افراسيانت - ترى الكاتبة رنا فوروهار أن الولايات المتحدة بدأت تفقد بعض سماتها التي جعلتها تبدو "استثنائية" مقارنة بالدول الغربية الأخرى، وباتت تقترب -في عدد من الجوانب الاقتصادية والسياسية- من نموذج إيطاليا.
وتبني فوروهار مقارنتها -في مقال تحليلي نشرته صحيفة فايننشال تايمز- على ثلاثة محاور رئيسية: تراجع مكافحة الفساد، وصعود الشعبوية، والتحولات المقلقة في سوق العمل وخصوصا بالنسبة للشباب.
وتشير الكاتبة إلى أن الولايات المتحدة وإيطاليا تشهدان -بدرجات مختلفة- تراجعا في جهود مكافحة الفساد، مستندة إلى مؤشرات دولية ترى أن البلدين يُضعفان بعض آليات الرقابة والمساءلة.
وترى أن هذا المسار يتزامن مع تراجع ديمقراطي، إذ أدرجت دراسات ومؤسسات بحثية البلدين ضمن الدول الغربية التي شهدت تراجعا ملحوظا في مؤشرات الديمقراطية خلال السنوات الأخيرة.
تحوُّل النظرة إلى الفساد
وبحسب فوروهار، فإن المشكلة لا تكمن فقط في وجود الفساد، وإنما في تحول النظرة إليه لدى المواطنين، بحيث يصبح أمرا مألوفا يُنظر إليه باعتباره واقعا لا يستطيع الفرد العادي تغييره.
وتلفت الكاتبة -نقلا عن استطلاع لغالوب- إلى ارتفاع نسبة الأمريكيين الذين يرون أن الفساد منتشر في الحكومة من 60% عام 2006 إلى 89% حاليا، معتبرة أن هذا يعكس تنامي التشاؤم تجاه النظام الاقتصادي والسياسي، ولا سيما بين الأجيال الشابة.
وتعتبر فوروهار أن سوق العمل يمثل أحد أبرز أوجه التشابه بين الولايات المتحدة وإيطاليا، فالشباب الأمريكيون يواجهون معدلات بطالة أعلى بكثير من العمال الأكبر سنا، بينما يعاني الاقتصاد الإيطالي من فجوة أكثر حدة في هذا المجال.
ولا تفسر الكاتبة المشكلة بالعمر وحده، بل تربطها أيضا بالخلفية الاجتماعية والاقتصادية، إذ أصبح المكان الذي يولد فيه الشخص والأسرة التي ينتمي إليها أكثر تأثيرا في فرصه المستقبلية، وهو ما يجعل الولايات المتحدة -بحسب تحليلها- أقرب إلى أنماط "أوروبا القديمة" من حيث ضعف الحراك الاجتماعي.
وتضيف فوروهار أن صعود الذكاء الاصطناعي قد يزيد هذه الفجوة مؤقتا، خلافا للتوقعات التي تفترض أن التكنولوجيا ستمنح أفضلية تلقائية للشباب، فالعمال الأكبر سنا يمتلكون في كثير من الحالات خبرة مهنية وقطاعية تساعدهم على الاستفادة من أدوات الذكاء الاصطناعي، بينما قد يواجه الداخلون الجدد إلى سوق العمل مخاطر أكبر.

المدعي العام في جنوب نيويورك بعد إعلانه عن توجيه اتهامات بالفساد إلى السيناتور الأمريكي روبرت مينينديز (الفرنسية)
مزيد من الشعبوية والاستقطاب السياسي
وتستشهد الكاتبة بتقديرات لمكتب الإحصاء الأمريكي تشير إلى أن خريجي التخصصات الأكثر تعرضا للذكاء الاصطناعي قد يواجهون فرصا أقل للحصول على وظائفهم الأولى، ودخولا أدنى من نظرائهم في القطاعات الأقل تعرضا للتكنولوجيا.
وترى فوروهار أن تراكم هذه الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يغذي مزيدا من الشعبوية والاستقطاب السياسي، إذ إن تراجع فرص الشباب وارتفاع الشعور بعدم المساواة يمكن أن يعمقا الانقسامات بين الأجيال وبين المعتدلين والتيارات الأكثر تطرفا.
وفي هذا السياق، تستحضر الكاتبة تجربة إيطاليا التي مرت -حسب المقال- بدورات متكررة من الأزمات الاقتصادية والسياسية، قبل أن تشهد مؤخرا تحسنا في بعض مؤشرات الصادرات والتوظيف.
وتخلص الكاتبة إلى أن الولايات المتحدة بدأت تواجه تحديات كانت تُنسب تقليديا إلى دول أوروبية أقل نجاحا اقتصاديا وسياسيا، محذرة من أن استمرار الاختلالات في الاقتصاد السياسي الأمريكي قد يؤدي إلى حلقة مفرغة: تباطؤ النمو، وتراجع فرص الشباب والفئات الأقل دخلا، وتصاعد الشعبوية والاستقطاب، مما يضعف بدوره قدرة النظام على معالجة مشكلاته الأساسية.
في هذا الصدد، قال الكاتب الأمريكي توماس فريدمان إن أمريكا باتت على وشك الانفجار وذلك بسبب سياسات الإدارة الحالية بقيادة الرئيس دونالد ترمب في عدة مجالات أهمها ملف الهجرة الذي أصبح في الصدارة على خلفية التوتر بمدنية مينيابوليس في ولاية مينيسوتا جراء ممارسات موظفي الإدارات المعنية بالموضوع.
وباعتباره من أبناء مينيابوليس ونشأ فيها ولا يزال مرتبطا بها، تحدث فريدمان، في بودكاست خاص على موقع نيويورك تايمز، عما يجري في المدينة التي شهدت أعمال عنف خلال عطلة نهاية الأسبوع ووضعت تحت المجهر سياسة الرئيس ترمب في مكافحة الهجرة غير النظامية.
وبلغ التوتر ذروته في المدينة عندما أطلق أحد موظفي إدارة الجمارك وحماية الحدود النار على أليكس بريتي (37 عاما، ممرض) وأرداه قتيلا، وذلك بعد أسبوعين فقط من مقتل رينيه غود (37 عاما، أم لثلاثة أطفال) على يد أحد عناصر إدارة الهجرة والجمارك في المدينة نفسها.
وقال فريدمان إنه لأسباب صحية تعذر عليه الذهاب إلى مسقط رأسه ليكون شاهدا على ما يجري هناك، وإنه يتابع الوضع عن بعد بمزيج من الفخر والألم؛ فخر بالطريقة التي تكاتف بها سكان مينيابوليس للدفاع عن أنفسهم ضد الاعتقال التعسفي من منازلهم أو في الشوارع لمجرد أن مظهرهم يوحي بأنهم مهاجرون.
وأضاف أنه في الوقت نفسه، يشعر بألم حقيقي لأن المدينة واقتصادها ومجتمعها بصدد التعرض للاعتداء من قبل الحكومة الفدرالية، في خضم ما سماه "حرب شوارع" في مينيسوتا يقودها "أسوأ الأشخاص في إدارة ترمب، أمثال ستيفن ميلر ووزيرة الأمن الداخلي كريستي نويم، والرئيس ترمب نفسه".
وفي نظر فريدمان، فإن هؤلاء المسؤولين لم يكونوا يحاولون حل مشكلة، بل كانوا يحاولون استغلال مشكلة لزرع الفتنة في صفوف الأمريكيين، وكانوا يستخدمون العنف لتعزيز مكانتهم السياسية.
كارثة محتملة
وعن السياق السياسي لما يجري في مينيابوليس، قال فريدمان إن العام الجاري سيكون بالغ الأهمية لأمريكا وإنه لا يستطيع أن يتخيل ما قد يفعله ترمب إذا استمر الجمهوريون في السيطرة على جميع مقاليد السلطة (البيت الأبيض والمحكمة العليا ومجلسي الشيوخ والنواب). وأضاف أنه لو أصبح ترمب غير قلق بشأن مآل الانتخابات المقبلة وبات طليقا تماما فإن ذلك سيكون كارثة على أمريكا.
وبخصوص تداعيات أحداث مينيابوليس، أظهر استطلاع رأي أجرته صحيفة نيويورك تايمز بالتعاون مع معهد سيينا أن غالبية الأمريكيين يعارضون بشدة طريقة عمل موظفي إدارة الهجرة والجمارك، فيما أبدى عدد من مستشاري الرئيس ترمب قلقهم بشأن تصاعد الأحداث في مينيابوليس.
ولمح فريدمان إلى انقسام في صفوف الإدارة الحالية بشأن ملف الهجرة حتى قبل مقتل المتظاهر بريتي السبت الماضي وبالتالي ليس مفاجئا، في نظره، أن يغير الرئيس ترمب موقفه ويتراجع عن تصريحاته المتشددة حول أحداث مينيابوليس.
وفي نظر الكاتب، فإن أزمة الهجرة بدأت تُطرح منذ العهدة الأولى للرئيس ترمب (2017-2021) وإنه لا يمكن تحقيق توافق وطني بشأن الهجرة إذا شعر الناس أن حدود البلاد مفتوحة.
وأقر الكاتب، وهو ذو ميول للحزب الديمقراطي، أن الإدارة الديمقراطية الأخيرة ارتكبت خطأ فادحا في التعامل مع ملف الحدود وربما لذلك السبب بات الناس يشعرون أن مجتمعاتهم تتغير بوتيرة أسرع مما يستطيعون استيعابه ثقافيا، ويشعرون بفقدان السيطرة، فخرجوا وأعادوا انتخاب دونالد ترمب.
معالجة جذرية لملف الهجرة
وحسب الكاتب، فإن ترمب كانت لديه فرصة لمعالجة ملف الهجرة جذريا عندما سيطر على مجلسي النواب والشيوخ والبيت الأبيض والمحكمة العليا إذ كان بإمكانه تمرير أي تشريع يريده للسيطرة على الحدود وإنشاء مسار قانوني للمهاجرين الذين يعملون بجد ويسهمون في تنمية مجتمعاتهم، ماليا وثقافيا.
وأضاف فريدمان أن الرئيس ترمب لم يفعل ذلك في ولايته الأولى لأنه أراد استغلال أزمة الهجرة لإثارة الانقسام ولأنه يسعى دائما للفوز في الانتخابات عن طريق التفرقة لا التوافق وبهذا يعرّض الديمقراطية الأمريكية للخطر.
وعن تأثر صورة أمريكا ومكانتها العالمية جراء ما يجري حاليا بشأن الهجرة وملفات أخرى (غرينلاند، رسوم جمركية..)، قال فريدمان إنه إذا انطفأت شعلة أمريكا، انطفأت شعلة العالم بأسره وإذا سادت الأنانية في أمريكا، سادت الأنانية في بقية العالم.
وأوضح فريدمان، أن أمريكا تمر حاليا بمرحلة انتقالية من بلد ذي أغلبية بيضاء إلى بلد ذي أغلبية من الأقليات، ووصف هذه المرحلة بأنها صعبة ومؤلمة لبعض الأمريكيين بعد أن اهتز شعورهم بالانتماء، وبالأعراف الثقافية، وبالأمان الوظيفي.
ومما فاقم ذلك التحول الصعب هو ظهور دونالد ترمب على الساحة وهو يحمل أجندة قوامها بناء جدار من أجل التصدي ليس فقط للمهاجرين بل لرياح التغيير العاتية التي تهب على البلاد.
تلاشي المؤسسات
وأعرب فريدمان عن قلقه من أن تتلاشي مؤسسات البلاد وقال إن الرئيس ترمب أقدم على "مهزلة حقيقية" عندما عيّن على رأس بعض المؤسسات الرئيسية (وزارة الصحة والخدمات الإنسانية، مكتب التحقيقات الفدرالي، وزارة الأمن الداخلي) أشخاصا غير مؤهلين لتلك المناصب، وهذا ما يجعل تلك المؤسسات في خطر، وسيكون من الصعب استعادتها إذا انهارت.
كما أبدى فريدمان قلقة إزاء ما قال إنها مرحلة انتقالية تكنولوجية واجتماعية وثقافية عصيبة تمر بها البلاد، تفاقمت بسبب بفعل الثورة الرقمية وهي صناعة تستفيد من إثارة الغضب والانقسام بين الأمريكيين وتزيد من حدة التوتر.
وفي نظر الكاتب فإن ذلك الوضع تفاقم عندما دخل إلى المشهد دونالد ترمب وجعل من من المسموح به والمربح سياسيا قول وفعل أي شيء وهو ما لم يسبق لأي رئيس أمريكي أن فعله.
ولتجاوز ذلك الوضع، دعا فريدمان إلى أمرين، أولهما ضمان صمود المؤسسات الأمريكية وهو ما يجعل انتخابات التجديد النصفي لعام 2026 تكتسي أهمية بالغة للغاية، والأمر الثاني هو حاجة البلاد إلى تهدئة الوضع وإعادة الأمور إلى نصابها.
________________
المصدر: فايننشال - نيويورك تايمز
