلة تمويل وتسوية ووحدة تسعير في آن واحد. وهذا ما لا تظهره البيانات حتى الآن.
في المقابل، لا يمكن تجاهل أن البنية التحتية لنظام أكثر تعددية أصبحت تتطور بسرعة أكبر. الصين توسع استخدام عملتها في التجارة والاستثمار؛ ففي النصف الأول من 2025 بلغت المدفوعات والمقبوضات العابرة للحدود باليوان 34.9 تريليون يوان، بزيادة 14.1% على أساس سنوي، ثم وصلت إلى 53.1 تريليون يوان في الأشهر التسعة الأولى. كما عالج نظام المدفوعات الصيني CIPS نحو 175 تريليون يوان من المدفوعات العابرة للحدود خلال 2024، بزيادة 43%. وبالتوازي، اختبرت مشاريع مثل mBridge بنية لتسويات مباشرة بين بنوك مركزية ومصارف تجارية باستخدام العملات الرقمية للبنوك المركزية، بمشاركة الصين وهونغ كونغ، والإمارات، وتايلاند، والسعودية. هذه التطورات لا تعني إنشاء «بديل للدولار» بين ليلة وضحاها، لكنها تعني أن تنفيذ بعض المعاملات خارج القنوات التقليدية أصبح أكثر قابلية للتطبيق تقنياً ومؤسسياً.
كما أن الاستخدام المتزايد للعقوبات المالية يضيف حافزاً جيوسياسياً إلى هذا الاتجاه. أبحاث عرضها الاحتياطي الفيدرالي وجدت ارتباطاً بين العقوبات والابتعاد الجيوسياسي عن الولايات المتحدة وبين انخفاض الحصة الدولارية في احتياطيات بعض الدول. لكن النتيجة المقابلة لا تقل أهمية، إذ حتى بعد تجميد احتياطيات روسيا والعقوبات الواسعة منذ 2022، لم تظهر عملية خروج عالمية كبيرة من الدولار. أي أن الرغبة في تقليل التعرض للنظام المالي الأميركي موجودة لدى بعض الدول، إلا أن تحويل هذه الرغبة إلى بديل متكامل أكثر صعوبة بكثير.
واليوان أفضل مثال على ذلك. الصين قوة تجارية هائلة، واستخدام عملتها يتوسع بالفعل؛ فقد ارتفعت حصة اليوان في معاملات سوق الصرف العالمية إلى 8.5% في 2025. لكن حصته من الاحتياطيات العالمية لا تزال 1.99% فقط. السبب أن العملة الدولية لا تحتاج إلى اقتصاد كبير فحسب، بل إلى أسواق مالية عميقة ومفتوحة، وحرية عالية لحركة رؤوس الأموال، وأصول آمنة بكميات ضخمة، وقابلية كاملة للتحويل، إضافة إلى ثقة المستثمرين بالقواعد والمؤسسات. ويشير الاحتياطي الفيدرالي إلى أن القيود على حركة رؤوس الأموال وعدم قابلية اليوان للتحويل بحرية كاملة لا تزال من أبرز العوائق أمام تحوله إلى منافس شامل للدولار. وهكذا تستطيع الصين توسيع مساحة اليوان من دون أن يعني ذلك بالضرورة أن اليوان بات قادراً على استبدال الدولار.
تبقى الطاقة جزءاً مهماً من المعادلة. فمركز الثقل في نمو الطلب النفطي يتحرك منذ سنوات باتجاه الاقتصادات الآسيوية، حتى لو أدت اضطرابات عام 2026 إلى تشويه المسار مؤقتاً. وفي توقعات وكالة الطاقة الدولية المتوسطة الأجل، كانت الاقتصادات الناشئة والنامية مرشحة لإضافة نحو 4.2 ملايين برميل يومياً إلى الطلب بين 2024 و2030، مع هيمنة الأسواق الآسيوية على الزيادة، وارتفاع طلب الهند وحدها بنحو مليون برميل يومياً.
وكلما أصبحت الصين والهند وآسيا وجهة أكبر لصادرات الطاقة، ازداد منطق توسيع خيارات التسوية لدى المنتجين. لكن هناك مسافة كبيرة بين زيادة استخدام اليوان أو العملات المحلية في عقود ثنائية وبين تغيير عملة التسعير والسيولة والتحوط في سوق النفط العالمية بأكملها.
لذلك، يبدو السيناريو الأكثر واقعية للسنوات المقبلة أقل دراماتيكية من رواية سقوط الدولار، لكنه أكثر أهمية اقتصادياً. العالم يتحرك على الأرجح نحو نظام متعدد الأدوات، من احتياطيات موزعة بدرجة أكبر بين الدولار واليورو والذهب وعملات أخرى، إلى تسويات ثنائية بالعملات المحلية، واستخدام أكبر لليوان في التجارة المرتبطة بالصين، وشبكات دفع جديدة تعمل بالتوازي مع البنية المالية التقليدية.
وفي هذا النظام قد يفقد الدولار بعضاً من هيمنته من دون أن يفقد مركزيته. لا توحي المعطيات الحالية بأن الدولار يتجه إلى الانهيار الكامل أو فقدان موقعه المركزي في النظام المالي العالمي. لكن هذا الموقع لم يعد بالصلابة والحصرية نفسيهما اللتين ميّزتاه لعقود. ما يتشكل اليوم ليس عالماً بلا دولار، بل نظاماً أكثر تعددية، يحتفظ فيه الدولار بالصدارة، فيما تتوسع إلى جانبه العملات المحلية واليوان واليورو والذهب وقنوات دفع بديلة. وبذلك، قد لا تكون المرحلة المقبلة مرحلة نهاية الدولار، بقدر ما تكون نهاية عصر الاعتماد شبه المطلق عليه.
________________
