حرب الإبادة الإسرائيلية تتجسد في قطاع غزة
"عندها يُفهم الحاضر كحضور لا كزمن فقط، ويطلب من الإنسان أن يستيقط فيه، لا أن يسجن فيه".
افراسيانت - حنين زعبي - في مقالها الأخير "غزة كحدث عالمي"، Gaza as World Event، تقول نانسي فريزر إنّ غزة كشفت أزمة عميقة في النظام الأخلاقي والسياسي الذي هيمن على الغرب منذ السبعينيات، وأنها فتحت بذلك إمكانية تاريخية لم تعد مستحيلة.
تقع الصهيونية -ضمنيا كما لدى فريزر وصريحا كما لدى أخرين- أو بمصطلحات بعض الأدبيات، "فكرة إسرائيل"، في قلب المفاهيم الكبرى التي يجري مراجعتها، وفي قلب السؤال الأخلاقي الحالي الذي يواجهه العالم، والإجابة عن هذا السؤال هو "ما سيعيد صياغة المستقبل". وضمن سياق هذه التحولات أو "الكشوفات"، لم تعد الصهيونية تُناقش فقط بوصفها "مشروعا"، فالأسئلة التي لم تكن تثار تجاه إسرائيل، أصبحت تثار، أي: لقد خرجت الدولة عن قائمة الأسئلة الطبيعية والسيناريوهات الطبيعية التي تثار عادة تجاه الدول.
وضمن المزاج نفسه يحاجج المؤرخ الإسرائيلي، عاموس غولدبرغ، المختص في تاريخ الهولوكوست والإبادة الجماعية، وأحد أبرز الأصوات الإسرائيلية التي تنادي بضرورة الاعتراف بالإبادة ليس كحدث إنما كمنطق الصهيونية، يحاجج في مقال له نشر في "هآرتس" في آب 2026 ردا على ياغيل ليفي ويشير غولدبرغ، أن "مصطلح ’الإبادة الجماعية’ لا يشير فقط إلى دمار أخلاقي وسياسي وإدراكي عميق، على نطاق تاريخي"، بل يشير أيضا "إلى حدث سيواصل ملاحقة التاريخ الإسرائيلي واليهودي والفلسطيني والعالمي لسنوات طويلة؛ ويشير إلى مطالبة لا تقبل المساومة بالمسؤولية، والعدالة، والاعتراف التاريخي بالظلم".
تمثّل هذه الكتابات مزاجا يتجسد أيضا شعبيا في صور فلسطين في الأغاني والملاعب والجامعات، ويمثل ذلك ما هو أكثر من مجرد انفعال فردي، إنها لحظة عالمية، لحظة إدراك وبنية شعور تتغير ليس فقط باتجاه حق الفلسطيني وواجب اللحظة في التضامن معه، بل باتجاه الخطورة العالمية للاستثناء الإسرائيلي، وللصهيونية كنظام استعماري وكنظام عالمي.
يحاجج هذا المقال والذي سوف يليه أن التقاط هذه اللحظة هو أفق أي فاعلية سياسية، وإضاعتها هو تنصل من الإبادة حتى لو لم ننكرها، والتنصل من الإبادة وليس مجرّد الاعتراف بها أو عدم إنكارها هو ما علينا أن نبحثه ضمن أي فاعلية سياسية، لكي نعرف ليس فقط موقفها الأخلاقي بل لكي نحدد أيضا نجاعتها السياسية، فعندما تتحول إبادة غزة إلى حدث عالمي يعيد تشكيل النظام السياسي في ما يأتي بعدها، فإن أي فاعلية سياسية لا تستطيع أن تهرب من التزامها بالأفق السياسي الذي حددته تلك اللحظة، فالإبادة ليست مجرّد حدث يطالب بالاعتراف بحصوله، الإبادة هي لحظة حقيقة تحدد الأفق السياسي لما نفعله أو نعتقد أننا نفعله.
في المقال الذي ذكرناه سابقا، يحاجج غولدبرغ أن الاعتراف بالإبادة يعني الاعتراف بأنها جزء من "قصة الصهيونية"، إذ قال: "علينا أيضا أن نفحص جذور وجودنا، وطريق الصهيونية ودولة إسرائيل منذ النكبة، بل في الواقع تاريخ اليهود الحديث". صحيح أن غولدبرغ يتكلم عن "طريق" وليس عن "جوهر"، ولكن النزاهة الفكرية والأخلاقية التي أعتقد أنه يملكها ستستمر في زعزعته.
إن الانطلاق والوفاء لهذا المزاج العالمي المتكون حول "الصهيونية" ليس مطلبا أخلاقيا فقط، بل هو الأفق السياسي المتاح لعالم لا يريد فعلا أن ينكر الإبادة.
إنها لحظة زعزعات مفاهيمية عميقة تحدث إثر استيعاب وجودي ووجداني، وليس فقط كموقف سياسي وأخلاقي بلا معقولية الاستمرار. التضامن مع غزة يصبح قراءة موضوعية لآفاق لحظة تاريخية، إنها اللحظة التي تعود بها "الحقائق" الكبرى إلى السياسة.
"ما بعد 7 أكتوبر ليس كما قبله"، هي ليست جملة نقولها للتأكيد بأننا غير مغفلين، وهي ليست فكرة تعني فقط أن الواقع قد تغير، بل هي فكرة تعني أن الجدليات السابقة التي تم اعتمادها لبناء سردياتنا وفاعليتنا على الأرض قد انتهت، ولم يعد بالإمكان بناء سياسات مواطنة أو غيرها بناء على تناقضات كنّا قد اعتمدناها لنبني عليها فاعليتنا وتصوراتنا برمتها، واستمرار اعتماد فاعليتنا على تناقضات وجدليات لم تعد موجودة هو إنكار للواقع، وانسحاب أخلاقي من التزاماته وتكلفته الجديدة. هذا ليس تصوّرا حول "انتهاء التاريخ"، فلحظة غزة التي أنهت جدليات قديمة هي نفسها التي تفتح أفقا سياسيا جديدا وجدليات جديدة.
"ما بعد 7 أكتوبر ليس كما قبله"، هي ليست جملة نقولها للتأكيد بأننا غير مغفلين، بل هو وصف عميق يطال أيضا من يخشى المراجعات. سيزعزع انتهاء صلاحية السرديات القديمة الذوات السياسية التي تعتقد أنها ما زالت تمارس دورها السابق، وأنها ما زالت تحمل سردياتها السابقة، غافلة عن أن الواقع الجديد سيغير مدلولات وتكلفة تلك السرديات منتهية الصلاحية، وهو لن يفعل ذلك دون ثمن تغيير الذوات نفسها.
الخطاب السياسي للداخل: في ثنائية الاعتراف والتنصل
يدّعي هذا المقال أنه في الوقت الذي تقوم به الإبادة بتشكيل لحظة تاريخية عالمية، ليس بمفهوم حصولها أو كارثيتها بل بأثرها المعرفي والسياسي، وفي الوقت الذي يتشكل بفعل الإبادة وفي خضمها خطاب عالمي يقوم على إدراك العلاقة الجوهرية بين الصهيونية والإبادة، وعلى ما يلزمه هذا الانكشاف من فاعلية سياسية تتمحور حول ضرورة محاسبة إسرائيل، ومحاربة الحصانة الاستثنائية التي مُنحتها، يقوم خطاب وفاعلية سياسية فلسطينية في الداخل بشكل نشط ومحموم بالعمل على إعادة تأهيل إسرائيل، وعلى إعادة العلاقات الطبيعية مع الحيز والمجتمع الإسرائيليين، تحت منطق "حماية الداخل" من الإبادة.
أي بمعنى ما، يضع الداخل تعريف "حماية الفلسطيني" ضمن نقيض كامل للحظة عالمية تاريخية تحاول هي أيضا حماية الفلسطيني. والمثير للدهشة، ولأمور أخرى، أن الداخل يقوم بهذا التنصل من اللحظة العالمية في الوقت نفسه الذي يقوم به بالاحتفال والإعجاب بها. وليس هذا التنصل بفاعلية سلبية، إنه كما قلت: فاعلية محمومة تؤدي إلى إجهاض اللحظة.
تميّز ألينكا زيبانوفيتش بين الاعتراف والالتزام، أو بين الإنكار والتنصل، ويساعدنا هذا التمييز على فهم الفرق بين حالة الإنكار الكلاسيكية التي يقوم بها الليبراليون الإسرائيليون مثلا، وبين حالة فلسطينية قائمة على دعم منكري الإبادة؛ على اعتبار أن هذا الدعم يمثل "طريقا للنجاة" للفلسطينيين في الداخل، ويمكننا من تخيل مصير سياسي مشترك مع منكري الإبادة في مواجهة مرتكبي الإبادة.
لا نستطيع أن نتهم هذا الخطاب/ الذهنية/ الحالة الشعورية الفلسطيني/ة بأنها منكرة للإبادة، فهي انخرطت، حتى الانتخابات، "قدر إمكانياتها" في توضيح أن ما يحصل هو إبادة، وفي المطالبة بإدانة إسرائيل وعقابها، ضمن حدود، لنفترض جدلا، فرضتها حالة ترهيب وإرهاب إسرائيلي. لكنّ ما تقوله زيبانوفيتش هو أن هنالك حالة تنصل قائمة تحديدا على الاعتراف، وهي حالة سمح فيها الاعتراف نفسه بالتنصل من أثر الاعتراف، أي كلما اعترفت أكثر شعرت أنه بإمكانك التنصل أكثر، وهو ما يمكن أن نسميه: اعترافا فاقد الأثر.
وتسمي زيبانوفيتش الاعتراف فاقد الأثر لأحداث ضخمة: تنصلا، إذ تقوم الذات السياسية بالاعتراف بالحدث، وفي الوقت نفسه بالانسحاب من التزاماتها نحوه. وتشير زيبانوفيتش إلى أن هذا التنصل ليس رد فعل فردي، بل هو بنية معرفية - سياسية جماعية.
ليست مشكلة الخطاب الرائج في الداخل أنه يريد النجاة، بل مشكلته أنه لا يربط نجاته بأفق اللحظة السياسي، ولكن بسرديات بنيت على جدليات وتناقضات إسرائيلية أنهت إسرائيل صلاحيتها من جهة أخرى، وهو يفعل ذلك ليس بسبب جهله بمتغيرات الواقع الإسرائيلي وانسداد أفقه، وتحولات المجتمع الإسرائيلي نحو استيعاب الإبادة كجزء من مكنونه الثقافي والنفسي وكجزء حتى من هويته الجديدة، بل بسبب بنية شعورية ورهانات وجودية عميقة، وسنأتي على هذه النقطة في المقال القادم.
ما يجعل الإبادة لحظة كاشفة ليس أنها توضح مواقف سياسية وأخلاقية، بل لكونها توضح ما هو أعمق من مجرد مواقف سياسية وأخلاقية.
لحظة غزة هي ليست لحظة تعترف بها وتمضي، بل هي لحظة تعترف بها وتتغير، وإلا فإنك لم تعترف. الإبادة ليست شيئا يصدمك ويتركك كما أنت، بل هي لحظة تعيش فيها صدمة الانهيارات الخارجية كانهيارات داخلية، وإلا فإنت خارجها وخارج التاريخ الذي تحاول تشكيله. من هنا فإن الاستجابة السياسية للإبادة لا تستطيع أن تتوقف على الغضب أو الحزن أو طلب النجاة، إذ إن الاستجابة السياسية والأخلاقية لحدث من نوع إبادة شعب تعني الوفاء للأفق الذي تكشفه كل التضحيات والانهيارات التي حصلت.
وضمن هذا الأفق يمكن الحكم على نجاعة خطاب يبني منطقه على شعار: "بين الأبارتهايد والإبادة، نختار الإبارتهايد". هذه المفاضلة مفهومة ومبررة أخلاقيا، لكنها منفصلة عن اللحظة وعما تكشفه من واقع إبادي، تحضن وتحوّل فيه ثقافة ومؤسسات الأبارتهايد الإبادة إلى إمكانية واردة، وتهديد مستمر، وبالتالي فإنها منفصلة عن الأثر السياسي لهذه المعرفة. ليست مشكلة هذا الخطاب إذن أنه يريد النجاة، بل مشكلته أنه يولد فاقدا للأفق السياسي لفاعليته، وفاقدا لما كشفته لحظة الإبادة، أنه: لا أمان ولا نجاة للشعب الفلسطيني مع الصهيونية.
مشكلته أنه يولد كنقيض للأفق السياسي الذي تطرحه اللحظة، الأفق الذي لكي يتحقق عليه أن يستند إلى عدة أمور، منها: مصارحة شعبنا بانتهاء جدليات بنينا عليها فهمنا لواقعنا ولنضالنا، جدليات التناقض بين الهوية والمواطنة، وبناء حالة حماية ذاتية وتحالفية عبر حقيقة وضوح مناهضة الصهيونية ولا معقولية استمرارها، ودعم حالة لا استقرار سياسي في الدولة اليهودية، ورفض المشاركة في أي نشاطات تشارك بها إسرائيل وجامعاتها ومراكزها دوليا، ومطالبة "الشركاء" الإسرائيليين بمواجهة مجتمعهم بضرورة الاعتراف بالإبادة كحقيقة الصهيونية، ومطالبتهم بالانخراط بحملات مقاطعة وعزل للدولة اليهودية.
هذا هو الأفق السياسي الممكن، وهذا هو الوفاء الذي لا يُفهم كوفاء أخلاقي فقط، إنما كالتحام مع أفق يكون للنجاة فيه إمكانية ومعنى.
________________
