افراسيانت - يُشير "الطموح العثماني" للرئيس التركي رجب طيب أردوغان في التحليلات السياسية إلى مساعيه لتعزيز مكانة تركيا الإقليمية والدولية مستلهماً الإرث التاريخي للإمبراطورية العثمانية.
تجليات الطموح العثماني
• النفوذ الإقليمي: التدخل والوجود العسكري والدبلوماسي في مناطق النفوذ التاريخي العثماني مثل سوريا وليبيا والعراق.
• القوة الدفاعية: تطوير الصناعات العسكرية المحلية وتصدير الطائرات المسيرة لتعزيز الاستقلالية والردع التركي.
• الرمزية الهوية: إحياء الرموز التاريخية والدينية، مثل تحويل آيا صوفيا إلى مسجد والاحتفال بالمناسبات العثمانية الكبرى.
وجهات النظر حول هذا الطموح
• المؤيدون: يروْن في هذه السياسات نهضة وطنية وازدهاراً اقتصادياً واستعادة لدور تاريخي عادل يحمي مصالح الأمة ويقوي حضورها.
• المنتقدون: يعتبرها البعض نزوعاً هيمنياً أو استعمارياً جديداً قد يؤدي إلى توترات وعزلة إقليمية وتدخلات مكلفة عسكرياً ودبلوماسياً.
تشير مجلة نيوزويك الأميركية إلى ما وصفتها بالمعضلة الجديدة التي قد تواجه الشرق الأوسط، معتبرة أنها تتمثل في تركيا، وفي احتمال نشوء إمبراطورية إسلامية في المنطقة عبر إعادة إحياء الإمبراطورية العثمانية في نهاية المطاف.
وقالت إنه ربما هناك اتفاق بين الأميركيين على أن وجودهم العسكري في الشرق الأوسط لم يعد مجديا ولا هو يعود بالفائدة على البلاد، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه يتمثل في ما قد يحدث في الشرق الأوسط بعد الانسحاب الأميركي من المنطقة. والأهم فيتمثل في احتمال عودة الإمبراطورية العثمانية من جديد في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي.
وحيث قامت السلالة الحاكمة الأناضولية على آثار الإمبراطورية البيزنطية في عام 1453 ميلادية، فإن العثمانيين كانوا حملة الدعوة الإسلامية بعد فتحهم مدينة القسطنطينية أو إسطنبول.
وحيث حكم العثمانيون البلاد من بغداد إلى البصرة ومن القوقاز إلى ساحل البربر، فإنه كان بمقدور السلطان العثماني سليمان العظيم أو سليمان القانوني الادعاء بأنه سلطان السلاطين وملك الملوك وحتى الزعم بأنه "ظل الله على الأرض".
ولكن، وبعد قرنين على ازدهار الإمبراطورية العثمانية، فسرعان ما توصف بالرجل المريض، وذلك بعد أن فقدت معظم ممتلكاتها في البلقان وفي شمال أفريقيا، حيث شكلت الحرب العالمية الأولى حدثا حاسما، أسفر عن فقدان الإمبراطورية العثمانية لكل ممتلكاتها التي تقاسمتها كل من بريطانيا وفرنسا باستثناء مناطق الأناضول الأصلية التي شكلت الجمهورية التركية، وبهذا انتهت حقبة الإمبراطورية العثمانية.

وبرغم السعي التركي الجاد للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي في الفترة الأخيرة، وبرغم أن الأتراك أيدوا الأميركيين في الحرب الباردة، فإنه ومنذ عام 2003 وعندما تبوأ سدة رئاسة الوزراء رجب طيب أردوغان في انتخابات فاز بها حزب العدالة والتنمية، فقد تغيرت الأمور بشأن استمرار تطلع تركيا إلى الغرب.
وأما شخص أرودغان فيشد انتباه الكثيرين بوصفه إسلاميا معتدلا، إضافة إلى أنه أنقذ تركيا من أزمات اقتصادية مدمرة وأسهم في تنمية اقتصاد بلاده وفي تقليص سلطة العسكر.
ومن هنا فلم يكن من قبيل المصادفة أن تحظى إسطنبول أردوغان بأول الزيارات الخارجية للرئيس الأميركي باراك أوباما، ولم يكن من باب الغرابة أن يفوز حزب العدالة والتنمية بالانتخابات مطلع الشهر الجاري للمرة الثالثة على التوالي.
ودعنا نلقي نظرة عن قرب على أردوغان الذي يبدو أنه بالفعل يحلم في تنمية وازدهار ونهضة تركيا بالطريقة التي كانت تثير إعجاب السلطان العثماني سليمان العظيم.
أبيات من الشعر
وأشارت نيوزيوك إلى أبيات من الشعر لشاعر تركي عاش في القرن العشرين كان السبب في إدخال أردوغان -الذي بدأ حياته محاميا- السجن عندما تغنى بها وهي "إن المساجد هي ثكناتنا، وإن القباب هي خوذاتنا، والمنارات هي حراب بنادقنا، وأما المخلصون فهم جنودنا"، مضيفة أن لدى أردوغان طموحا واضحا بإعادة إحياء الإمبراطورية العثمانية ليس كسلطة إسلامية فحسب، ولكن كقوة عظمى في المنطقة.
وربما من هنا يقوم أردوغان جاهدا بمحاولات لتعديل الدستور كي يمنح نفسه قوة أشد وأكبر على حساب النظام القضائي والإعلام والجيش، أي على حساب المظاهر العلمانية في البلاد.
ومن هنا أيضا يقوم أرودغان بوصف إسرائيل بـ"دولة الإرهاب"، إثر الحرب الإسرائيلية على غزة، ثم إرساله أسطول الحرية السنة الماضية من أجل فك الحصار الإسرائيلي عن غزة.
خطاب أردوغان
وأشارت نيوزويك إلى خطاب أردوغان إثر فوز حزب العدالة والتنمية بالانتخابات للمرة الثالثة على التوالي والمتمثل في قوله إن "سراييفو اليوم فازت مثلها مثل إسطنبول"، و"بيروت فازت كفوز إزمير، ودمشق فازت كفوز أنقرة، وإن رام الله ونابلس وجنين والضفة الغربية والقدس فازت كفوز ديار بكر".
ذات مرة شبه أردوغان الديمقراطية بسيارة تنهب الطريق وعندما يتوقف السائق في نهاية رحلته عليه أن يترجل، فلا نستغرب إذا ما كانت المحطة الأخيرة التي ينشدها أردوغان: إمبراطورية إسلامية في الشرق الأوسط.

خريطة 2050' تكشف طموحات اردوغان في بناء إمبراطورية شاسعة
النفوذ التركي يتعاظم ويزحف باتجاه مناطق كانت قديما تحت سيطرة الإمبراطورية العثمانية في وقت يغرق فيه العالم حاليا في اضطرابات سياسية وأمنية ، ما يخلق أرضية خصبة لخطط الرئيس التركي الذي دأب الاستثمار في الفوضى واللعب على وتر تجييش مشاعر الحماسة لدى المسلمين لاستحضار أطروحة الخلافة.
فقد أظهرت خريطة عمرها 12 عاما عرضتها مؤخرا أحد القنوات التلفزيونية التركية ترسم مناطق نفوذ تركيا في العام 2050 على أنه يمتد من جنوب القوقاز إلى الساحل الشمالي للمتوسط (اليونان وقبرص) والساحل الجنوبي ليشمل ليبيا ودول المغرب العربي ومصر ودول الخليج، مدى طموحات الرئيس التركي رجب طيب اردوغان التوسعية لاسيما في ظل تمسكه بتدخلاته العسكرية في أكثر من جبهة صراع واستثماره في الاضطرابات والحروب لتحقيق أحلام واهية باستعادة مجد عثماني خلا.
وأثار كشف الخريطة مخاوف دول مجاورة لتركيا من تعاظم النزعة الاستعمارية لدى تركيا خاصة بعد اتساع رقعة التدخلات العسكرية منذ العام 2017 بعد توغلها في شمال سوريا ومن ثمة إعلانها اتفاقية تمكنها من الولوج إلى الأراضي الليبية التي تعد بوابة هامة لشمال إفريقيا والقارة السمراء وما تحويه من ثروات متنوعة أسالت لعاب اردوغان، وعملياتها العسكرية شمال العراق بذريعة ملاحقة الأكراد وتخطيطها للخوض في الحرب اليمنية، ثم التدخل جنوب شرق أوروبا لدعم أذربيجان في حربها ضد أرمينا وانتصار باكو في المعركة الذي زاد أطماع الرئيس التركي في التوسع أكثر.
ويطمح اردوغان بدافع الحنين إلى أمجاد الدولة العثمانية في تحقيق أحلام لا تبدو واقعية، بل كثيرا ما تبدو أوهاما في استعادة إمبراطورية اندثرت، لكن ذلك لا يحقر من خطورة النفوذ التركي المتزايد ومخططات أنقرة للتمدد إلى أبعد حد ممكن خصوصا في المناطق الغنية بالمحروقات، بالنظر إلى ما حققته إلى اليوم من تقدم في سوريا وليبيا وزحف باتجاه جنوب القوقاز وإنجازات في مياه شرق المتوسط المتنازع عليها مع اليونان.
وتسعى أنقرة لاستثمار نصر أذربيجان خلال الحرب مع أرمينيا، خاصة بعد انكفاء روسيا عن التدخل لدعم حليفتها يريفان واستخفاف أميركا أثناء حكم الإدارة السابقة بمخاطر النفوذ التركي المتزايد، حيث أسال انتصار باكو لعاب تركيا لتوسيع التمدد في كل الاتجاهات لاستعادة أراضي الخلافة العثمانية.
ودقت العلاقة الجديدة بين أنقرة وباكو أجراس الخطر بين الروس والإيرانيين بعد أن نزل اردوغان بكل ثقله الدبلوماسي في دعم أذربيجان وأشاد بنصرها في إقليم ناغورني قره باغ وشاركها على أراضيها احتفالات النصر وقالها حرفيا إن "المعركة لن تنهي باستعادة السلطات الأذربيجانية أراضيها، فالكفاح في المجالين السياسي والعسكري سيستمر الآن على العديد من الجبهات الأخرى".
رغم قناعات بعض المحليين السياسيين بأن الهدف من نشر الخارطة التركية المزعومة هو محاولة لتحسين صورة اردوغان المهتزة وترميم شعبيته المتراجعة وأيضا إثارة الحماسة القومية لدى الأتراك، فلا ينبغي الاستخفاف بخطورة تكتيكات الرئيس التركي العازم على إحياء أحلام استعادة الأمجاد العثمانية لدى مواطنيه لكسب تأييد شعبي لتدخلاته العسكرية رغم انعكاساتها السلبية على صورة تركيا دوليا وتداعياتها على الاقتصاد التركي والخسائر البشيرة التي خلفتها في صفوف الجيش.
كما يهدف نشر استعراض الخارطة في مقام آخر لا يقل أهمية إلى اختبار الردود الإقليمية تجاه طموحات تركيا التوسعية ومخططاتها الاستعمارية رغبة في إحياء الإمبراطورية القديمة.
ورغم اعتبارهم موضوع نشر الخارطة لعبة داخلية تركية أكثر من كونه خطرا يمكن أن يحدث في المستقبل القريب، صرّح السياسيون والمحللون الروس والإيرانيون بأن هذه الخارطة التي تشمل دول شمال القوقاز وكذلك شبه جزيرة القرم تهدد المصالح الروسية. كما شعر الإيرانيون بأن مجال النفوذ التركي سيحاصر بلادهم من الشمال والجنوب والغرب ويهدد مصالحها الإستراتيجية القومية.
وبعد ظهور الخارطة، قال أندريه كراسوف نائب رئيس لجنة الدفاع في البرلمان الروسي "إذا أراد الأتراك اختبار قوة الروح الروسية وأسلحتنا فدعوهم يحاولوا ذلك".
من جانبه اعتبر فلاديمير جباروف العضو في مجلس الاتحاد الروسي أن "مثل هذه المعلومات يتم عرضها بشكل متعمد لرؤية ردود الأفعال، لكننا لن نولي ذلك اهتمامًا، ولدينا علاقات طبيعية مع تركيا، ونحن شريكان في العديد من المجالات".
وفيما لم يعلق المسؤولون الإيرانيون على الخطط التركية سعت طهران في العام الماضي إلى تعزيز وجودها العسكري في بحر قزوين وإقامة علاقات بحرية وثيقة مع الدول المطلة على حوض قزوين (روسيا وأذربيجان وتركمانستان وكازاخستان).
وقد يعتبر الإيرانيون بث خارطة نفوذ تركيا الافتراضية لعام 2050، أحدث حلقة من مسلسل الاستفزازات التركية، خاصة بعد أن ردّد اردوغان قصيدة قومية تدعو إلى ضم مقاطعتين إيرانيتين من أصل أذري إلى أذربيجان. فضلا عن أن خدمة الإذاعة والتلفزيون التركية الحكومية نشرت خريطة على انستغرام ترسم محافظة خوزستان الإيرانية الغنية بالنفط منفصلة عن إيران.
يذهب محللون إلى أن اردوغان يلعب حاليا على التناقضات في السياسية الدولية انطلاقا من شعوره بغياب أميركي في المنطقة عليه استغلاله، وذلك بالتنسيق مع الروس ومحاولة استرضائهم مثلما جرى في حادثة إسقاط المقاتلة الروسية في نوفمبر 2015.
ونجاح اردوغان في أذربيجان بالتنسيق مع الروس ليس هو السبب الوحيد الذي يجعله يوسع خطة التمدد، إذ أن الإيرانيين يتواطئون معه إذا كان ذلك يخدم مصالحهم، فضلا عن غياب التكتلات الوازنة القادرة على وقف خططه.
وتستند خارطة 2050 إلى تنبؤات الكاتب الأميركي ومؤسس مركز ستراتفور للأبحاث الاستخبارية جورج فريدمان في كتابه "المئة عام المقبلة: توقعات للقرن الـ21"، المنشور عام 2009، حيث تضمن كتابه في أحد العناصر "مجال النفوذ التركي عام 2050"، وفيه تنبأ بتوسع النفوذ التركي وتمدده الجغرافي، وهو ما غذى أوهام تركيا، حيث حوّل الأتراك هذه "النبوءة" إلى خطة للاستثمار السياسي بعيد المدى.
ويقول جيمس دورسي الخبير في قضايا الشرق الأوسط والأدنى، إن "النصر العسكري جعل من أذربيجان طريق نقل بديلا للغاز باتجاه الغرب من شأنه أن يسمح لدول آسيا الوسطى بتجاوز الممرات التي تهيمن عليها روسيا أو إيران"، وبالتالي يتراجع النفوذ الروسي الإيراني أمام تعاظم نفوذ تركيا.
وسارعت تركمانستان، مستفيدة من المتغيرات الجديدة، إلى إنهاء نزاع طويل الأمد مع أذربيجان والاتفاق على الاستغلال المشترك لمخزون النفط في بحر قزوين. وجاء الاتفاق في أعقاب صفقة عقدت في ديسمبر لشراء شركة النفط الحكومية الأذرية (سوكار) من شركة “إيني تركمانستان” ما يصل إلى أربعين ألف طن من النفط شهريا.
ويمكن أن تعزز الاتفاقية استكمال خط أنابيب الغاز الطبيعي العابر لبحر قزوين، والذي سيغذي ممر الغاز الجنوبي الذي تم تشغيله مؤخرًا، ويتجاوز روسيا وإيران، ويزود اليونان وبلغاريا عبر ما كان يسمى الاتحاد السوفييتي.
وفي الشهر الماضي اتفقت أذربيجان مع تركمانستان وأفغانستان على تطوير "ممر نقل لازورد" الذي من شأنه أن يربط الدولة المنكوبة بتركيا. وفي نفس الوقت تقريبًا شرعت كازاخستان في تصدير النحاس إلى تركيا عبر أذربيجان في خطوة أولى تهدف إلى الاستفادة من موقع الأراضي الأذربيجانية كمركز عبور.
كما اتفقت تركيا وأوكرانيا في الأشهر الأخيرة على التعاون في مجال تطوير التقنيات ذات التطبيقات العسكرية المتعلقة بالمحركات وإلكترونيات الطيران والطائرات المسيرة والصواريخ المضادة للسفن والصواريخ الجوالة وأنظمة الرادار والمراقبة والروبوتات والفضاء والأقمار الصناعية.
كل هذه التطورات تخلق أرضية خصبة لخطط أردوغان، خاصة أن الأمر لا يتوقف عند بناء التحالفات على الجانب الاقتصادي المباشر؛ إذ تسعى تركيا إلى الاستنجاد بالتاريخ والثقافة لتقوية تحالفاتها، خصوصا في المناطق الإسلامية التي حكمتها الخلافة العثمانية من شمال أفريقيا مرورا بالخليج ووصولا إلى باكستان، وتسعى لاستثمار ذلك لتحقيق أهدافها التوسعية.
في السياق – لا يعني وصف تركيا بـ«شرطي المتوسط» أنها باتت تملك سلطة مباشرة على الممرات البحرية أو قادرة على فرض إرادتها على دول المنطقة، لكنه يختصر التحول الذي تسعى أنقرة إلى تكريسه عبر توسيع حضورها البحري وربط مصالحها باتفاقات تمنحها أوراق ضغط في ملفات الحدود والطاقة.
ومن هذا المنطلق، تكتسب الاتفاقية البحرية مع ليبيا أهمية تتجاوز ترسيم المناطق الاقتصادية، إذ تتيح لتركيا التأثير في حسابات مشروعات الغاز والربط الكهربائي نحو أوروبا، وتضع مصر واليونان أمام تحدي حماية مطالبهما البحرية. ويبقى السؤال ما إذا كان هذا النفوذ سيتحول إلى قدرة مستدامة على التأثير في قواعد الحركة داخل شرق المتوسط، أم سيظل موضع نزاع تحدّه موازين القوى والقانون الدولي.
وتأتي مصادقة البرلمان الليبي على الاتفاقية البحرية مع أنقرة في وقت تتزايد فيه أهمية شرق المتوسط بوصفه مصدرا محتملا لتنويع إمدادات الطاقة الأوروبية، لكن تحويل الاحتياطيات البحرية إلى صادرات مستقرة لا يزال يصطدم بعقبات سياسية وتقنية ومالية. لذلك، فإن الاتفاقية لا تعني تعطيل الغاز المتجه إلى أوروبا بصورة تلقائية، بقدر ما ترفع مستوى المخاطر التي ينبغي على الحكومات والشركات احتسابها قبل الاستثمار في خطوط الأنابيب والربط البحري ومشروعات الاستكشاف.
من تفاهم ثنائي إلى نزاع إقليمي
وقّعت حكومة الوفاق الوطني الليبية وأنقرة مذكرة التفاهم في 27 نوفمبر 2019، لترسيم الحدود المتعلقة بالجرف القاري والمنطقة الاقتصادية الخالصة بين الطرفين. وفي 20 أكتوبر 2026، وافق مجلس النواب الليبي في بنغازي عليها بالإجماع، وألغى قراريه الصادرين عام 2020 برفض الاتفاقات مع تركيا وقطع العلاقات السياسية معها. وتمثل هذه الخطوة تحولا في موقف المؤسسة التشريعية التي عارضت الاتفاقية لسنوات، في وقت شهدت فيه العلاقات بين أنقرة والسلطات في شرق ليبيا تحسنا ملحوظا.
لكن المصادقة لا تنشئ اتفاقية جديدة، ولا تعني أن النزاع البحري حُسم. فالمذكرة الأصلية كانت قد دخلت حيز النفاذ في ديسمبر 2019، وسُجلت لدى الأمم المتحدة، إلا أن تسجيل الاتفاقية لا يمثل حكما دوليا بصحتها القانونية، ولا يحسم حقوق الدول الأخرى التي تتداخل مطالبها البحرية مع المنطقة المعنية. كما أن قرار البرلمان في شرق ليبيا لا يلغي تلقائيا الاعتراضات الخارجية أو الأسئلة المتعلقة بالإجراءات الدستورية الليبية ومدى استكمال التصديق على المستوى الوطني.
وتكمن أهمية الخطوة في توسيع قاعدة الدعم السياسي الليبي للاتفاقية، بعد أن ظلت مرتبطة أساسا بحكومة طرابلس وعلاقتها الوثيقة بتركيا. وإذا استمر التقارب بين الشرق وأنقرة، فقد تتحول المذكرة من أداة تفاوضية تستخدمها حكومة ليبية بعينها إلى مرجعية سياسية أوسع داخل البلاد، وهو ما يعزز قدرة تركيا على التمسك بها في أي مفاوضات إقليمية مقبلة.

هل تستطيع الاتفاقية تعطيل غاز شرق المتوسط؟
الإجابة تتطلب التمييز بين التأثير القانوني المباشر والتأثير الاستراتيجي غير المباشر. فالاتفاقية لا تمنح تركيا سلطة على جميع مياه شرق المتوسط، ولا تمنع بمفردها تصدير الغاز الإسرائيلي أو المصري أو القبرصي إلى الأسواق الأوروبية. لكنها قد تزيد تعقيد مشروعات تتطلب عمليات مسح في قاع البحر أو مد أنابيب وكابلات عبر مناطق تتنازع الدول على ولايتها البحرية.
ويبرز هنا مشروع خط أنابيب «إيست ميد»، الذي طُرح لنقل الغاز من إسرائيل وقبرص باتجاه اليونان ثم الأسواق الأوروبية. فقد واجه المشروع منذ سنوات عقبات مرتبطة بالتكلفة العالية والجدوى التجارية والتوترات الجيوسياسية، ولم يتحول إلى مسار تصدير عامل. ولذلك سيكون من غير الدقيق اعتبار الاتفاقية التركية الليبية السبب الوحيد في تعثره، وإن كانت تضيف إلى بيئة المخاطر التي تجعل الاستثمار فيه أكثر تعقيدا.
والأهم أن صادرات الغاز في المنطقة لا تعتمد على هذا الخط وحده. فمصر تمتلك محطات لتسييل الغاز وتصديره، وتستخدم بنيتها التحتية في استقبال الغاز الإسرائيلي، كما تستهدف ترتيبات مستقبلية الاستفادة من محطاتها لتصدير إنتاج قبرص عندما تبدأ بعض حقولها الإنتاج التجاري. وتشير إدارة معلومات الطاقة الأميركية إلى أن مصر كانت، حتى يوليو 2025، الدولة الوحيدة في شرق المتوسط التي تمتلك قدرة تصدير الغاز الطبيعي المسال.
بالنسبة إلى أوروبا، فإن التحدي يكمن في كيفية التعامل مع مطالب متنافسة من دون تحويل مشروعات الطاقة والربط الكهربائي إلى ساحات مواجهة.
وهذا يعني أن الاتفاقية قد تؤثر في بعض الخيارات المستقبلية أكثر مما تعطل التدفقات القائمة. فالمخاطر الأكبر تظهر عندما يحتاج مشروع جديد إلى تمويل طويل الأجل أو التزامات تعاقدية تمتد لعقود؛ إذ يمكن للخلاف البحري أن يرفع أقساط التأمين، ويؤخر المسح والتنفيذ، ويزيد احتمالات الاحتكاك السياسي أو العسكري. وفي قطاع الطاقة، قد تكون زيادة المخاطر وعدم اليقين كافية لدفع المستثمرين إلى تأجيل مشروع أو اختيار مسار بديل، حتى من دون صدور قرار رسمي بمنعه.
كما أن أمن الطاقة الأوروبي لا يرتبط بالغاز وحده. فقد شهد مشروع الربط الكهربائي البحري «غريت سي إنتركونكتور»، الذي يستهدف ربط البر اليوناني بقبرص ثم إسرائيل، تعثرات بسبب الخلافات البحرية. وفي أكتوبر 2026، أفادت تقارير بأن المشروع يسعى إلى استئناف أعمال المسح في قاع البحر، بينما تتمسك تركيا بمطالب بحرية تتداخل مع بعض المناطق التي يشملها المسار المقترح. وهكذا يمتد أثر النزاع من حقول الغاز إلى البنية التحتية التي تراهن عليها أوروبا لتنويع مصادر الطاقة.
أكثر من خلاف مع أنقرة
لا يمكن تفسير رفض مصر واليونان للاتفاقية باعتباره امتدادا للمناكفات السياسية مع تركيا فحسب، على الرغم من أن التنافس بين أنقرة وعدد من العواصم الإقليمية أسهم في تشكيل المواقف المتبادلة خلال السنوات الماضية. فجوهر الخلاف يتعلق بكيفية احتساب الحقوق البحرية للجزر، ولا سيما جزيرة كريت والجزر اليونانية الأخرى، وبمدى تأثيرها في ترسيم المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري.
تقول أنقرة إن الاتفاقية تستند إلى مبادئ الإنصاف، وترفض ما تعتبره توسعا غير متناسب في المطالب البحرية الناشئة عن الجزر اليونانية، بما يحد من الامتداد البحري للساحل التركي. في المقابل، ترى أثينا أن الجزر تتمتع باستحقاقات بحرية بموجب القانون الدولي، وأن التفاهم التركي الليبي يتجاهل حقوقا يونانية لا يمكن لدولتين أخريين الاتفاق على إلغائها.
ويعكس الاعتراض المصري جانبا آخر من القضية. فقد وقعت القاهرة وأثينا عام 2020 اتفاقا لترسيم منطقة اقتصادية خالصة بينهما، في خطوة عارضتها تركيا. وتتداخل المطالب المتنافسة مع حسابات مصر المتعلقة بحقوقها البحرية ومصالحها في الطاقة، فضلا عن شراكتها مع اليونان وقبرص. وبعد تصديق البرلمان الليبي، أعلنت القاهرة أن الخطوة لا أثر قانونيا لها في مواجهتها، فيما رفضتها أثينا مجددا.
ومع ذلك، لا يعني تداخل المصالح أن كل اعتراض سياسي يثبت تلقائيا بطلان الاتفاقية قانونيا. فالقضية تتطلب التمييز بين صحة الاتفاق بين طرفيه، ومدى توافق ترسيمه مع قواعد القانون الدولي، وآثاره على حقوق الدول الثالثة. والمبدأ الأساسي هنا أن اتفاقا ثنائيا لا يستطيع، بمجرد إبرامه أو تسجيله لدى الأمم المتحدة، فرض التزامات على دولة لم تكن طرفا فيه أو إلغاء حقوقها من جانب واحد.
ومن ثم، فإن الخلاف لن يُحسم بمجرد تبادل البيانات الرافضة أو المؤيدة، بل عبر المفاوضات والتسويات القانونية، أو اللجوء إلى آليات تسوية النزاعات عندما تتوافر الشروط اللازمة لذلك. أما استمرار المواقف المتعارضة، فيبقي المجال مفتوحا أمام استخدام الاتفاقية ورقة ضغط في ملفات أوسع من ترسيم الحدود.
تعزز الاتفاقية موقع تركيا التفاوضي، لكنها لا تجعلها «شرطي المتوسط» بالمعنى الذي يمنحها سلطة قانونية أو عسكرية منفردة على المنطقة. فأنقرة تمتلك ساحلا طويلا وقدرات بحرية، وتستطيع توظيف علاقاتها مع ليبيا للتأثير في حسابات التنقيب والبنية التحتية البحرية. غير أن تحويل هذا النفوذ إلى سيطرة فعلية يصطدم بوجود دول أخرى ذات مصالح وقدرات، وبالاعتراض الأوروبي، وبالتشابك الاقتصادي الذي يجعل أي مواجهة واسعة مكلفة لجميع الأطراف.
ويكتسب التحول في العلاقة بين أنقرة وبنغازي أهمية خاصة في هذا السياق. فقد كانت تركيا داعما رئيسيا لحكومة طرابلس خلال هجوم قوات خليفة حفتر على العاصمة في 2019 و2020، قبل أن تتطور العلاقات مع السلطات في الشرق في السنوات اللاحقة. وتمنح المصادقة على الاتفاقية مؤشرا إلى أن التنافس السابق لم يعد يمنع الطرفين من البحث عن مصالح مشتركة في الاقتصاد والبحر والطاقة.
وقد يفتح هذا التقارب المجال أمام تعاون تركي أوسع في شرق ليبيا، بما في ذلك في المجالين الاقتصادي والأمني. لكن احتمال توسيع الوجود العسكري التركي، الذي أشار إليه بعض المحللين، يظل احتمالا لا نتيجة تلقائية للمصادقة. كما أن ليبيا نفسها لا تزال تواجه انقساما مؤسسيا وسياسيا، ما يجعل استدامة أي تفاهم مرتبطة بقدرة الأطراف الليبية على الحفاظ على توافق داخلي بشأنه.
وبالنسبة إلى أوروبا، فإن التحدي ليس فقط في احتمال أن تستخدم تركيا موقعها الجغرافي والبحري لزيادة نفوذها، بل في كيفية التعامل مع مطالب متنافسة من دون تحويل مشروعات الطاقة والربط الكهربائي إلى ساحات مواجهة. فسياسة الضغط المتبادل قد تمنح الأطراف أوراق تفاوض، لكنها قد تؤخر أيضا مشروعات تحتاج إلى الاستقرار والتعاون بين عدة دول كي تصبح مجدية اقتصاديا.
ليبيا في قلب معادلة أكبر
تضع الاتفاقية ليبيا أمام فرصة لتأكيد مصالحها البحرية والمطالبة بنصيب من موارد المنطقة، لكنها تضعها كذلك أمام خطر أن يصبح ملف الحدود البحرية امتدادا لانقساماتها الداخلية والتنافس بين القوى الخارجية. فالمصلحة الليبية لا تتحدد فقط بتأييد اتفاق مع تركيا أو رفضه، وإنما بمدى وضوح الأساس القانوني الذي تستند إليه الدولة، وقدرتها على إدارة مواردها والتفاوض باسم مؤسسات موحدة.
أما على المستوى الإقليمي، فإن المصادقة لن توقف غاز شرق المتوسط، لكنها تجعل مستقبل بعض مشروعاته أكثر ارتباطا بالتفاهمات السياسية والأمنية. وستظل تركيا قادرة على التأثير في البيئة التي تتحرك فيها تلك المشروعات، من دون أن تمتلك حق تقرير مصيرها منفردة.
وفي المحصلة، لا ترسم الاتفاقية وحدها خريطة جديدة للمتوسط، لكنها تعيد تثبيت خريطة المطالب المتنافسة وتمنح أنقرة ورقة إضافية في صراع النفوذ. ويبقى الاختبار الحقيقي في ما إذا كانت الأطراف ستستخدمها لفتح مفاوضات أوسع حول الحدود وتقاسم المنافع، أم ستتعامل معها بوصفها وسيلة لتكريس الأمر الواقع. ففي شرق المتوسط، لا يكفي امتلاك الغاز أو رسم خط بحري على الخريطة لضمان وصول الطاقة إلى أوروبا؛ إذ يتطلب ذلك أيضا تسوية الخلافات التي قد تحول البحر من ممر اقتصادي إلى ساحة تنافس مفتوح.
أوهام أنقرة في شرق المتوسط.. الطموحات وحسابات القوة
تتمتع منطقة شرق البحر المتوسط بحالة فريدة من إعادة التشكيل الجيوسياسي والجيواقتصادي. وهي تقف اليوم على خط فاصل بين مسارين متعارضين: إما الاندماج المستدام عبر موارد الطاقة، أو الانزلاق إلى ساحة للصراع والاقتتال جراء الشكوك المتبادلة وتضارب المصالح الإقليمية فيما بينها.
اكتشافات حقول الغاز الضخمة، والترابط الجغرافي، والرغبة الجماعية في حماية ممرات الملاحة والأمن البحري والتعاون الاقتصادي، تمثل أسبابًا قوية تتفق عليها أطراف هذه التكتلات بما في ذلك ضرورة استقرار الإقليم لضمان تدفق الاستثمارات وتصدير الطاقة إلى الأسواق الأوروبية والدولية.
وطورت القاهرة وأثينا ونيقوسيا إطارًا للتعاون الثلاثي تجسد في القمم الدورية والتعاون في ملفات الطاقة والأمن، بالتوازي مع تأسيس منتدى غاز شرق المتوسط في القاهرة، الذي يوفر إطارًا إقليميًا أوسع للتعاون في مجال الغاز.
يركز هذا المحور على تعظيم الاستفادة من محطات إسالة الغاز المصرية وتحويل مصر إلى مركز إقليمي للطاقة، مع اختلاف طبيعة الشراكة وأولوياتها مع تل أبيب، والحفاظ على التوازن والتنسيق الفني المشترك الذي يمليه واقع الحقول المكتشفة.
فيما يتبنى المحور الثلاثي (إسرائيل - اليونان - قبرص) شراكة أمنية وعسكرية واقتصادية وثيقة تعززها تدريبات عسكرية مشتركة وتنسيق أمني رفيع المستوى، إضافة إلى مشاريع الربط الكهربائي وخطط نقل الغاز.
رغم مظاهر التماسك، تظل هذه الصيغة محاطة بالتعقيدات؛ نظرًا للضغوط الجيوسياسية المتبادلة وحسابات كل طرف تجاه الاستقرار الإقليمي والعلاقات مع القوى الكبرى.
وبين المحورين الأول والثاني، تمثل تركيا المتغير الأكثر تعقيداً في معادلة الأمن والتكامل الإقليمي بمنطقة شرق المتوسط؛ إذ تقف بمفردها كطرف لا يتمتع بكامل الثقة لدى القوى الفاعلة في التحالفين الإقليميين المقابلين، وهو ما يجعلها المعادل الموضوعي لمصدر القلق لهذه التكتلات.
وهي تقف في قلب هذه المعادلة كمنافس رئيسي يبحث عن نفوذ بحري وثقل إقليمي يوازي حجمها الجغرافي والعسكري، مستندة إلى عقيدة "الوطن الأزرق" والاتفاقيات البحرية مع طرابلس. إلا أن خطوات تركيا وتحركاتها أحادية الجانب في ملفات ترسيم الحدود البحرية والتنقيب جعلت مسألة بناء الشراكات معها أمرًا شاقًا، مما عزز عزلتها الهيكلية داخل الأطر المؤسسية المعتمدة في المنطقة، وجعل حضورها عاملًا إضافيًا لعدم الاستقرار.
ترتكز المخاوف المتبادلة بين أنقرة وباقي الأطراف إلى تراكمات تاريخية وسياسات إقليمية اتبعتها تركيا على مدار عقود، والتي اتسمت بالإفراط في الاعتماد على أدوات الصلبة ومحاولة فرض الأمر الواقع في الممرات البحرية والمناطق الاقتصادية الخالصة.
مثلت أحداث عام 2011 ذروة الطموح التركي في عودة إرثها العثماني القديم في الشرق تحت مظلة التيار الإسلامي؛ حيث رأت أنقرة في وصول شبكات الإخوان المسلمين إلى السلطة في مصر وتونس وليبيا فرصة لترسيخ نموذج "الإسلام السياسي" وتشكل جبهة إقليمية متناغمة مع السياسة الخارجية لأنقرة.
أدى هذا التوجه الأيديولوجي إلى تشكل اصطفافات حادة في المنطقة، حيث تعزز التحالف التركي القطري في مواجهة التكتلات الإقليمية الأخرى، مما انعكس على ملفات ساخنة مثل الأزمة الليبية والصراع في سوريا. وفي المقابل أدت سياسة التمدد الأيديولوجي والدعم المباشر للتيار الإسلامي إلى عزلة سياسية وضغوط اقتصادية على أنقرة.
ورغم ما يقال عن الخلافات التركية الإسرائيلية، أو التركية اليونانية، تبقى مصر هي الرقم الأهم في المعادلة، فالأزمة التي اندلعت بعد ثورة 2013 وأدت إلى خروج الإخوان المسلمين المدعومين من أنقرة لم تكن مجرد تباين في وجهات النظر الدبلوماسية بين البلدين، بل مسّت أبعاداً أمنية مباشرة، خاصة فيما يتعلق بالملف الليبي ودعم أطراف بعينها على الحدود الغربية لمصر. هذا التاريخ يجعل صانع القرار في القاهرة يتعامل مع مسار التقارب وفق مبدأ التثبت والخطوات المشروطة.
وبسبب الرواسب التاريخية، يدرك الطرفان أن الاستقرار في ليبيا وأمن شرق المتوسط يمثلان مساحة تقاطع لا غنى عنها. والتعاون في ملفات الطاقة والتجارة والتهدئة الإقليمية يوفر إطاراً يحد من احتمالات العودة إلى التصادم المباشر، حتى مع وجود شكوك حول النوايا طويلة الأجل.
يمكن القول إن العلاقات بين القاهرة وأنقرة انتقلت تدريجيًا من مرحلة المفاصلة الأيديولوجية الحادة إلى مرحلة إدارة المصالح الواقعية، دون أن يعني ذلك انتهاء الخلافات البنيوية بين الطرفين، حيث تظل الاعتبارات الأيديولوجية مؤجلة في حسابات السياسة التركية، بينما تظل الحيطة والأولوية الأمنية حاكمتين للموقف المصري.
أظهرت التحولات في السياسة التركية منذ عام 2021 أن المحدد الاقتصادي والأمني لأنقرة يمكن أن يتفوق عند لحظات الحسم على أي التزام أيديولوجي. تراجع الدعم المباشر لبعض قوى التيار الإسلامي، وتهدئة الخطاب الإعلامي، وتحجيم الأنشطة السياسية لعناصر جماعة الإخوان على الأراضي التركية لم تكن مجرد مناورة عابرة، بل استجابة لضرورات تحسين الاقتصاد، وتعديل ميزان القوى في شرق المتوسط.
لكن تظل الروابط العقائدية والسياسية بين حزب العدالة والتنمية وتيار الإسلام السياسي حاضرة في بنيته الفكرية. هذا الحضور يمنح السياسة الخارجية التركية مرونة في استخدام "القوة الناعمة" أو الاحتفاظ بأوراق ضغط غير رسمية يمكن استدعاؤها إذا تغيرت الظروف الإقليمية، دون التزام علني يضر بالروابط الدبلوماسية المباشرة.
على رغم التهدئة الأخيرة ودبلوماسية "تصفير المشاكل" التي تحاول أنقرة إحياءها، إلا أن الإطار المؤسسي للأحلاف القائمة في شرق المتوسط ينظر إلى التحركات التركية باعتبارها أحد أبرز مصادر التوتر المؤثرة في الاستقرار الإقليمي، وهو ما يجعل أي تقارب مستقبلي مع أنقرة مرهوناً بضمانات حقيقية وتغيير ملموس في السلوك الإقليمي، بدلاً من الاكتفاء بالرسائل الدبلوماسية المؤقتة.
على كل الأحوال، فإن التحالفات الحرجة التي تشكلت في شرق المتوسط يمكن أن تصبح نقطة انطلاقة وعامل جذب سياسي واقتصادي وأمني، وفرصة جيدة لإدارة موارد المنطقة الاقتصادية، لكن في الوقت نفسه، يمكن أن تتحول تلك الفرصة إلى محنة إذا قررت أنقرة تجاوز عتبات الاستقرار لصالح أحلام وطموحات انتهى زمنها ولم تعد البيئة الإقليمية تسمح بها.
التوسع التركي في سوريا
بعد سقوط حكومة بشار الأسد، تتنافس الفصائل التابعة لتركيا والجماعات الإسلامية المتحالفة معها على السلطة في دمشق. ويتّضح هنا، إلى حدّ كبير، نهج الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الرامي إلى إعادة إحياء الإمبراطورية العثمانية بصيغة جديدة، تُعرف بما يُسمّى "تركيا الجديدة".
فمنذ مئة عام، كانت سوريا الحالية جزءاً من الإمبراطورية العثمانية. واليوم، تجد أنقرة سبلاً للتأثير في الأوضاع داخل جميع البلدان، دون استثناء، التي تشكّلت في عشرينيات القرن الماضي على الأراضي التي كانت تابعة للإمبراطورية المنهارة. وهكذا، تتحوّل أفكار الطورانية إلى واقع عملي.
تُعدّ سوريا ساحة ملائمة للغاية للتوسّع التركي، ويشكّل الاعتماد على التركمان أحد العناصر المهمّة في السياسة التركية فيها. وينتمي بعض أبناء هذه القومية إلى الأتراك الذين استقرّوا في شمال سوريا وشمالها الغربي منذ عهد الإمبراطورية العثمانية. وحتى عندما كانت حكومة بشار الأسد لا تزال في السلطة، نفّذت تركيا ثلاث عمليات توغّل عسكري في سوريا استهدفت الأكراد، خلال الفترة بين عامَي 2016 و2017، ثم في عام 2018، وفي عام 2019، ولم تسحب قواتها من هناك. وفي الوقت نفسه، أُنشئت في هذه المنطقة مدارس ومراكز إسلامية ووسائل إعلام تركية. وهكذا، يجري عملياً توحيد العالم التركي أو الموالي لتركيا، بهدف إنشاء ما يُسمّى "توران الكبرى".
وبعد توغّلها في سوريا، تأمل تركيا في حلّ القضية الكردية، التي تُعدّ مسألة ملحّة للغاية بالنسبة إليها، متجاهلةً، في الوقت نفسه، حقيقة أنّ أكراد سوريا لم يعتمدوا بأيّ شكل من الأشكال على دعم حزب العمال الكردستاني، ولم يشاركوا في أعمال إرهابية داخل الأراضي السورية. ومع ذلك، تتّهمهم تركيا بذلك.
يمتلك أكراد سوريا قوّة عسكرية كبيرة، تتمثّل في تشكيلات مسلّحة تتولّى حفظ النظام في شمال سوريا، وقد سلّحتها الولايات المتحدة في وقت سابق. وهكذا، يتّضح مدى اهتمام مختلف الأطراف الفاعلة بهذه المنطقة التي تضمّ احتياطيات من النفط والغاز.
أنشأ الأكراد في سوريا نظاماً جديداً لإدارة الأراضي الخاضعة لسيطرتهم، يقوم على الديمقراطية الكونفدرالية. ولا يتوافق هذا النظام مع الدستور السوري ولا مع الدستور التركي. غير أنّ السلطات السورية الجديدة تمكّنت مؤخّراً من التوصّل إلى اتفاق بشأن الدمج الكامل للتشكيلات الكردية في مؤسّسات الدولة السورية، مع الإبقاء على تدريس اللغة الكردية في المدارس الواقعة في مناطق انتشار السكان الأكراد.
وسيُظهر الزمن مدى متانة هذا الاتفاق. فالأكراد ليسوا عرباً، وهم مستعدّون دائماً للقتال والدفاع عن أنفسهم.
خلال فترة حكم بشار الأسد، تمكّنت منطقة كردستان سوريا، المعروفة باسم "روج آفا"، من انتزاع وضع منطقة ذات حكم ذاتي مُعلَن من جانب واحد، وذلك في أثناء المعارك ضدّ الجهاديين. لكنّ أعداء روج آفا أكثر بكثير من أصدقائها.
تأمل دمشق وأنقرة في حلّ القضية الكردية في سوريا بالوسائل العسكرية، وبما يتوافق مع مصالحهما، ولا تقبلان حتى مجرّد التفكير في منح الأكراد حكماً ذاتياً قومياً أو إقامة كيان اتحادي لهم داخل هذا البلد.
في كانون الثاني/يناير 2026، بدأ الجيش السوري هجوماً حاسماً على مواقع الأكراد، وانتقلت القبائل العربية إلى جانبه. وبحلول ذلك الوقت، كان العرب يشكّلون غالبية مقاتلي روج آفا.
وهكذا، لم تكتفِ ميليشيا قبيلة شمّر ذات النفوذ بالتخلّي عن مواقعها، بل ساهمت بنشاط في الاستيلاء على مواقع ذات أهمية استراتيجية، مثل معبر اليعربية الحدودي. كما أدّت الميليشيات القبلية العربية، التي كانت تشكّل جزءاً كبيراً من قوات سوريا الديمقراطية في روج آفا، دوراً حاسماً في هزيمة هذه القوات.
لم ينجح وجود وحدة عسكرية أميركية صغيرة في كبح طموحات القوى الإقليمية المفترسة، التي وجّهت أنظارها إلى المناطق الغنية بالنفط والغاز شرق الفرات.
وفي الواقع، كانت عائدات تصدير النفط والغاز من منطقة شرق الفرات تذهب إلى ميزانية روج آفا، التي كانت تضمّ الأكراد والعرب، باعتبارها جزءاً من المجتمع السوري المستقلّ عن دمشق.
يُوصَف تغيير النظام السياسي في سوريا بأنّه انتصار تركي ينسجم مع رغبة أنقرة في إبقاء الأوضاع في هذه المنطقة تحت سيطرتها. لكنّ أردوغان يواجه هنا العديد من المنافسين، من بينهم الأميركيون، الذين لا يعتزمون سحب قواعدهم العسكرية من سوريا، على الرغم من الوعود المقدّمة في هذا الشأن.
استغلّ الأتراك ضعف الجيش السوري في حربهم ضدّ حكومة الأسد، فسلّحوا الجماعات الإسلامية التابعة لهم، وجهّزوها بالمعدّات، ودفعوا لأفرادها الأموال مقابل الخدمة. ولا تزال تركيا تواصل ذلك حتى الآن. ففي عفرين، يرتدي أفراد الشرطة الزيّ التركي أيضاً، فيما تنتشر الأعلام التركية في كلّ مكان.
لا تخفي أنقرة طموحاتها إلى أن تصبح نقطة العبور الرئيسية بين منتجي الغاز في الشرق والجنوب وأسواق تصريفه في الغرب. ولتحقيق ذلك، تحتاج تركيا إلى دولة سورية قوية تكون تحت حمايتها.
وبفضل نفوذها في أوساط السياسيين السوريين، تُبدي تركيا استعدادها للإشراف على دمشق، ووضع الجيش السوري تحت سيطرتها، وضمان شراء الأسلحة منها.
كما أنّ تركيا مستعدّة لاستغلال الموارد السورية اقتصادياً. غير أنّ أداء أنقرة في هذا المجال ليس ناجحاً بالقدر نفسه، إذ تعاني من ديون خارجية ضخمة، وتضخّم مرتفع، واستمرار تراجع قيمة الليرة التركية. وربما يعود ذلك إلى أنّ التوسّع في العصر الحديث يتطلّب استثمارات مالية كبيرة.
ولعلّ هذا ما يفسّر عدم تحفّظ تركيا كثيراً في اختيار شركائها الاقتصاديين، فهي تزوّد "إسرائيل" بالنفط، بما في ذلك النفط السوري. وفي الوقت نفسه، وكما هو معروف، احتلّت "إسرائيل" جزءاً من الأراضي السورية، كما شنّت مؤخّراً ضربة على قاعدة جوية في شمال سوريا، على بُعد 72 كيلومتراً من الحدود التركية، وذلك بعد دخول الجيش التركي إلى دير الزور وتولّيه تأمين جسر فوق نهر الفرات.
وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو: "لن نسمح بتقدّم الجيش التركي نحو الجنوب، لأنّ ذلك يهدّدنا".
إنّ سعي تركيا إلى فرض سيطرتها على المناطق السورية الغنية بالنفط يؤكّد طموحات أردوغان الجديدة. فالرئيس التركي يحاول استغلال الأزمة السورية لمعالجة المشكلات الداخلية في تركيا، وتوسيع حضور بلاده في الشرق الأوسط، وتعزيز نفوذها في الأراضي التي كانت، في الماضي، جزءاً من الإمبراطورية العثمانية.
إنّ طموحات أنقرة العثمانية الجديدة، واعتمادها على الجماعات الإسلامية المتطرّفة، ومحاولاتها فرض الوصاية على دمشق، تتعارض مع مصالح شعوب المنطقة كافّة.
