مجلة أفراسيا

حين تغنّي العاصفة (*) 

حين تغنّي العاصفة (*) 

افراسيانت - زاهي وهبي - من بابل، حيث ولدت الكتابة الأولى، وحيث تقف اليوم على أرض الرافدين، إلى عمشيت وبيروت والجنوب وفلسطين، نقول لك: صوتك لم يزل وعداً من العاصفة، وفي قلب العاصفة، ونصراً على العاصفة.


إلى مارسيل خليفة، في بابل..

زاهي مع الفنان المقاوم مرسيل خليفة


في المدينة الأسطورة، بين بوابة عشتار وحدائقها المعلقة في الذاكرة، تقف على أرض الرافدين، عائداً إلى ينبوع الحكاية الأولى. هنا، حيث تتنفس الحضارة من طينها الأزلي، يحتفى "مهرجان بابل" بك، أيها العاشق الذي حمل أغانيه في جواز سفر يتجاوز الحدود، فعبر المدن كما تعبر العاصفة وعودها.


50 عاماً تمتد رحلة بدأت حين غادرت لبنان الممزق بالحرب حاملاً ديوان محمود درويش، و"وعوداً من العاصفة"، باكورة شراكة مع شاعر لم تكن قد التقيته بعد، ثم صار لقاؤك به شراكة عمر وحكاية إبداع.


وعلى مدى نصف قرن، ما زالت تلك الكلمات تتردد في الحناجر العربية. كانت ألحانك تغني الحياة، وتمنح الروح أسباباً للتمسك بالأمل. كنت تشاكس المألوف، وترفض الركون إلى المنجز الجاهز، لأنّ ذلك الركون، في نظرك، إعلان وفاة قبل الأوان.


أسست فرقة الميادين، فغنيت للوطن والإنسان والحب والحرية. غنيت لقريتي عيناثا، ففرح أهل بلدة حدودية بأغنيتك واعتبروها مشاركة لهم في صراعهم اليومي مع الاحتلال والحرمان. ورحت تطوف العالم بعودك، منتصراً للأرض وللإنسان، رافضاً الظلم حيثما كان.


ولم تكن رحلتك سهلة. منعت حفلاتك في عواصم عدة، وصودرت أشرطتك، وحورب صوتك. لكنّك لم تركع. كنت تغني في المدائن المحاصرة، وفي المخيمات، وفي القرى المنسية، وفي كل مكان رفعت فيه راية للحرية. لم تكن موسيقاك ترفاً، كانت فعل مقاومة.


وصوتك، يا مارسيل، كان لنا عوناً في عتمة الملاجئ ورجفة الخنادق. كان يشق الظلام فيصل إلى القلوب المتعبة فيعيد إليها نبضها. كان شاهداً على قصص الحب التي أزهرت بين الركام، وعلى لحظات العناق التي تحدت الموت، وعلى دمعات الفراق التي ذرفت بصمت، وعلى وداع الرفاق الذين مضوا وتركوا في الحناجر أغنية لم تكتمل.


كنت تغني لهم جميعاً، فتمنح الحب عمراً أطول من الحرب، وتمنح الفراق كرامة لا تنكسر، وتمنح الشهادة صوتا لا يخفت.


وليس صوتك وحده ما يبقى. إنّما تبقى معه أصواتنا جميعاً: أصوات الذين أحببنا، والذين فارقنا، والذين ماتوا وهم يتمتمون أغنية من أغانيك. صارت موسيقاك ذاكرة جماعية، لا يستطيع جيل عربي أن ينساها، ولا أن يتخلى عنها.

 


ولموسيقاك وحدها، بعيداً من الكلمات والقصائد، حديث آخر. هناك، حيث يسكت الشعر ويبقى العود، حتى ليخيل إلى سامعها أنه لا يصغي إلى ملحن ومؤلف موسيقي، بل إلى عاشق يعرف كيف يبوح. في موسيقاك الخالصة، إلى جانب الثورة والعنفوان، سحر وغواية، حتى تبدو أحياناً كأنها أنثى تختال غواية ودلالاً، تمد يدها فتقودك حيث تشاء، ثم تتراجع خطوة لتتركك تتوق وتشتهي. وهي في الوقت نفسه كموجة تتراجع عن الشاطئ لتتركه مشتاقاً، ثم تعود إليه فتحتضنه. فيها رقصة لا تنتهي، وفيها حزن لا يشكو، وفيها فرح يخاف أن يفلت. لهذا كانت موسيقاك تغري كما تحب، وتعشق كما تقاوم.


وقبل أن تغني، كنت قد منحت العود مقاماً لم يعرفه من قبل. جعلته يتكلم وحده، لا مرافقاً لصوت ولا خادماً للكلمة، بل صوتاً قائماً بذاته، يحمل الفرح والحزن والغضب والحنين في نغمات ترتقي إلى مقام الشعر. بذلك، أعدت للعود عرشه الذي كاد ينسى في زحمة الآلات الحديثة.


وثمة وجه آخر لعبقريتك، قد لا يعرفه كثيرون: إنّك ناثر ممتاز، تكتب العربية بصفاء ورشاقة، وتتكشف براعتك النثرية في النصوص التي تنشرها على مواقع التواصل، نصوص تحمل خبرة العاشق، وحكمة الكهل، ودهشة الطفل. وليت هذه النصوص تجمع في كتاب، فهي جديرة بأن تُقرأ في ضوء تجربة متعددة المنابع والاتجاهات.


ولك أيضاً عين قناص ماهر، تعرف كيف تقتنص أجمل ما في النصوص لتغنيها. ولو قارنا بين القصائد المغناة وأصولها، لرأينا أنك تأخذ منها درة تاجها، وتترك للصفحة ما يكمل جمالها، وتأخذ للصوت ما يخلده.


ومع أنك غنيت بالعربية، فإن موسيقاك تجاوزت اللغة. في باريس ومدريد وساو باولو وسواها، وفي كل مدينة وطئتها قدماك، وجد الناس في عودك لغة أخرى يفهمونها بقلوبهم. صرت سفير الفرح والحزن العربيين إلى العالم، ومن لم يفهم كلماتنا، فهم نغماتنا.


وانحيازك لفلسطين، ولجنوب لبنان، وللفقراء والعشاق والحالمين، هو أولاً انحياز إلى الإنسان. إلى الإنسان في وجه القهر، وإلى الحلم في وجه الخراب، وإلى الحياة في وجه الموت.


وهنا لا بد لي من وقفة شخصية. كنت فتى يافعاً في جنوب لبنان، أسمع أغانيك تحت هدير الطائرات ودوي المدافع، فأعشق موسيقاك وصوتك الدافئ. لم أكن أتخيل أن يأتي يوم تلحن فيه بعضاً من قصائدي، وأن نصبح صديقين نترافق في رحلات وأمسيات، وأن تكون صداقتك قيمة إنسانية مضافة، ورفقتك متعة روحية وفكرية. وأن نلتقي معاً تحت سماء العراق، وفي بابل العريقة، فهذه فرصة جديدة لمزيد من الحب والجمال.

 


يا مارسيل، أنت اليوم في بابل، حيث ولدت الكتابة الأولى. وها هو العود يعود إلى مهده الأول. في بابل، حيث رسمت أولى الحروف على الطين، يجد فنك معناه الأكمل: أن تعود الكلمة إلى ينبوعها، وأن يعود الصوت إلى أرض عرفت أن الفن وحده هو ما يبقى بعد زوال الممالك. هنا، على أرض عرفت العاصفة منذ فجر التاريخ، يأتي التكريم تتويجاً لمسيرة اختارت الصمود، ولعود يرفض الموت.


وبعد رحلة ناهزت نصف قرن، تبدو "وعود من العاصفة" طازجة كأنها كتبت هذا الصباح، لأن الظروف تشبه نفسها، ولأن صوتك الصامد يجد صداه في كل حنجرة عربية تبحث عن فرح خلف أجفان العيون الخائفة.


ومن بابل، حيث ولدت الكتابة الأولى، وحيث تقف اليوم على أرض الرافدين، إلى عمشيت وبيروت والجنوب وفلسطين، نقول لك: صوتك لم يزل وعداً من العاصفة، وفي قلب العاصفة، ونصراً على العاصفة.


وبعد 50 عاماً، لا تزال العاصفة تولد من جديد، ولا يزال الوعد قائماً: أن يبقى الصوت حراً، وأنْ يبقى العود صامداً، وأن تبقى الكلمة الحرة نبضاً في قلب كل عاشق، وفي قلب كل مناضل وفي قلب كل إنسان.

________________

(*) ألقيت في حفل تكريم الفنان مرسيل خليفة في "مهرجان بابل للثقافات العالمية" في العراق.

 

الباحثون عن العدالة، الحرية، وحقوق الإنسان.!

 

 

 

  • عدد الزيارات 12848694
Please fill the required field.