إقتصاد

انتخابات التجديد النصفي 2026.. هل يعاقب الغلاء حزب ترمب؟

انتخابات التجديد النصفي 2026.. هل يعاقب الغلاء حزب ترمب؟

كلفة المعيشة حاضرة في حسابات الناخب الأمريكي مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي (رويترز)

• انتخابات التجديد النصفي: حين تحسم السياسة عند مضخات المحروقات وفي السوبر ماركت

• الغلاء ومعاناة الطبقة الوسطى من جراء الرسوم الجمركية والحرب على إيران يدفع الناخبين لمعاقبة الجمهوريين

افراسيانت - مصطفى يوسف - في 3 نوفمبر/تشرين الثاني، يذهب الأمريكيون إلى صناديق الاقتراع وفي ذهنهم سؤال بسيط: هل أصبحت حياتي أسهل أم أغلى؟ وتشير الاستطلاعات، بعد نحو عامين من عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، إلى أن كلفة الحياة ارتفعت. ومن هنا أبدأ قراءتي، وهي اقتصادية قبل أن تكون حزبية.

مزاج لا يحتمل التأويل

وضع آخر استطلاع لرويترز/إبسوس تأييد ترمب عند 31%، وهو أدنى مستوى في مسيرته السياسية، وأظهر تقدم الديمقراطيين في التصويت العام للكونغرس بفارق 12 نقطة. وسجل استطلاع واشنطن بوست (The Washington Post) وإيه بي سي مستوى تأييد مقاربا، وقال فيه سبعة من كل عشرة أمريكيين إن أسعار الوقود صارت فوق قدرتهم.

والأهم هم المستقلون، أي الناخبون غير المنتمين إلى حزب، فهم الذين يحسمون النتيجة في دوائر الضواحي المتأرجحة. وفي استطلاعات سي إن إن خلال الصيف، فاق عدد المعارضين لترمب بينهم عدد مؤيديه بأكثر من ثلاثة أضعاف.

الرسوم.. ضريبة بلا عنوان

وعد ترمب بأن الأجنبي هو من سيدفع، لكن دراسة لمعهد كيل الألماني (Kiel Institute)، حللت أكثر من 25 مليون شحنة، وجدت أن الأمريكيين يتحملون نحو 96% من الكلفة، مقابل نحو 4% يتحملها المصدرون الأجانب. فالمستورد الأمريكي هو من يسدد الرسم للجمارك، ثم يمرره إلى الموزع والتاجر والمستهلك. وقدر مختبر الموازنة في جامعة ييل الكلفة بنحو 1400 دولار سنويا على الأسرة من الطبقة المتوسطة، فيما تتحمل الأسر الأقل دخلا عبئا أكبر نسبة إلى دخلها.

وفي ذلك بعد اجتماعي قلما يناقش: الرسوم ضريبة تنازلية في طبيعتها. فالأسرة محدودة الدخل تنفق نسبة أكبر من دخلها على السلع المادية، من الملابس إلى الأجهزة وقطع الغيار، فتتأثر أكثر من الأسرة الثرية التي تتجه نسبة أكبر من إنفاقها إلى الخدمات. فالطبقة التي خاطبها ترمب باسم "الرجل المنسي" هي التي تدفع الفاتورة الأكبر نسبيا.

أما الوعود بزيادة وظائف المصانع، فلم تتحقق بعد؛ إذ تراجعت الوظائف الصناعية كل شهر منذ أبريل/نيسان 2025. ويشير البيت الأبيض إلى طفرة في بناء المصانع، لكنها تعود في معظمها إلى قطاعات الذكاء الاصطناعي والرقائق، ولا يمكن نسبتها إلى الحماية الجمركية وحدها.

وقد بلغ التضخم السنوي 3.7% في سبتمبر/أيلول، مقابل 3.4% في الشهر السابق. وللرسوم الجمركية دور كبير في ذلك، كما أسهم ارتفاع أسعار الطاقة بعد الحرب على إيران في زيادة التضخم. لكن الناخب لا يفرق بين الأسباب: يرى الأسعار ترتفع ويسأل من في الحكم.

 

 

حلفاء خسرناهم، ومصانع تدفع الثمن

كندا أكبر شريك تجاري للولايات المتحدة، وسلاسل التوريد بين البلدين، خصوصا في قطاع السيارات، متداخلة بحيث تعبر القطعة الحدود أكثر من مرة قبل أن تصبح جزءا من سيارة. وحين يفرض رسم في كل عبور، تتضاعف الكلفة على المصنع ثم على المشتري. وأوروبا، الشريك الذي لا غنى عنه، صارت موضوع تحقيقات تجارية متتالية. والثقة رأس مال: فالشريك الذي لا يضمن أن تحترم واشنطن اتفاقا وقعته يؤجل استثماره أو يبحث عن أسواق أخرى.

من ديترويت أرى ذلك يوميا. الصناعة هنا ليست مصنعا واحدا، بل شبكة من الورش والموردين الصغار. ويجد مصنع قطع السيارات أن حماية الصلب لا تمنحه مادة أرخص، فالموردون المحليون يرفعون أسعارهم تحت مظلة الرسوم، فيدفع أكثر مقابل المادة ذاتها. وبحسب استطلاع ماريست (Marist) في منتصف أكتوبر/تشرين الأول، تبلغ نسبة تأييد ترمب بين الناخبين المحتملين في ميشيغان 42%، ويتقدم الديمقراطيون في التصويت العام للكونغرس بست نقاط.

حرب بلا نهاية معلنة

مع الصين، لا يبدو أن لواشنطن هدفا واحدا يمكن قياس النجاح على أساسه: خفض العجز التجاري؟ إعادة التصنيع؟ الضغط السياسي؟ والأسوأ هو الفوضى القانونية، ففي فبراير/شباط، أبطلت المحكمة العليا بأغلبية ستة قضاة مقابل ثلاثة الرسوم المفروضة بموجب قانون الطوارئ الاقتصادية، فجاءت رسوم بديلة بموجب المادة 122 انتهى سريانها في يوليو/تموز، ثم رسوم جديدة بموجب المادة 301. والشركة التي تخطط لخمس سنوات لا تستثمر في ظل قواعد تتغير كل خمسة أشهر.

السباق مفتوح: يتقدم عبدول بفارق نقطتين بين الناخبين المحتملين، وهو فارق داخل هامش الخطأ، ولم يفز جمهوري بمقعد ميشيغان في الشيوخ منذ 26 عاما
حرب إيران.. الفاتورة التي لا تظهر في الجمارك

إذا كانت الرسوم قد أثقلت ميزانية الأسرة، فإن الحرب على إيران زادت هذا العبء وأضعفت ثقة الناخب بالقيادة. بدأت الحرب أواخر فبراير/شباط بقصف أمريكي إسرائيلي، من دون تفويض من الكونغرس أو إعلان حرب صادر عنه. وهي في تقديري حرب عبثية، بلا أهداف واضحة المعالم ولا مخرج محدد، وغير قانونية، فالدستور يجعل قرار الحرب بيد الكونغرس لا بيد الرئيس وحده. وتقول الإدارة إنها تلتزم بالقانون، غير أن خصومها يرون خلاف ذلك.

والناخب لا يحتاج إلى دراسة دستورية ليحكم. أظهر استطلاع لنيويورك تايمز (The New York Times) وسيينا أن نحو ثلثي الناخبين يرون قرار الحرب خاطئا، ومعهم قرابة ثلاثة أرباع المستقلين. وقالت أغلبية تقارب الثلثين إنه لا يحق للرئيس استخدام القوة دون موافقة الكونغرس، ومن بين هؤلاء أكثر من ربع الجمهوريين. وفي استطلاع لواشنطن بوست وإيه بي سي وإبسوس في أبريل/نيسان، رأى نحو ستة من كل عشرة أن الحرب خطأ. وحتى بعض الأصوات البارزة في حركة "ماغا" حذرت من أنها قد تضر الجمهوريين في نوفمبر/تشرين الثاني.

والصلة بالفاتورة مباشرة: الحرب رفعت أسعار الوقود وأدخلت القلق إلى سوق الأسهم، التي طالما عدتها الإدارة نقطة مضيئة في اقتصاد مضطرب. فمن يملأ خزان سيارته اليوم يدفع فاتورة الحرب، إلى جانب ما يتحمله من كلفة الرسوم في مشترياته الأخرى.

من نيويورك إلى ميشيغان.. حين يصبح غلاء المعيشة برنامجا

الدرس السياسي الأوضح جاء من نيويورك في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، حين فاز زهران ممداني برئاسة البلدية على أساس أجندة تركز على كلفة المعيشة: كبح الإيجارات، وتوسيع رعاية الأطفال، وحافلات مجانية. وقال زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس النواب حكيم جيفريز إن غلاء المعيشة كان "العامل الحاسم" في انتخابات تلك الليلة. وبغض النظر عن موقف المرء من تفاصيل برنامجه، وتساؤلات رجال أعمال عن كلفته، فإن الرسالة وصلت: من يتحدث بجدية عن الفاتورة يجد آذانا صاغية.

وفي ميشيغان، يخوض عبد الرحمن السيد، المعروف بـ"عبدول"، سباق مجلس الشيوخ. هو طبيب لم يشغل منصبا منتخبا من قبل، وأطلق حملته في أبريل/نيسان 2025 بفريق من أربعة أشخاص. وجوهر رسالته غلاء المعيشة وكلفة التأمين الصحي. وفي استطلاع لنيويورك تايمز وسيينا، رأى أكثر من نصف المستجيبين أنه أقدر من خصمه الجمهوري مايك روجرز في ملف الرعاية الصحية. وقال قرابة نصف سكان الولاية إن كلفة التأمين الصحي تجعل دفع ثمن البقالة والوقود أكثر صعوبة.

غير أن السباق مفتوح: يتقدم عبدول بفارق نقطتين بين الناخبين المحتملين، وهو فارق داخل هامش الخطأ، ولم يفز جمهوري بمقعد ميشيغان في الشيوخ منذ 26 عاما. أي إن التيار التقدمي يكسب حين يتكلم بلغة الاقتصاد وتوفير سبل الحياة الكريمة.

ماذا يعني ذلك للكونغرس؟

في مجلس النواب، تلتقي المؤشرات كلها. تاريخيا، يخسر حزب الرئيس مقاعد في منتصف الولاية، وتزداد الخسارة حين تكون شعبية الرئيس متدنية: خسر الديمقراطيون 54 مقعدا عام 1994 في عهد كلينتون، فيما كانت خسارتهم عام 2022 محدودة بتسعة مقاعد فقط. وتمنح أسواق التنبؤ الديمقراطيين نحو 90% من فرص الفوز بمجلس النواب. وبرأيي، هذه هي النتيجة الأرجح بوضوح.

أما مجلس الشيوخ، فالصورة أعقد. تمنح أسواق التنبؤ الديمقراطيين نحو 63% من فرص السيطرة عليه، وتظهر استطلاعات الرأي اتجاها مواتيا لهم. وهذه فرصة لم تتوافر لهم منذ سنوات، لكنها بعيدة عن اليقين: فثلث المقاعد فقط يطرح للانتخاب، والخريطة تمنح الجمهوريين مزايا هيكلية. قراءتي أن الاتجاه مؤاتٍ للديمقراطيين، والفوز ممكن وليس مضمونا.

حدود القراءة

وللإنصاف: استطلاع التصويت العام ليس توقعا للمقاعد، وتوزيع الدوائر يحمي الجمهوريين في مواقع عدة. وقد يرى الجمهوريون أن غضب الناخب سببه أسعار الطاقة أكثر من الرسوم، وأن أثر المصانع الجديدة سيظهر لاحقا. وأغلبية الجمهوريين أيدت الحرب في بدايتها، ما يعني أن قاعدة ترمب الصلبة لم تنفض عنه. والرسوم والحرب ليستا السببين الوحيدين لتراجع شعبيته، لكنهما من أوضح هذه الأسباب وأقربها إلى حياة الأسرة. ولم يبق على الانتخابات سوى عشرة أيام، وهذه الأيام العشرة في السياسة زمن طويل.

ما بعد الانتخابات

أيا تكن النتيجة، رسالة الناخب واضحة. أظهر استطلاع لمعهد كاتو (Cato Institute) أن 70% يريدون موافقة الكونغرس قبل فرض أي رسوم جديدة، بينهم أكثر من نصف الجمهوريين. وإذا تغير ميزان الكونغرس، فقد يعني ذلك رقابة أشد على سياسة الرسوم، ودورا أكبر للكونغرس في قرارات الحرب، وعودة إلى منطق التفاوض بدل القرارات المفاجئة.

الدرس الأوسع أن السياسة لا تقاس بخطابها، بل بأثرها في ميزانية الأسرة وأمنها. والانتخابات القادمة، في جوهرها، استفتاء على هذه الميزانية وعلى التدهور الذي شهدته.

- مصطفى يوسف - باحث في الاقتصاد السياسي، ومدير المركز الدولي للدارسات التنموية.

 

الباحثون عن العدالة، الحرية، وحقوق الإنسان.!          

 

 

 

 

 

  • عدد الزيارات 13023675
Please fill the required field.