ما وراء الستار

عودة الولايات المتحدة الخطيرة إلى الإمبريالية في أمريكا اللاتينية

عودة الولايات المتحدة الخطيرة إلى الإمبريالية في أمريكا اللاتينية

لا تهدف واشنطن إلى مواجهة النفوذ الصيني المتنامي فحسب، بل إلى إعادة فرض سيطرتها المهيمنة على المنطقة.


افراسيانت - اليكس لو - عندما بلغت تجارة الصين مع أمريكا اللاتينية مستوى قياسيًا قدره 518.4 مليار دولار أمريكي في عام 2024، مثّل ذلك تحولًا جوهريًا في اقتصاد نصف الكرة الأرضية. وأصبحت بكين الآن أكبر دائن ثنائي وثاني أكبر شريك تجاري لأمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، مع تعهّد الرئيس شي جين بينغ بتوفير خط ائتمان جديد بقيمة 66 مليار يوان (9.2 مليار دولار أمريكي) في منتدى الصين–سيلاك (مجموعة دول أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي) لعام 2025.


تطوّر الاستثمار الصيني من الصناعات الاستخراجية باتجاه الطاقة النظيفة والتصنيع، مع توسّع إنتاج المركبات الكهربائية في أنحاء البرازيل واستحواذ المركبات المصنّعة في الصين على 57 في المائة من سوق الإكوادور بحلول النصف الأول من هذا العام.


لم يكن رد واشنطن في عهد الرئيس دونالد ترامب خفيًا. فبدلًا من المنافسة اقتصاديًا، عادت الإدارة إلى دبلوماسية الزوارق الحربية التقليدية في إطار ما يُسمّى عقيدة دونرو...


"عقيدة مونرو".. من إعلان رمزي إلى أداة تدخل بـ"حديقة أميركا الخلفية"

 


نسخة من عقيدة مونرو 


تشرح الكاتبة تسنيم حسناوي عقيدة مونرو بالقول: مبدأ صاغه الرئيس الأميركي جيمس مونرو وأعلن عنه في رسالته السنوية السابعة إلى الكونغرس في الثاني من ديسمبر/كانون الأول 1823، ونشأ إثر تزايد قلق الولايات المتحدة الأميركية من احتمال محاولة القوى القارية إعادة ضم المستعمرات السابقة لإسبانيا في أميركا اللاتينية بعد استقلالها.


وهذه العقيدة السياسية تجاه ‏دول أميركا الجنوبية من أهم ركائز السياسات الخارجية الأميركية، وتقوم ‏على مبدأ اعتبار قارة أميركا الجنوبية حديقة خلفية للولايات المتحدة، ولا تسمح ‏لأي قوة خارجية عالمية مهما كانت بأن يكون لها موطئ قدم في هذه المنطقة الإستراتيجية للأمن القومي الأميركي.

 


الخلفية التاريخية


استقلت الجمهوريات اللاتينية عام 1823 عن الاستعمار الإسباني والبرتغالي، ونالت اعترافا دبلوماسيا من الولايات المتحدة الأميركية، لكن ذلك لم يقِها من خطر استعمارها من أسلافها الأوروبيين مرة أخرى، خاصة مع استعادة التاج الإسباني قوته وانضمامه إلى "التحالف المقدس" مع روسيا وبروسيا والنمسا.


ومع إعلان روسيا مطالباتها بأراضي أوريغون (ولاية أميركية في الشمال الغربي)، زاد قلق الولايات المتحدة الأميركية على مصالحها الاستعمارية وطموحها في السيطرة على الساحل الهادي لأميركا الشمالية، في ظل توترات سابقة من عودة القوى الأوروبية لاستعمار القارة اللاتينية.


في ظل هذه الأوضاع قدمت بريطانيا -القوة العظمى آنذاك- عرضا لأميركا، اقترحت فيه إصدار إعلان مشترك يرفض أي تدخل محتمل لـ"التحالف المقدس" في نصف الكرة الغربي.


تدخل وزير الخارجية الأميركي جون كوينسي آدامز، معترضا على المقترح البريطاني، وأشار على الرئيس مورنو بإصدار إعلان منفرد، لبيان استقلالية الولايات المتحدة وإظهارها قوة إقليمية، لا دولة تابعة لإنجلترا.

 


جيمس مورنو أحد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة الأميركية (غيتي)


إعلان المبدأ


صيغ بيان مونرو في الرسالة السنوية السابعة للرئيس إلى الكونغرس في 2 ديسمبر/كانون الأول 1823، ثم ظهرت في إحدى الصحف المحلية في أوربانا بولاية أوهايو نسخة مطبوعة من القسم الختامي لخطاب الرئيس، وهو الجزء الذي تضمّن ما صار لاحقا يُعرف بـ"مبدأ مونرو".


جاء الإعلان الأميركي صريحا برفض الوجود الأوروبي في النصف الجنوبي من القارة الأميركية، في المقابل تعهد بعدم تدخل الولايات المتحدة الأميركية في شؤون "العالم القديم"، مقابل اعتبار أن أي اعتداء أوروبي على جيران الولايات المتحدة يعد اعتداء عليها.


مبادئ الإعلان وأسسه


أكد مونرو في خطابه السنوي أن العالمين القديم والجديد يقومان على نظم مختلفة ويجب أن يظلّا منفصلين. وطرح في هذا السياق 4 ركائز أساسية:


•    لن تتدخل الولايات المتحدة في شؤون القوى الأوروبية أو نزاعاتها الداخلية.


•    تعترف الولايات المتحدة بالمستعمرات والتبعيات الأوروبية القائمة في نصف الكرة الغربي ولن تتدخل فيها.


•    يُعدّ نصف الكرة الغربي منطقة مغلقة أمام أي مشروع استعماري جديد.


•    ستعتبر الولايات المتحدة أي محاولة أوروبية لقمع أو إخضاع دولة في نصف الكرة الغربي عملا عدائيا موجّها ضدها.

 

التحالف المقدس" ضم إسبانيا وروسيا وبروسيا (مملكة قديمة داخل ألمانيا الحالية) والنمسا (الجزيرة)


إعلان رمزي


شكّل مبدأ مونرو نقطة انطلاق للنهج الأميركي "الاستحواذي" في أميركا اللاتينية، رغم أن الإعلان كان رمزيا أكثر منه قوة قابلة للتنفيذ؛ فواشنطن لم تكن تملك حينئذ القدرة العسكرية لفرضه.


ولم يمنع الإعلان لاحقا خطوات أوروبية خالفت تحذير مونرو، مثل عودة إسبانيا لفرض سيطرتها على سانتو دومينغو، عاصمة جمهورية الدومينيكان عام 1861. وحتى أواخر القرن التاسع عشر بقيت الولايات المتحدة مشغولة بتوسّعها القاري غربا وصولا إلى المحيط الهادي.


ومع ذلك حظي الإعلان بتأييد واسع في أميركا اللاتينية، باعتباره ضمانة لاستقلالها الهشّ؛ ففرانسيسكو دي باولا سانتاندير عدّه "عزاء للطبيعة البشرية" وركيزة لحماية كولومبيا، فيما رأى القائد الفنزويلي سيمون بوليفار أن الولايات المتحدة وبريطانيا تشكّلان خط الدفاع عن المنطقة، وهو تقدير شاركته دول مثل تشيلي والأرجنتين.


وأثناء الحرب الأهلية الأميركية انتشرت رسوم كاريكاتيرية تُظهِر عجز واشنطن عن تطبيق مبدأ مورنو. وعند طرحه عام 1823 بوصفه إعلانا لحماية أحادية من الولايات المتحدة على نصف الكرة الغربي، كان المبدأ في جوهره سياسة بلا قوة عسكرية تسندها.


وأدرك مونرو ووزير خارجيته أن رادعهم الحقيقي هو الأسطول البريطاني، لا قدرات الولايات المتحدة نفسها. ولأن واشنطن آنذاك لم تكن قوة كبرى، ولأن القوى الأوروبية لم تُبدِ رغبة جدية في إعادة استعمار أميركا اللاتينية، بقي البيان هامشيا خارج الولايات المتحدة.


ولم تُظهر واشنطن تمسّكا بالمبدأ عندما سيطرت بريطانيا على جزر فوكلاند عام 1833 أو حين توسعت لاحقا في أميركا اللاتينية. لكن مع وصول الرئيس الأميركي جيمس بولك إلى السلطة بين عامي 1845 و1848، استعاد المبدأ زخمه؛ إذ حذّر بريطانيا وإسبانيا من محاولة ترسيخ وجود في أوريغون أو كاليفورنيا أو شبه جزيرة يوكاتان.


وعقب انتهاء الحرب الأهلية الأميركية، بدأت واشنطن تُظهِر قدرا أكبر من الحرص على فرض إرادتها؛ إذ حشدت قواتها على نهر ريو غراندي للضغط على فرنسا كي تسحب نظامها "الدمية" من المكسيك. وفي عام 1867، وبفعل الضغط الأميركي، اضطرت باريس إلى سحب قواتها وإنهاء المشروع.

 


الرئيس الأميركي ثيودور روزفلت أضاف عام 1904 ما عُرف بـ"الملحق الروزفلتي" (غيتي)


"الملحق الروزفلتي"


مع مطلع القرن العشرين، توسع تفسير مبدأ مونرو بشكل كبير، متزامنا مع صعود الولايات المتحدة قوة عالمية. وبحلول عام 1904، أضاف الرئيس ثيودور روزفلت ما عُرف بـ"الملحق الروزفلتي"، الذي منح واشنطن الحق في التدخل في شؤون أي دولة في القارة الأميركية تُرتكب فيها "مخالفات صارخة ومستمرة".


وعلى الرغم من تسميته بـ"الملحق"، فقد شكّل إعلان روزفلت توسعا ملموسا للمبدأ، إذ تحوّل من سياسة دفاعية لحماية الاستقلال الأميركي اللاتيني إلى أداة لفرض الهيمنة الأميركية.


وكان هدف الملحق في جوهره حماية المبدأ من "خرق القوى الأوروبية أثناء سعيها لتحصيل حقوقها من دول ضعيفة الإدارة"، كما حصل عام 1902 حين فرضت بريطانيا وإيطاليا وألمانيا حصارا بحريا على فنزويلا لإجبارها على سداد ديونها.


وردّ روزفلت على هذه التحركات بإظهار القوة الأميركية ومواجهة القوة الأوروبية بالأسطول، وأكد في خطابَي 1904 و1905 أمام الكونغرس على ما أصبح يعرف بسياسة "العصا الغليظة"، التي ربطت الهيمنة الأميركية بالالتزام الأخلاقي في المنطقة.

 


في عهد الرئيس الأميركي ثيودور روزفلت تدخلت الولايات المتحدة الأميركية في أميركا اللاتينية عسكريا مرات عدة (غيتي)


ذريعة للتدخل العسكري


وقد تم الاحتكام إلى مبدأ مونرو عام 1865 عندما مارست الحكومة الأميركية ضغطا دبلوماسيا وعسكريا دعما للرئيس المكسيكي بينيتو خواريز. وقد مكّن هذا الدعم خواريز من قيادة ثورة ناجحة ضد الإمبراطور ماكسيميليان، الذي كانت الحكومة الفرنسية قد نصبته حاكما على المكسيك.


وبحلول عام 1904، ومع تهديد دائنين أوروبيين بالتدخل المسلح لتحصيل ديونهم من دول أميركا اللاتينية، أعلن الرئيس روزفلت حق الولايات المتحدة في ممارسة "قوة شرطة دولية" لكبح هذا "السلوك الخاطئ المزمن".


وبينما كان الهدف الأصلي للعقيدة منع القوى الأوروبية من التدخل، أعاد روزفلت تفسيرها لتبرير إرسال القوات الأميركية إلى دول المنطقة، وأصبحت واشنطن، بعد تحولها إلى قوة عالمية، تعلن حقها في التدخل المباشر.


ونتيجة لذلك، تدخل مشاة البحرية الأميركية (المارينز) في سانتو دومينغو عام 1904، ونيكاراغوا عام 1911، وهاييتي عام 1915، بزعم منع القوى الأوروبية من التدخل، وتحولت العقيدة إلى أداة تبرر التدخل العسكري والسياسي المباشر باسم حماية النظام والاستقرار في المنطقة.


وقد أثارت هذه التدخلات قلق دول أميركا اللاتينية الأخرى، وظلت العلاقات بين "العملاق الشمالي" وجيرانه الجنوبيين متوترة سنوات طويلة، خاصة مع ارتكاب الولايات المتحدة تجاوزات كثيرة منها عدد من المجازر بذريعة حفظ أمنها.

 


عقب انتهاء الحرب الأهلية حشدت أميركا قواتها للضغط على فرنسا كي تسحب نظامها من المكسيك (غيتي)


تطور العقيدة


مع حلول الثلاثينيات من القرن العشرين واقتراب الحرب العالمية الثانية، شهدت السياسة الأميركية تجاه أميركا اللاتينية تحوّلا مهما، كما تغيّرت قراءة إرث مبدأ مونرو.


وتبنّى الرئيس فرانكلين روزفلت سياسة "الجار الصالح"، القائمة على التشاور والتعاون بدل القوة العسكرية، وأكّد احترام مبدأ عدم التدخل في مؤتمر مونتيفيديو بالأوروغواي عام 1933، أثناء المؤتمر الدولي السابع للدول الأميركية.


ومع تأسيس "ميثاق ريو" عام 1947، تحوّلت العقيدة تدريجيا إلى إطار متعدد الأطراف، إذ انتقلت مسؤولية الدفاع عن المنطقة من واشنطن إلى الدول الـ19 الموقّعة على الميثاق. ثم أنشئت منظمة الدول الأميركية عام 1948، لتوضح أن النسخة الصدامية من سياسة روزفلت الابن بدأت تفقد مركزيتها.


وفي أزمات لاحقة، مثل أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، اعتمدت إدارة جون كينيدي على ميثاق ريو بدلا من مبدأ مونرو، وكذلك فعل الرئيس ليندون جونسون عام 1965 عند تبريره للتدخل في الدومينيكان دون الإشارة إلى العقيدة الأصلية.

 


اجتماع طارئ لمجلس الأمن القومي الأميركي عقب أزمة الصواريخ الكوبية (موقع مكتبة جون كينيدي)


الحرب الباردة


وشكّلت عقيدة مونرو أحد أكثر الأسس التي استندت إليها واشنطن في تعاملها مع أميركا اللاتينية، وبرزت تجلياتها بأوضح صورها في الحرب الباردة.


وبلغ تأثيرها ذروته عندما كشفت إدارة جون كينيدي خطة الاتحاد السوفياتي لنصب منصّات صواريخ نووية في كوبا، التي تبعد كيلومترات قليلة عن ولاية فلوريدا.


وردّت الولايات المتحدة بفرض حصار بحري خانق على الجزيرة لمنع وصول الشحنات السوفياتية. وبدا العالم حينئذ على أعتاب حرب عالمية ثالثة، قبل أن يتراجع السوفيات في اللحظة الأخيرة فيما عُرف لاحقا بـ"أزمة الصواريخ الكوبية".


وانتهت الأزمة بتخلّي موسكو عن المشروع وسحب صواريخها وتفكيك مواقعها، مقابل التزام واشنطن بعدم غزو كوبا أو إسقاط نظام فيدل كاسترو، مع تفكيك قواعدها الجوية والصاروخية في تركيا.

 

 

أداة قوة


ورغم تراجع حضور العقيدة في الخطاب الرسمي الأميركي لاحقا، فإنها اكتسبت حضورا أكبر في السجالات السياسية في الحرب الباردة. وتحوّلت إلى شعار تتداوله التيارات الليبرالية والمحافظة عند تحليل التدخلات الأميركية في نصف الكرة الغربي.


وخارج الولايات المتحدة ارتبطت العقيدة بصورة استعلائية تبرّر الهيمنة، خصوصا مع تصاعد الانقلابات، وتدخّلات الـ"سي آي إيه" السرية، وسلسلة العمليات العسكرية الفاشلة. ورغم الحديث النظري عن "الدفاع القاري"، بقيت واشنطن تتصرّف منفردة باسم مواجهة "الخطر الشيوعي".


ومع انتهاء الحرب الباردة، أعلن كثير من الباحثين موت العقيدة سياسيا. فالمؤرخ غاديس سميث كتب في أواخر التسعينيات أن نهاية المواجهة مع موسكو كانت نهاية حتمية لمونرو. بينما رأى آخرون أنها فقدت قيمتها منذ الانتقال إلى التعددية الدولية قبل الحرب العالمية الثانية وبعدها.
لكن المصطلح لم يختفِ، ففي القرن الـ21، ظلّ يُستحضر بوصفه إطارا يحدّد السياسة الخارجية الأميركية. وبالنسبة لليمين، تُجسّد العقيدة نهجا حازما في ردع أي نفوذ خارجي باعتباره تهديدا مباشرا يستوجب مواجهة صارمة.


درع عقيدة مونرو: الموجة الغاضبة والنظام الاستعماري الجديد في أميركا اللاتينية

 


قمة ميامي

 

بدوره يكتب كارلوس رون: افتتح دونالد ترامب، بتاريخ 7 آذار/مارس 2026، في نادي ترامب ناشيونال دورال للغولف في ميامي، قمة «درع الأميركيتين»، جامعًا قادة اليمين من «المد الغاضب» في أميركا اللاتينية والكاريبي حول ما سمّاه «ائتلافًا مضادًا للكارتلات». وكانت وصفة واشنطن مطروحة بوضوح: «الطريقة الوحيدة لهزيمة هؤلاء الأعداء هي بإطلاق قوة جيشنا». إن المونروية في حالة هجوم، وقد أصبحت المد الغاضب درعها – لا ضد الكارتلات، بل ضد المشاريع الوطنية السيادية المتمحورة حول الإنسان.


أما القادة المدعوون – ميلي من الأرجنتين، وباث من بوليفيا، وبوكيلي من السلفادور، ونوبوا من الإكوادور، وأسفورا من هندوراس، وبينيا من باراغواي، وتشافيس من كوستاريكا، ومولينو من بنما، وأبينادر من جمهورية الدومينيكان، وعلي من غيانا، ورئيسة الوزراء بيرساد-بيسيسار من ترينيداد وتوباغو، والرئيس المنتخب كاست من تشيلي – فجميعهم ينتمون إلى طيف اليمين السياسي. 


كان لافتًا غياب القادة التقدميين لأكبر اقتصادات أميركا اللاتينية: البرازيل، وكولومبيا، والمكسيك. وقد صرح ترامب حول المكسيك: «الكارتلات هي التي تدير المكسيك. لا يمكننا أن نقبل بذلك».


بدت صور ميامي على نقيض صارخ مع اللقاءات الإقليمية خلال العقدين الماضيين، حين كان قادة أميركا اللاتينية يجتمعون على قدم المساواة لبناء أسس للتنسيق والتعاون السياسي – مثل مجلس الدفاع الجنوب أميركي ومجلس الصحة الجنوب أميركي التابعين لـ«أوناسور». أما في ميامي، فقد تنافس الرؤساء المجتمعون في استعراض دعائي لمعرفة من يقف أقرب إلى ترامب في الصورة أو من يحتفظ بالقلم التذكاري الذي وقّع به الاتفاقات.


خمسون عامًا من "الحرب على المخدرات": سياسة فاشلة

 


مجموعة من زوارق الإنزال الهوائية خلال احتفالات مشاة البحرية الأميركية بالذكرى السنوية الـ250 لتأسيسها (الفرنسية)


من المثير للقلق أن يلتزم هذا الائتلاف بتعميق التعاون مع الولايات المتحدة في محاربة الكارتلات، بالنظر إلى حصيلة سياسات مكافحة المخدرات التي قادتها واشنطن. وتعرض سلسلة الدراسات “Addicted to Imperialism”، التي أنجزها بصورة مشتركة معهد القارات الثلاث للبحث الاجتماعي مع مرصد “Lawfare” و”CEPDIPO” و”COCCAM”، هذه الحصيلة بوضوح مدمر: فبعد أكثر من خمسين عامًا على «الحرب على المخدرات»، أقرت إدارة مكافحة المخدرات الأميركية (DEA) أمام الكونغرس الأميركي بأن كارتلي سينالوا وخاليسكو وحدهما لديهما «شركاء وميسّرون ووسطاء في الولايات الخمسين كلها في الولايات المتحدة». وهذه هي حصيلة نصف قرن من أكثر جهود مكافحة المخدرات كلفةً وعسكرةً في تاريخ البشرية.


وتؤكد البيانات المجمعة هذا الحكم. ففي عام 2023، استهلك 316 مليون شخص المخدرات غير المشروعة في العالم – بزيادة قدرها 22% مقارنةً بما قبل عقد. وقد استثمرت الحكومة الأميركية أكثر من 10 مليارات دولار أميركي في جهود مكافحة المخدرات في كولومبيا منذ عام 1999، ومع ذلك تضاعف إنتاج الكوكايين أكثر من ثلاث مرات بين 2013 و2017. وتُظهر الدراسة أنه بين 2016 و2022 – وهي فترة من التعاون المكثف بين الولايات المتحدة وكولومبيا – ارتفع الإنتاج المحتمل للكوكايين في كولومبيا من 1,053 إلى 1,738 طنًا، في حين ازدادت كذلك المضبوطات وعمليات الاستئصال في الوقت نفسه. مزيد من الإستئصال، مزيد من الإنتاج. مزيد من التعاون، مزيد من الكوكايين.


الإكوادور: مثال صارخ


لا توجد حالة معاصرة تُظهر ذلك بوضوح أشد من الإكوادور، التي وقف رئيسها نوبوا في موقع بارز في فعالية ترامب بميامي. وكما توثّق دراسات “Addicted to Imperialism”، فقد خضعت الإكوادور لعملية تدخل أجنبي منذ عام 2017 على الأقل، ما أفضى إلى تدهور ملحوظ في دولة القانون الاجتماعي وعسكرة متدرجة للأمن العام عبر أربعة محاور بنيوية: التدخل الأجنبي، والتحرير الاقتصادي والدين الخارجي، والتدهور المؤسسي، والمقاربة الأمنية في التعامل مع المشكلات الاجتماعية.


في عهد مورينو (2017-2021)، أعادت الإكوادور وصل علاقاتها الأمنية مع الولايات المتحدة، التي كان كورّيا قد علّقها، فعادت إلى مناورات القيادة الجنوبية. وفي عهد لاسو (2021-2023)، جرى توقيع مذكرة تفاهم صيغت صراحةً على نموذج «خطة كولومبيا»، بميزانية متوقعة قدرها 3.1 مليارات دولار على مدى سبع سنوات – ما أعاد تموضع الإكوادور بوصفها أكبر متلقٍّ لتمويل الجيش الأجنبي الأميركي في المنطقة، مع 310 ملايين دولار بين 2022 و2023، متجاوزةً كولومبيا.


وفي عهد نوبوا، وبعد اغتيال المرشح الرئاسي فرناندو فيّافيثينثيو خلال حملة 2023، سافرت الجنرال لورا ريتشاردسون، من القيادة الجنوبية الأميركية، شخصيًا إلى الإكوادور للاتفاق على «خطة مشتركة»، شملت نشر أفراد عسكريين أميركيين يتمتعون بحصانة كاملة من القضاء الإكوادوري – وهي الشروط نفسها المطبقة في كولومبيا، والتي سُمّيت فورًا «خطة الإكوادور». وقد بلغ معدل جرائم القتل 47 لكل 100 ألف نسمة في عام 2023. 


نشرت «خطة فينيكس» الخاصة بنوبوا القوات المسلحة في شوارع المدن، وبنت سجونًا عملاقة على نموذج بوكيلي، وسعت إلى إصلاح دستوري يسمح بوجود منشآت عسكرية أجنبية – مثل القاعدة في غالاباغوس. ولم تؤدّ عسكرة الأمن العام إلى حل الأزمة. بل عمّقتها، فيما أخضعت سيادة الإكوادور للأجندة الأميركية في نصف الكرة الجنوبي.

 


بعد مئتي عام على بنما: نحو الوحدة في أمريكا اللاتينية


إن إطار الحرب على المخدرات في صيغته المعسكرة لا يحمي السكان من الاتجار بالمخدرات. بل يحمي النخب السياسية من المساءلة الديمقراطية، ويطبع السلطوية تحت راية الأمن. وتوثّق “Addicted to Imperialism” أنه في عام 2008، كان 35% من أعضاء مجلس الشيوخ الكولومبي و13% من أعضاء مجلس النواب قيد التحقيق بسبب صلاتهم بجماعات شبه عسكرية كانت تدير في الوقت نفسه عمليات للاتجار بالمخدرات. لم تفكك «الحرب على المخدرات» هذه الشبكات، بل وفّرت لها غطاءً سياسيًا.


ولا يثير ذلك الاستغراب حين نتذكر أصول هذا الإطار. فقد أقرّ كبير مستشاري السياسة الداخلية لدى نيكسون، بعد عقود، بأن إعلان عام 1971 للمخدرات بوصفها «العدو العام الأول» كان يستهدف شيئًا آخر:


«كان لدى البيت الأبيض في عهد نيكسون، بعد ذلك، عدوان: اليسار المناهض للحرب والسود… كنا نعلم أننا لا نستطيع أن نجعل مناهضة الحرب أو السواد أمرًا غير قانوني، لكن من خلال جعل الجمهور يربط الهيبيين بالماريجوانا والسود بالهيروين، ثم تجريم الاثنين بشدة، كنا نستطيع تفكيك تلك المجتمعات. كنا نستطيع اعتقال قادتها، ومداهمة منازلهم، وتفريق اجتماعاتهم، وتشويه سمعتهم ليلة بعد ليلة في نشرات الأخبار المسائية. هل كنا نعرف أننا نكذب بشأن المخدرات؟ بالطبع كنا نعرف».


وعلى المستوى الإقليمي، من «خطة كولومبيا» إلى «درع الأميركيتين»، خدم القتال المزعوم ضد الكارتلات باستمرار ذريعةً للإنفاق العسكري، والتدخلية، وتهجير السكان من أراضيهم. وأحدث مثال على ذلك هو فنزويلا: فقد جرى تأطير اختطاف رئيسها المنتخب نيكولاس مادورو باعتباره عملية لمكافحة المخدرات – لكنه انكشف سريعًا بوصفه آلية لإعادة إدماج فنزويلا في الاقتصاد النفطي الذي تديره واشنطن.


في عام 1826، دعا سيمون بوليفار إلى عقد مؤتمر بنما الوحدوي برؤية تتسم بوضوح استثنائي: كونفدرالية من جمهوريات أمريكا اللاتينية تعمل جماعيًا، وتضمن استقلالها، وتتفاوض مع القوى الكبرى من موقع المساواة السيادية. المد الغاضب اليوم هو نقيض لتلك الروح. ففي ميامي، أعلن ترامب: «لن نسمح لنفوذ أجنبي معادٍ أن يترسخ في هذا النصف من الكرة الأرضية – بما في ذلك قناة بنما»؛ بينما كان رئيس بنما مولينو جالسًا بين الحضور، يستمع في صمت. إنها عقيدة مونرو في أكثر صورها تجردًا من الأقنعة.


إن أميركا اللاتينية والكاريبي – بحركاتها وأحزابها وحكوماتها التقدمية – تحتاج إلى أجندة إقليمية متجددة للسيادة والتعاون الملموس، تشمل مؤسسات قادرة على تنسيق رد سيادي على اقتصاد المخدرات. فسعر كيلوغرام الكوكايين يرتفع من نحو 1,500 دولار أميركي عند نقطة الإنتاج في كولومبيا إلى 20,000 دولار في الولايات المتحدة. أما المنتجون – أي الفلاحون – فلا يحصلون إلا على أقل من 1% من قيمة سوق الكوكايين العالمية. وفي الوقت نفسه، يُصنع أكثر من 70% من الأسلحة التي تغذي عنف الكارتلات في المكسيك في الولايات المتحدة وتتدفق منها. إن الحرب على المخدرات، في نسختها فائقة العسكرة، تخلق الإطار المؤسسي نفسه للمشكلات الصحية والفساد والإفلات من العقاب التي تزعم أنها تحاربها.


لقد قدّم الربع الأول من هذا القرن دليلًا على أن طموحًا مختلفًا يمكن أن ينتج نتائج مختلفة. فقد أعادت “عملية المعجزة” البصر إلى أكثر من 3 ملايين شخص. كما قضت برامج محو الأمية التابعة لـ “ألبا” على الأمية في بوليفيا وفنزويلا ونيكاراغوا والإكوادور. ولا ينبغي التخلي عن الوحدة الإقليمية ذات الغاية الحقيقية المتمثلة في إعادة تأكيد السيادة وضمان حياة كريمة للسكان، لصالح سياسات فاشلة واستعراضات دعائية.


تسلسل زمني للضربات الأمريكية على قوارب المخدرات في الكاريبي وضحايا الهجمات 

 


تُظهر هذه الشبكة من الصور 10 حوادث استهدفت فيها القوات الأمريكية قوارب في المياه الدولية، وذلك خلال الفترة من 2 سبتمبر إلى 29 أكتوبر 2025 


رغم محاولة الادارة الامريكية اضفاء طابع مكافحة المخدرات القادمة من بعض دول امريكا اللاتينية يشكك بعض أعضاء الكونغرس، وجماعات حقوق الإنسان، في صحة هذا التقرير، ويجادلون بأن مهربي المخدرات المشتبه بهم ينبغي أن يواجهوا الملاحقة القضائية، تماشيا مع سياسة "الاعتراض" التي كانت تنتهجها الولايات المتحدة قبل تولي الرئيس دونالد ترامب مقاليد الحكم.  


كما لم تقدم إدارة ترامب أدلة علنية تؤكد وجود مخدرات على متن القوارب التي تم استهدافها، ولا على ارتباطها بعصابات المخدرات. 


في المحصلة نفذت الولايات المتحدة، ضربات متعددة ضد قوارب تزعم دون اي دليل في استخدامها لتهريب المخدرات في شرق المحيط الهادئ، مما أسفر عن مقتل مئات ألاشخاص. 


تقول القيادة الجنوبية في منشور على منصة "إكس"، تويتر سابقا: "في 15 أبريل الماضي، وبتوجيه من قائد القيادة الجنوبية الجنرال فرانسيس إل. دونوفان، نفذت قوة المهام المشتركة (الرمح الجنوبي) ضربة مميتة ضد سفينة تديرها منظمات مصنفة إرهابية"، لتكون هذه الضربة هي الثالثة المعروفة التي ينفذها الجيش الأمريكي في المنطقة خلال هذا الأسبوع. 


وقتل الجيش الأمريكي ما لا يقل عن 177 شخصا في ضربات دمرت 53 قاربا، ضمن حملة تزعم واشنطن إنها تهدف إلى كبح تدفق المخدرات إلى الولايات المتحدة؛ وذلك استنادا إلى بيانات رسمية وتحليل أجرته شبكة CNN لجهود البحث والإنقاذ. وقد نجا ما لا يقل عن 15 شخصا من تلك الضربات، احتجزت البحرية الأمريكية 2 منهم لفترة قصيرة قبل إعادتهما إلى بلديهما الأصليين بعد ثبوت عدم علاقتهما يتهريب المخدرات وهذا ما يدحض مزاعم الادارة الامريكية . ويُفترض وفاة نحو 11 شخصاً بعد أن باءت عمليات البحث عنهم في المياه بالفشل. 


وأطلق خفر السواحل الأمريكي عملية بحث عن عدد غير محدد من الناجين الذين هربوا من سفنهم قبل تعرضها للضرب في 30 ديسمبر/كانون الأول في المياه الدولية. ثم علق خفر السواحل عملية البحث في 2 يناير/كانون الثاني، وأعلن مسؤولون في وقت لاحق، وجود 8 ناجين كانوا يحاولون تحديد أماكن وجودهم. وبالمثل، أطلق خفر السواحل عمليات بحث عن ناجين من ضربات استهدفت قوارب في 27 أكتوبر/تشرين الأول، و23 يناير/كانون الثاني، و9 فبراير/شباط، غير أن جميع عمليات البحث الثلاث جرى تعليقها دون تحديد موقع الرجال المفقودين. وبعد الضربات التي تم تنفيذها في 11 أبريل/نيسان، ذكر الجيش الأمريكي أنه أبلغ خفر السواحل "لتفعيل نظام البحث والإنقاذ" بعد نجاة شخص واحد من الضربة الأولى. 


وأبلغت إدارة ترامب الكونغرس بأن الولايات المتحدة تخوض الآن "صراعا مسلحا" ضد عصابات المخدرات، بدءاً من ضربتها الأولى في 2 سبتمبر/أيلول؛ حيث وصفت القتلى بأنهم "مقاتلون غير شرعيين"، وادعت امتلاكها القدرة على تنفيذ ضربات مميتة دون خضوعها لمراجعة قضائية، استنادا إلى تقرير سري صادر عن وزارة العدل. 


وشكك بعض أعضاء الكونغرس، وجماعات حقوق الإنسان، في صحة هذا التقرير، وجادلوا بأن مهربي المخدرات المشتبه بهم ينبغي أن يواجهوا الملاحقة القضائية، تماشيا مع سياسة "الاعتراض" التي كانت تنتهجها الولايات المتحدة قبل تولي الرئيس دونالد ترامب مقاليد الحكم.  


كما لم تقدم إدارة ترامب أدلة علنية تؤكد وجود مخدرات على متن القوارب التي تم استهدافها، ولا على ارتباطها بعصابات المخدرات.

________________

كارلوس رون هو المنسق المشارك لمكتب «أميركتنا» في معهد القارات الثلاث للبحث الاجتماعي. وهو دبلوماسي فنزويلي سابق.أُنتج هذا المقال بواسطة “Globetrotter“.

 

الباحثون عن العدالة، الحرية، وحقوق الإنسان.!

 

 

 

 

 

  • عدد الزيارات 12893462
Please fill the required field.