الروائي والقائد الشهيد نضال عبد العال الذي استشهد في بيروت العام 2024 في منطقة الكولا، له أربعة روايات: سردٌ آخر، مسلة أديم المفقودة، ازدحام، السلك النحاسي.
افراسيانت - باسل عبد العال - نفتح صفحات رواية الشهيد نضال عبد العال روايتهُ "ازدحام" الفائزة بجائزة الأديب مصطفى بيومي للرواية بين عامي 2021 و 2022 الصادرة عن مركز إنسان في مصر، حيث تروي الرواية ازحام المأساة التي يعيشها سعيد وأسماءه المتعددة :"صادق ومحجوب وعثمان ومحفوظ وبسام"، أسماء شخصيات الرواية وأبطالها الذين يعيشون حياة استثنائية في زمن العدوان والمقاومة، هربأ وتخفّي من الإحتلال أثناء اجتياح بيروت، ويبدو المكان في الرواية هو الشتات الفلسطيني في مخيمي صبرا وشاتيلا، بالإضافة إلى جنوب لبنان ومقاومة الإحتلال في المناطق، كما تضيء بشكلٍ دقيقٍ على صِلاع الوجود والهوية في الشتات لفتى لم يتجاوز عمرهُ السادسة عشرة، التحق بالفدائيين الفلسطينيين في زمن الإجتياح، وعن إعتقالهِ ومعاناتهِ في سجن أنصار في جنوب لبنان، ويعيش سعيد " متعدد الأسماء" المعاناة الفلسطينية بكاملها من النكبات إلى الصمود والفقد والضياع، وخصوصاً بعد اسشتهاد عائلته بكاملها في المجازر المروعة التي وقعت في تلك المرحلة، في مخيمي صبرا وشاتيلا في بيروت، لكنّهُ ريثما يعثر على الأمل الإستثنائي، من خلال صديقاً لهُ في المعتقل يتعرّف عليه، ويرشدهُ إلى طريق الصواب، بعدما غرق في الإدمان من شدّة المعاناة، كما أن سعيد له عادة يرددها دائماً هي " عارف كيف...؟"، وفي المعتقل أيضاً، تعرف على زينب الجنوبية في معتقل أنصار، وأصبحت زينب بالنسبة له الدواء الشافي والحضن الدافىء الذي يبعث الأمل والطمئنينة، وبعد سنوات أثناء المواجهات المباشرة مع الإحتلال في صيدا، فُقدت زينب فجأةً، ولم يعثر عليها...
يقول في صفحة رقم " 36": " صار صادق جزءاً من ملامح المكان الذي يشغلهُ منذ سنين طويلة، ويقال لأكثر من عشرين عام محشوّاً في زاوية، تحت درج خارجي بني تجاوزاً فأخذ مكانهُ إلى جانب الطريق العام، يشرف على تقاطع يربط شارعين، ويتصلان بسوق المخيم، إنّها منطقة حيوية، تكاد لا تخلو من المارة، الآلاف يمرون من هناك يومياً، ليلاً ونهاراً، هذا عدا عمّا يشاع من أقاويل."
تبرز حالة التشرد والضياع على هذا الفدائي الإستثنائي "صادق" الذي تفاصيل المخيم بكل مأساتهِ، كأنّهُ هو أيضاً يعيش في معتقل من نوعٍ آخر، وفي هذا الإزدحام الغريب من الأسئلة المأساوية وحالة الفقد التي تسيطر على مشاهد الرواية التي تتنقل بأصواتها المتعددة، من المقاومة المتفجرة إلى الإحتلال المتوحش حتى الشتات والضياع في غياهب المجازر، كما أنّ صوت الراوي فيها يتنقل من سعيد إلى صادق ومحجوب، مما يدلُّ على أنّهم شخصية واحدة متعددة الأسماء ومتعددة المعاناة، ولغة الرواية شعرية بإمتياز، وفيها من الفلسفة والحكمة السلسة التوصل رسالتها بهدفٍ عفويٍّ لامع، لأنّها رواية الأمل الإستثنائي الذي يعثر عليه سعيد في السجن ويصبح الأمل هو سلاح المستقبل الذي يجعلهُ المقاوم الإستثنائي، حينما يكشف عن أسماءهِ الكثيرة التي هي:" سعيد، منصور، محفوظ، بسام، محجوب، رضوان، صادق.."
والأجمل في الرواية أنّهُ يكشف عن أسماءهِ، أثناء سفرهِ عند إقلاع الطائرة من المطار، وتأتي كخاتمة للرواية، حينما يكتب على ورقة في خانة الإسم الأول، أسماءه المتعددة التي اخترعها سابقاً لكي يهرب من ملاحقة الصهاينة له، ويتضح ذلك في صفحة رقم " 90" يقول:
"صادق مختلف عنك يا سعيد، وعن منصور، وعن محفوظ وعن بسام ومحجوب ورضوان، هل تعرف من هم هؤلاء؟ هؤلاء مخلوقاتي، وأنا بعكسك تماماً، أنت كنت تخلقهم خارجك، لذلك تمكنوا من قتلهم كما البقية، أمّا أنا عارف كيف، فقد خلقتهم داخلي، إنّهم يعيشون داخلي، ولن يتمكن منهم أحد إلا عندما يتمكن من".
يُبدع الروائي الشهيد نضال عبد العال في التعامل مع أسماء سعيد المتعددة التي تعيش فيه، بعد أن أصبحت مخلوقاته، ولم يستطع قتلهم أحد لأنّهم يعيشون في داخله، هم يعيشون في المعنى الحقيقي الذي خلقهُ لهم سعيد أيضاً، فلولا المعنى لفقدت تلك الأسماء قيمتها في داخله، والمعنى في الأسماء، ربما يتنقل معهُ في الرواية من فصل إلى آخر، ففي الفصل الأول تجد المعنى يدور في سياق البدء والإنتهاء،"عنوان الفصل: سعيد يبدأ من حيث انتهى صادق".
ثمّ ينتقل إلى الفصل الثاني، "يمارس سعيد هوايتهُ، ويملأ الفراغ بمخلوقاته الغريبة..."، والفصل الثالث والرابع، وهكذا يتنقل من فصلٍ لآخر، بحيث ينتقل المشهد الروائي في مسيرة المعاناة مع الأسماء المخلوقة، إلى أن يصل إلى الفصل الأخير فيكشفها كلها،انّها شخصية استثنائية واحدة، لا تخلو من ازدحام المعاناة الكبيرة، لكنّها في النهاية لا تفقد الأمل المقدس في الرواية، أراد نضال في الرواية أن يقول لنا: أنّ مصير سعيد هو مصير كل الشعب الفلسطيني، في طريق النكبات من جيلٍ إلى جيل، مثلما قال:
"النكبة يا صديقي، أنّها النكبة يا سعيد، عارف كيف، لم تكن حدثاً قاسياً عابراً في حياتنا، ليست مطرقة عادية، صدعت جداراً وأوجدت ثقباً فيه. إنّها مطرقة جهنمية حطّمت عالمنا".
رواية ازدحام للروائي الشهيد نضال عبد العال، هي رواية تبحث عن الأمل المفقود وتتمسك به، رغم ازدحام الإنكسارات واليأس والأزمات الكبيرة، لكنّها تقول بوضوح لنا: يستطيع سعيد الإستثنائي أن ينتصر بالأمل ويصبح استثنائياً.
________________


