رأي

اقتصاد الاعتراض وشتاء أوكرانيا القادم.. كيف تحوّلت شبكة الكهرباء الأوكرانية إلى جبهة استراتيجية؟

اقتصاد الاعتراض وشتاء أوكرانيا القادم.. كيف تحوّلت شبكة الكهرباء الأوكرانية إلى جبهة استراتيجية؟

السؤال المركزي هذا الشتاء ليس ما إذا كانت أوكرانيا قادرة على إسقاط كل مسيّرة أو حماية كل محطة، بل ما إذا كانت تستطيع إبقاء الجبهة والدولة والمجتمع في حالة عمل في الوقت نفسه.


افراسيانت - علي عيسى - في كييف، لم يكن انقطاع الكهرباء مساء 30 سبتمبر/أيلول مجرد نتيجة جانبية لجولة قصف جديدة. توقفت خطوط من الترام وحافلات الترولي، وحذّرت شركة التوزيع من انقطاع المياه عن الطوابق العليا، وفرض مشغّل الشبكة الوطنية Ukrenergo انقطاعات طارئة في العاصمة وثلاث مناطق مجاورة، للمرة الأولى منذ الربيع.


ثم أعلن جداول تقنين لليوم التالي، قبل أن يلغيها صباحاً ويكتفي بدعوة السكان إلى ترشيد الاستهلاك. هكذا بدا المشهد إعلاناً مبكراً عن طبيعة الشتاء: شبكة الكهرباء نفسها عادت إلى خط المواجهة.


ووفق رئيس الوزراء الأوكراني سيرغي كوريتسكي، كان الهجوم الروسي المركّب الأوسع على قطاع الطاقة منذ نهاية موسم التدفئة السابق. أما موسكو فقالت إنها ضربت محطات طاقة في منطقة كييف ومنشآت صناعية ومرفئية في الجنوب. وبين الروايتين، يبقى الثابت أن الحرب على الكهرباء تضغط في آن واحد على الدولة والاقتصاد والمجتمع والقدرة العسكرية.


 لماذا الكهرباء تحديداً؟


محطة الكهرباء ليست منشأة تنتج الطاقة فحسب، بل عقدة مركزية تتصل بها شبكات المياه والاتصالات والسكك الحديدية والمستشفيات ومراكز البيانات والمصانع وأنظمة التدفئة. وحين تتعطل، لا يبقى الضرر داخل سورها: تتوقف مضخات، وتتباطأ مصانع، وتعمل المولدات الاحتياطية بالوقود، وتتحول الصيانة إلى سباق مع الزمن.


وتُظهر بيانات وكالة الطاقة الدولية حجم التحول الذي أصاب المنظومة الأوكرانية. فقبل عام 2022، بلغت القدرة التوليدية القابلة للتشغيل (Dispatchable Generation Capacity) نحو 38 غيغاواط. وخلال السنة الأولى من الحرب فُقد نحو 19 غيغاواط بسبب الاحتلال أو التدمير أو الضرر، ثم هبطت القدرة إلى نحو 12 غيغاواط بعد هجمات ربيع 2024، قبل أن تستعيد أوكرانيا جزءاً منها بالإصلاح وإضافة قدرات جديدة.


بهذا المعنى، لم تعد حماية الطاقة ملفاً خدمياً، بل جزءاً من قدرة الدولة على الاستمرار: كل ميغاواط مفقود يعني اقتصاداً وخدمات وجهداً عسكرياً أضعف في الوقت نفسه.


المسيّرات النفاثة وتغيير معادلة الدفاع


استهداف الطاقة يبدأ في السماء. فوفق سلاح الجو الأوكراني، أطلقت روسيا في موجة الهجوم التي امتدت حتى مساء 30 سبتمبر 285 مسيّرة، بينها 174 مسيّرة نفاثة (Jet-powered Drones) أسرع وأعلى تحليقاً من النماذج المروحية، وأعلنت كييف أنها أسقطت أو حيّدت إلكترونياً 254 منها، بينها 146 نفاثة. _ وهذه أرقام صادرة عن الجانب الأوكراني ولا يتوافر تحقق مستقل كامل منها.-


التحول مهم لأن المسيّرة الأسرع تقلّص وقت الرصد والاعتراض، وقد تتجاوز بعض الوسائل الدفاعية الأرخص، مثل الرشاشات أو المسيّرات الاعتراضية الأبطأ، فتدفع الدفاع إلى استخدام وسائل أكثر تقدماً وكلفة. وقبل يومين من الهجوم، قال الرئيس الاوكراني فولوديمير زيلينسكي إن بلاده تعترض نحو 57% من المسيّرات النفاثة، مقابل معدلات أعلى للنماذج الأقدم.


وهنا يظهر مفهوم مركزي لفهم هذه المرحلة من الحرب: اقتصاد الاعتراض (Economics of Interception).


 اقتصاد الاعتراض


عند تقييم الدفاع الجوي، لا يكفي السؤال عن عدد المسيّرات التي أُسقطت؛ السؤال الثاني هو: بأي كلفة؟


إذا أطلقت روسيا هدفاً منخفض الكلفة وأجبرت أوكرانيا على استخدام وسيلة دفاعية نادرة أو باهظة، فإن نجاح الاعتراض لا يلغي الكلفة التي فُرضت على المدافع. ومع تكرار الموجات، تنتقل المسألة من مقارنة سعر مسيّرة بسعر صاروخ إلى معادلة أوسع تتعلق بحجم المخزون، وسرعة الإنتاج، وسلاسل الإمداد، وقدرة الحلفاء على التعويض.


لكن استخدام صاروخ تبلغ قيمته ملايين الدولارات ضد هدف أرخص لا يعني بالضرورة خسارة اقتصادية للمدافع. فإذا منع الاعتراض تدمير محطة كهرباء أو منشأة صناعية حيوية، فقد تفوق قيمة الضرر الذي جرى تفاديه كلفة الصاروخ بكثير.


لذلك لا يُقاس اقتصاد الاعتراض بالفارق بين سعر المهاجم والمعترض وحده، بل بستة عناصر مترابطة: كلفة الاعتراض، وقيمة الأصل المحمي، وندرة الذخيرة، وسرعة تعويضها، وحجم الخسائر التي منعها الاعتراض، وعدد المرات التي يستطيع الخصم فيها فرض المعادلة نفسها.


وهذه المعضلة لم تعد أوكرانية فقط. ففي 29 أيلول / سبتمبر، قال الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته إن الحلف سيعزز وسائل أقل كلفة لمواجهة المسيّرات، حتى لا يضطر إلى استخدام طائرات مقاتلة متطورة ضد تهديدات منخفضة الكلفة.


من هنا يصبح الدفاع الأمثل دفاعاً متعدد الطبقات (Layered Air Defense): حرب إلكترونية (Electronic Warfare)، ومدافع، ومسيّرات اعتراضية (Interceptor Drones)، وأنظمة قصيرة المدى، مع الاحتفاظ بالصواريخ النادرة للأهداف التي تعجز الطبقات الأرخص عن التعامل معها.


حرب المحوّلات: حين يصبح زمن الإصلاح جزءاً من المعركة High-Voltage Transformer Warfare


حتى لو اعترض الدفاع الجوي معظم الأهداف، يكفي أحياناً مرور عدد محدود منها لإحداث أضرار كبيرة. وهنا تبدأ حرب أقل ظهوراً: حرب المحوّلات عالية الجهد (High-Voltage Transformers) وقطع الغيار.


فهذه المعدات تحتاج إلى تصنيع متخصص ونقل وتركيب معقدين، وقد يستغرق استبدالها أسابيع أو أشهراً. والأسوأ أن منشأة جرى إصلاحها بعد جهد طويل يمكن أن تتعرض لضربة جديدة، فتعود دورة الإصلاح إلى بدايتها.


ويُظهر التقييم السريع للأضرار والاحتياجات (RDNA5)، الصادر عن البنك الدولي والحكومة الأوكرانية والمفوضية الأوروبية والأمم المتحدة، أن الأضرار المباشرة تجاوزت 195 مليار دولار حتى نهاية 2025، وأن الطاقة كانت، إلى جانب الإسكان والنقل، بين أكثر القطاعات تضرراً. وفي قطاع الطاقة، ارتفع عدد الأصول المتضررة أو المدمرة بنحو 21% مقارنة بالتقييم السابق، فيما تقترب احتياجات إعادة إعمار القطاع من 91 مليار دولار.


وتزداد حساسية الشبكة لاعتماد أوكرانيا الكبير على ثلاث محطات نووية عاملة في المناطق الخاضعة لسيطرتها. كما تؤكد الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن التغذية الكهربائية الخارجية (Off-site Power) الآمنة شرط أساسي للسلامة النووية، ما يجعل استقرار المحطات الفرعية وخطوط النقل المرتبطة بالمفاعلات جزءاً من منظومة الأمان نفسها.


حين تلتقي فاتورة الطاقة بميزانية الحرب


هنا تتجاوز حرب الشتاء حدود الكهرباء لتصل إلى المالية العامة. تقدّر الحكومة الأوكرانية كلفة الحرب في 2026 بنحو 155 مليار دولار، تشمل الإنفاق المحلي والمساعدات العسكرية العينية من الحلفاء، مع فجوة تمويلية (Funding Gap) تبلغ 27 مليار دولار في الإنفاق الدفاعي. وتخطط كييف لتغطية نحو 7 مليارات منها عبر إعادة تخصيص النفقات، بينما تحتاج إلى نحو 20 ملياراً من الخارج.


وتكشف هذه الأرقام جوهر المشكلة: الدولة لا تموّل جبهة واحدة، بل الجيش والدفاع الجوي والخدمات المدنية وإصلاح الطاقة والدعم الاجتماعي معاً. كما حذرت الحكومة من أن نحو 29.5 مليار دولار من التمويل الدولي المرتبط بالاتحاد الأوروبي وصندوق النقد قد يصبح معرضاً للتأخير أو الخطر إذا تعثرت بعض الإصلاحات المطلوبة.


وتضيف الطاقة فاتورتها الخاصة. ففي يونيو/حزيران، قدّرت المفوضية الأوروبية ووزارة الطاقة الأوكرانية وأمانة جماعة الطاقة الاحتياجات غير الممولة لـصندوق دعم الطاقة الأوكراني (Ukraine Energy Support Fund) بأكثر من 650 مليون يورو استعداداً لشتاء 2026–2027، بعدما بلغت المساهمات عبر الصندوق نحو 1.95 مليار يورو خلال أربع سنوات.


وفي 12 أغسطس/آب، بقي نحو 452 مليون يورو من الاحتياجات بلا تمويل، قبل أن تقلص مساهمات لاحقة الفجوة إلى نحو 444 مليون يورو خلال النصف الثاني من الشهر.


وهكذا تولّد الضربة الواحدة في الوقت نفسه كلفة الاعتراض، وإصلاح المنشأة، وتأمين الوقود والطاقة البديلة، والخسائر الناتجة من توقف الإنتاج والخدمات. وكلما تكررت هذه الحلقة، ازدادت صعوبة الموازنة بين ضرورات الحرب وضرورات استمرار الدولة.


أوروبا داخل معادلة الشتاء


لا تتوقف الكلفة عند الحدود الأوكرانية. فحتى نهاية يوليو/تموز 2026، كان 4.43 مليون شخص فروا من أوكرانيا يتمتعون بالحماية المؤقتة (Temporary Protection) داخل الاتحاد الأوروبي، ويقيم نحو 59.5% منهم في ألمانيا وبولندا وتشيكيا مجتمعة.


ولا توجد معطيات تسمح بالجزم بأن الهجمات الحالية ستطلق موجة نزوح جديدة. لكن الاحتمال يصبح أكثر واقعية إذا تحولت الانقطاعات من أحداث متقطعة إلى تعطيل مزمن للتدفئة والمياه والخدمات الأساسية خلال أشهر البرد.


فقرار الأسرة بالبقاء لا تحدده الخريطة العسكرية وحدها، بل أيضاً إمكانية تشغيل المنزل والمدرسة والمستشفى والعمل. ومن هنا تصبح الكهرباء الأوكرانية قضية أوروبية تمس المساعدات والميزانيات والإسكان والخدمات العامة، لا ملفاً أوكرانياً داخلياً فحسب.


الحل ليس صاروخاً إضافياً فقط


لا يمكن اختزال حماية الشبكة بالدفاع الجوي. فجزء من الحل هو جعل الشبكة نفسها أقل قابلية للتعطيل.


وترى وكالة الطاقة الدولية أن التوليد الموزّع (Distributed Generation)، من الطاقة الشمسية والرياح والبطاريات إلى التوربينات الغازية الصغيرة، يعزز مرونة الشبكة (Grid Resilience) لأنه يوزع الإنتاج جغرافياً، ويقربه من مراكز الاستهلاك، ويخفض أهمية بعض الأهداف الكبيرة.


ولا تلغي اللامركزية الحاجة إلى المحطات الكبرى وخطوط النقل، لكنها تجعل الشبكة أقل عرضة للشلل نتيجة إصابة عقدة واحدة أو عدد محدود من العقد. وهنا يصبح الاستثمار في المرونة جزءاً من الدفاع الوطني بقدر ما هو سياسة طاقة.


حدود الاستراتيجية الروسية


كثافة الهجمات لا تعني أن الاستراتيجية الروسية ستنجح تلقائياً. فقد راكمت أوكرانيا خبرة في الإصلاح السريع، والحماية المادية لبعض المنشآت، واستيراد الكهرباء من أوروبا، وتوزيع مصادر التوليد، وتطوير وسائل اعتراض أرخص. وكلما تحسنت هذه الأدوات، أصبح تحويل الضربات إلى تأثير طويل الأمد أكثر صعوبة.


لذلك يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية للشتاء: 


اولاً: في مسار الاحتواء، تبقى الانقطاعات محدودة، وتنجح الإصلاحات والاستيراد والدفاعات في منع تحولها إلى أزمة وطنية. 


ثانياً: وفي مسار الضغط المزمن، تستمر الشبكة في العمل، لكن مع ساعات تقنين أطول وخسائر صناعية أكبر وكلفة أعلى للدفاع والإصلاح.


ثالثاُ: الصدمة المركبة مناخيا وستكون شديدة وستظهر إذا تزامن برد شديد مع نقص في المعترضات وإصابة متكررة لعقد رئيسية، بحيث تتحول أزمة الكهرباء إلى أزمة أوسع في الخدمات والإنتاج والتمويل.


الخلاصة: من يستطيع دفع ثمن الشتاء؟


السؤال المركزي هذا الشتاء ليس ما إذا كانت أوكرانيا قادرة على إسقاط كل مسيّرة أو حماية كل محطة، بل ما إذا كانت تستطيع إبقاء الجبهة والدولة والمجتمع في حالة عمل في الوقت نفسه.


فحرب الطاقة تختبر القدرة على إدارة الموارد تحت ضغط متزامن: حماية السماء، وإصلاح الشبكة، وتشغيل الاقتصاد، وضمان الحد الأدنى من الخدمات. وإذا استطاعت كييف منع هذه الضغوط من التراكم في نقطة واحدة، تكون قد خفضت القيمة الاستراتيجية للهجمات حتى مع استمرارها.


لم تعد الكهرباء خدمة عامة فحسب، بل جبهة يلتقي فيها الأمن العسكري بمالية الدولة والصمود الاجتماعي.


وقد لا يُقاس شتاء 2026–2027 بعدد المحطات التي تضررت أو المسيّرات التي أُسقطت، بل بالسؤال الأكثر حسماً: أي طرف يستطيع تحمّل كلفة الاستمرار مدة أطول؟

________________

علي عيسى - باحث متخصص في الجيوبوليتيك والاقتصاد السياسي

 

الباحثون عن العدالة، الحرية، وحقوق الإنسان.!

 

 

 

  • عدد الزيارات 12848929
Please fill the required field.