مختارات

حقوقٌ في الواجهة وظلالٌ في الخلفية.. قراءة في "حقوق الإنسان.. الصورة والظل"

حقوقٌ في الواجهة وظلالٌ في الخلفية.. قراءة في "حقوق الإنسان.. الصورة والظل"

قراءة خاصة في كتاب الدكتور زكريا شاهين

افراسيانت - مهدي شاهين - يبدو عنوان «حقوق الإنسان.. الصورة والظل» كأنه جملة قصيرة، لكنه في الحقيقة يضع الكتاب كله أمام مرآة مزدوجة. في الصورة نرى الإعلان، والمواثيق، واللغة اللامعة التي تتحدث عن الكرامة والحرية والمساواة. وفي الظل نرى ما لا تقوله البيانات: السجون التي لا تصلها الكاميرات، واللاجئين الذين يتحولون إلى أرقام، والحروب التي تُشن باسم حماية الإنسان ثم تترك الإنسان بلا بيت ولا مستقبل.

هذا ليس كتاباً عن الحقوق بوصفها قائمة قانونية فحسب. إنه، في جوهره، كتاب عن المسافة بين المبدأ وتطبيقه، بين ما تقوله الدول عن الإنسان وما تفعله حين تتعارض كرامته مع مصالحها. ومن هذه المسافة يولد السؤال الأكثر إلحاحاً: هل حقوق الإنسان معيار عالمي فعلاً، أم أنها تصبح أحياناً لغة انتقائية تُستخدم مع الضعيف وتُعفى منها القوة؟

 

كاتب يحمل ذاكرة المنفى إلى السؤال الحقوقي

زكريا محمد شاهين كاتب وصحافي تنوعت أعماله بين الرواية والشعر والبحث السياسي، ومن مؤلفاته «الفكر الصهيوني بين النظرية والممارسة»، و«فلسطين في زمن التحولات»، و«ستة أيام في أفغانستان»، و«السقوط في براثن الشمال المتوحش»، إلى جانب «حقوق الإنسان.. الصورة والظل» الذي صدر بصيغة عربية ـ إنجليزية.

هذه الخلفية تفسر لماذا لا يأتي الكتاب من موقع المراقب المحايد تماماً. فالكاتب الفلسطيني لا يلتقي حقوق الإنسان في قاعة مؤتمرات فقط؛ يلتقيه في تجربة اقتلاع الوطن، وفي سؤال اللاجئ، وفي حق شعب أن يُرى لا أن يُستعمل في نشرات الأخبار. لذلك يبدو الكتاب مشدوداً إلى تجربة عربية ترى أن المشكلة ليست في غياب النصوص، بل في غياب القوة التي تحمي النص حين يتعارض مع إرادة الأقوياء.

 

الصورة: عالمٌ يتحدث بلغة الكرامة

الصورة التي تبدأ منها منظومة حقوق الإنسان جميلة وضرورية. إنها تقول إن الإنسان لا يفقد حقه لأنه فقير، أو لأنه ينتمي إلى أقلية، أو لأنه يعيش في بلد ضعيف، أو لأنه يعارض السلطة. وتقول إن الدولة ليست مالكة للإنسان، بل مؤتمنة على حريته. هذه المبادئ ليست ترفاً غربياً ولا زينة دبلوماسية؛ إنها الحد الأدنى الذي يمنع السياسة من التحول إلى غابة.

لكن شاهين لا يكتفي بالاحتفاء بالصورة. فهو يعرف أن اللغة الحقوقية اكتسبت، عبر التاريخ، سلطة أخلاقية هائلة، ولذلك دخلت في صراعات السياسة الدولية. قد تُرفع راية حقوق الإنسان لحماية مدنيين، وقد تُرفع أيضاً لتبرير حصار أو تدخل أو عقوبة جماعية. وقد يصبح الدفاع عن امرأة مضطهدة حقيقياً في بلد ما ذريعة لتجاهل نساء أخريات حين يكون الجاني حليفاً.

هنا يكتسب العنوان دقته: الصورة ليست كاذبة بالضرورة، لكنها ناقصة. والظل ليس وهماً، بل الجزء المحذوف من المشهد.

 

 

كلما كان الضحية أبعد عن مراكز القرار، صار حقه أكثر حاجة إلى الإثبات.

الظل: حين يتحول الحق إلى أداة انتقائية

المشكلة التي يضعها الكتاب أمام القارئ ليست في فكرة حقوق الإنسان، بل في احتكار تعريفها وتطبيقها. فمن يملك الإعلام يستطيع أن يحدد أي مأساة تستحق التعاطف، ومن يملك القوة يستطيع أن يقرر أي انتهاك يُسمى جريمة وأي انتهاك يُسمى «خطأً مؤسفاً». وهكذا تُصنع مفارقة مريرة: كلما كان الضحية أبعد عن مراكز القرار، صار حقه أكثر حاجة إلى الإثبات.

في هذا السياق، يصبح اللاجئ اختباراً حقيقياً للخطاب الحقوقي. فاللاجئ ليس صورة حزينة تُلتقط عند الحدود، بل إنسان له ذاكرة وحق في الأمان والعودة أو الاستقرار الكريم. ويصبح الأسير اختباراً آخر؛ لأن الحقوق لا ينبغي أن تتوقف عند بوابة السجن. أما المدني الواقع تحت القصف، فهو يكشف مدى استعداد المجتمع الدولي لتطبيق القاعدة نفسها على الحليف والخصم.

ومن هنا يمكن فهم الصلة بين هذا الكتاب وأعمال شاهين الأخرى. في «السقوط في براثن الشمال المتوحش» تظهر الموارد بوصفها ساحة للصراع، أما هنا فتظهر الكرامة الإنسانية بوصفها ساحة أخرى للصراع. في الحالتين، لا يسأل الكاتب عن الشعار وحده، بل عن القوة التي تقف خلفه، وعن الإنسان الذي قد يختفي عندما تتحول القيم إلى أدوات نفوذ.

 

الكتاب بين النقد والدفاع

قد يذهب قارئ إلى أن هذا النوع من النقد يحمل شبهة رفض للمنظومة الحقوقية الغربية كلها. لكن القراءة الأدق هي العكس: الكتاب يدافع عن جوهر حقوق الإنسان عبر مساءلة من يسيء استخدامها. فحين نقول إن بعض الدول تنتقي الحقوق، لا يعني ذلك أن الحقوق غير مهمة؛ يعني أن تطبيقها يجب أن يصبح أكثر اتساقاً، وأن تُستعاد من يد السياسة الانتقائية.

وهنا تكمن قيمة الكتاب الأخلاقية. إنه لا يطلب منا أن نختار بين حقوق الإنسان والسيادة، ولا بين الحرية والعدالة الاجتماعية، بل يحذر من تحويل أي قيمة إلى قناع يلغي القيم الأخرى. فالحرية التي لا تحمي الفقير تبقى ناقصة، والديمقراطية التي لا تمنع التمييز تتحول إلى صندوق اقتراع بارد، والقانون الذي لا يطال الأقوياء يفقد اسمه، حتى لو امتلأت صفحاته بالنصوص.

 

لماذا يبقى الكتاب راهناً؟

لأن العالم لم يعد يعيش نقصاً في الإعلانات، بل فائضاً فيها. كل أزمة تقريباً تُغطّى بلغة حقوقية: الحرب تُقدَّم حمايةً، والعقوبة تُقدَّم ضغطاً من أجل الإصلاح، والحدود المغلقة تُقدَّم دفاعاً عن النظام، والتدخل يُقدَّم إنقاذاً. وبين هذا كله يتراجع الإنسان الواقعي، صاحب الجسد والبيت والذاكرة، أمام الإنسان المجرد الذي يظهر في البيانات.

يذكّرنا شاهين بأن الحق لا يُقاس بجمال العبارة التي تصفه، بل بقدرته على الوصول إلى الطرف الأضعف. فإذا بقيت الكرامة كاملة في العواصم ومنقوصة على الأطراف، فهناك صورة مضيئة تخفي ظلاً طويلاً. وإذا صار التضامن مشروطاً بالهوية أو الموقع السياسي، فقد تحولت حقوق الإنسان من معيار إلى امتياز.

 

اقرأ المزيد.. كتاب "حقوق الانسان.. الصورة والظل".

خاتمة: أن نعيد الإنسان إلى مركز الصورة

أجمل ما يمكن أن نخرج به من «حقوق الإنسان.. الصورة والظل» هو أن الكتاب لا يطلب منا كراهية الصورة، بل إكمالها. لا يريد إسقاط فكرة الحقوق، بل تحريرها من الاستخدام الانتقائي. يريد أن يقول إن الإنسان ليس أداة في خطاب الدول، ولا رقماً في تقارير المنظمات، ولا ضحية موسمية تستدعي الكاميرا حين تخدم الحكاية.

الحق الحقيقي هو الذي يظل حقاً عندما يتغير اسم الضحية، وعندما يكون الجاني حليفاً، وعندما لا توجد مصلحة سياسية في التعاطف. لذلك يترك الكتاب القارئ أمام مرآة لا تجامل: "ما نراه هو صورة العالم كما يحب أن يظهر، وما لا نراه هو العالم كما يدفع الضعفاء ثمنه...!".

 

الباحثون عن العدالة، الحرية، وحقوق الإنسان.!          

 

 

 

 

 

  • عدد الزيارات 13023779
Please fill the required field.