هرمز: المضيق الذي كان مفتوحا امام حرية الملاحة قبل الحرب
افراسيانت - لقد أقحم الرئيس دونالد ترامب الولايات المتحدة في حربٍ اختار هو خوضها ضد إيران، وهي حربٌ لا يمكنه الفوز بها بسهولة، ولا يستطيع الانسحاب منها ببساطة. كان من المفترض أن تكون هذه الحرب -حسب وصف ترامب- مجرد "نزهة قصيرة" تنتهي في غضون أسابيع قليلة، لكنها دخلت الآن شهرها السابع دون أي مؤشر على نهايتها.
وقد صرّح ترامب بأنه مستعد للسماح باستمرار الصراع طالما تطلب الأمر، وذلك لإجبار طهران على إعادة فتح مضيق هرمز (الذي كان مفتوحاً أمام حرية الملاحة قبل اندلاع الحرب) والتفاوض على اتفاق بشأن برنامجها النووي (رغم تأكيدات الخبراء بأن إيران لم تكن على وشك تطوير سلاح نووي قبل بدء الحرب).
يعيش الطرفان حالياً في حالة من الجمود الخطير، تتخللها نوبات متقطعة من القتال.
فقد تبادل الجانبان الضربات هذا الأسبوع؛ حيث استهدفت الولايات المتحدة جزيرة "لارك" الإيرانية، بينما رد "الحرس الثوري الإيراني" بشن هجمات على قواعد أمريكية في المنطقة. وفي الوقت ذاته، لا توجد أي مفاوضات حقيقية تهدف إلى التوصل إلى تسوية سلمية لهذا الصراع.
ادعاءات متكررة بالنصر : عندما بدأ ترامب هذه الحرب في أواخر فبراير -بتحريضٍ أساسي من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو- أكد هو ووزير دفاعه، بيت هيغسيث، مراراً وتكراراً أنها لن تكون طويلة أو مكلفة.
كما وجّها انتقادات لاذعة للقادة الأمريكيين السابقين بسبب توريطهم للولايات المتحدة في حروبٍ طويلة الأمد. لكن ترامب تحرك في ظل فراغٍ استراتيجي؛ إذ قللت إدارته من تقدير مدى صمود النظام الإيراني واستعداده لمواجهة التهديد الأمريكي، كما لم تتوقع أن يؤدي العدوان الخارجي إلى توحيد المجتمع الإيراني وتماسكه.
ومع ذلك، ادعى ترامب مراراً تحقيق انتصار عسكري، معلناً أن القدرات الدفاعية لإيران قد دُمرت، وأن الولايات المتحدة قد أجبرت إيران -من خلال الضربات المكثفة- على قبول اتفاق سلام. لكن هذا الادعاء كان سابقاً لأوانه؛ إذ لم تكتفِ طهران بالحفاظ على قدراتها الهجومية وإعادة بنائها بوتيرة أسرع مما كان متوقعاً فحسب، بل أحكمت أيضاً سيطرتها على مضيق هرمز، مستخدمةً إياه كورقة ضغط حيوية ضد الولايات المتحدة والعالم. وبحلول شهر مايو، أصبحت الكفة راجحة لصالح طهران، التي لم تكن لديها أي رغبة في التفاوض على اتفاق لا يلبي مطالبها الرئيسية، والتي شملت:
• وقف إطلاق النار على جميع الجبهات (بما في ذلك الهجوم الإسرائيلي على حزب الله في لبنان).
• الإفراج عن أصول إيرانية مجمدة بمليارات الدولارات.
• الحصول على تعويضات حرب.
• الحق في إدارة مضيق هرمز.
• إنهاء أي تهديد أمريكي أو إسرائيلي ضد إيران بشكل دائم.
وقد أُدرجت هذه المطالب ضمن مذكرة تفاهم -صيغت بعبارات غامضة- وقّعها ترامب في يونيو مع القيادة الإيرانية، التي كان يهيمن عليها آنذاك متشددون من الحرس الثوري الإيراني. ونظراً لأن الاتفاق كان يصب في مصلحة طهران، لم يستطع ترامب الاستمرار فيه طويلاً. ومع تزايد الضغوط من شخصيات جمهورية بارزة ومن بنيامين نتنياهو، تراجع ترامب عن الاتفاق وشن هجمات جديدة.
ومن جانبها، لم تبذل طهران أي جهد لإنقاذ الاتفاق؛ إذ كان من مصلحتها إلحاق أكبر قدر ممكن من الضرر السياسي بترامب. ومنذ ذلك الحين، أعاد ترامب فرض الحصار الأمريكي على الموانئ الإيرانية بهدف حرمان النظام الإسلامي من عائدات النفط، كما شن ضربات عسكرية متقطعة لترهيب طهران. ومع ذلك، لا يزال الجمود سيد الموقف.
«يوم الإنزال الاقتصادي»
مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، أعلنت إدارة ترامب الأسبوع الماضي عما أسمته «عملية المنبوذ اقتصادياً» (Operation Economic Outcast)؛ وهي حزمة عقوبات واسعة النطاق تهدف إلى خنق إيران اقتصادياً وعزلها دولياً. وقد وصف وزير الخزانة، سكوت بيسنت، هذه الخطوة بأنها «يوم إنزال اقتصادي» (Economic D-Day).
ومع ذلك، فمن غير المرجح أن تؤدي هذه السياسة إلى إجبار إيران على الاستسلام، وذلك لعدة أسباب. فقد رفضت كل من الصين وروسيا تحرك واشنطن واعتبرته أمراً غير مقبول.
كما لم تعلن أي من الدول المجاورة لإيران - وعلى رأسها باكستان والعراق وتركيا - حتى الآن عن نيتها تطبيق هذه العقوبات. أما الدولة الخليجية الوحيدة التي علقت معاملاتها المالية وتجارتها مع إيران فهي الإمارات العربية المتحدة، وذلك نظراً لتنسيقها الوثيق مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
وكما يظهر التاريخ، نادراً ما نجحت العقوبات كأداة ضغط؛ ولعل المرة الوحيدة التي أثبتت فيها فاعليتها كانت عندما فُرضت بشكل موحد وشامل ضد نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. لقد نجح النظام الإسلامي في إيران في الالتفاف على العقوبات التي تقودها الولايات المتحدة طوال معظم السنوات السبع والأربعين التي قضاها في السلطة، وذلك من خلال الاعتماد على الذات وتنويع شركائه التجاريين.
ورغم أن الشعب الإيراني هو من تحمل العبء الأكبر لهذه العقوبات، إلا أن النظام ظل صامداً. ومن المرجح أن تتكرر النتيجة ذاتها الآن؛ فبينما ستتسبب العقوبات الجديدة التي فرضتها إدارة ترامب في معاناة هائلة للاقتصاد والشعب الإيراني، فمن المرجح أن يظل النظام قادراً على حماية نفسه.
طريق الحل لا يمكن للطرفين السماح لهذا المواجهة بالتصعيد مجدداً أو الانزلاق نحو صراع مسلح جديد. كما لا يمكن الإبقاء على مضيق هرمز مغلقاً، نظراً للتكاليف الباهظة التي قد يتكبدها الاقتصادان الإقليمي والعالمي.
لذا، يتعين على طهران وواشنطن العودة إلى مذكرة التفاهم التي أُبرمت في يونيو/حزيران، والدخول في مفاوضات مباشرة للتوصل إلى تسوية نهائية. ولا يزال الوسطاء من باكستان وقطر يعملون على تقريب وجهات النظر بين الطرفين.
كما أن هناك رغبة لدى دول الخليج في إنهاء هذا الصراع؛ إذ بدأت هذه الدول بالفعل في التطلع نحو المستقبل، والتعامل مع إيران كفاعل إقليمي قوي، مع تقليل اعتمادها على الولايات المتحدة باعتبارها الضامن الأمني الرئيسي لها.
لا عجب أن المملكة العربية السعودية، وهي أغنى هذه الدول، أبرمت مؤخراً اتفاقية دفاع مشترك مع كل من تركيا (التي تمتلك أحد أقوى الجيوش في حلف الناتو ومنطقة الشرق الأوسط) وباكستان (الدولة الوحيدة في العالم الإسلامي التي تمتلك أسلحة نووية).
وقد درست دول إقليمية أخرى -مصر على وجه الخصوص- إمكانية الانضمام إلى هذا الاتفاق، كما رحبت به إيران أيضاً. ورغم أن المستقبل لا يزال غامضاً للغاية، فإن الدبلوماسية تظل السبيل الوحيد لإنهاء الحرب بين الولايات المتحدة وإيران. إنها مهمة بالغة الصعوبة، لكنها تظل ممكنة.
