ثقافة

صناعة التجويع لصوت انتخابي

صناعة التجويع لصوت انتخابي

افراسيانت - يسري الغول - ستأتي انتخابات وتذهب أخرى على حساب دمنا وآلامنا، يكون فيها دم الفلسطيني المادة الخصبة لأي انتصار، وكلما أعلن المرشح صهيونيته أكثر، كان الأقرب إلى الفوز بأي انتخابات هناك؛ لكن حسبنا أن الظلم لن يدوم. 

عدت يومها من مخيم جباليا إلى مخيم الشاطئ مشياً على الأقدام، رفقة أبنائي الذكور، فيما بقيت زوجتي وابنتي عالقتان هناك، بعد فشلهما باجتياز شارع الجلاء الفاصل بين موتين، إذ كان الاحتلال يقوم بإطلاق النار على جموع النازحين العائدين إلى غرب مدينة غزة. لذلك ودع أحدنا الآخر بالإشارة والبكاء، فيما ظل بعض الأشخاص ممدين على الأرض، وقد سقطوا بنيران القناصة، تحديداً عند مفرق السرايا.

خلال تلك الفترة، كان الجوع ينهش الأجساد، ولم نعد نجد طعام الحيوانات لنأكله، ولا يوجد شجر لكي نأكل أوراقه، لذلك تحللت من مكانتي الاجتماعية وبت أغامر في حياتي لأجل علبة فول أو حمص، ومع كل قصة بحث عن كسرة خبز، يسقط رفيق؛ فيظل عالقاً في قلبي وروحي شيء منه، فما زال شبح الشهيد حسين أبو شرخ وهو يجري بين الأنقاض أمامي عند متنزه مخيم الشاطئ الشمالي، يجر عربة عمال السناتيشن بـ(وكالة الغوث)، فوقنا طائرات الكواد كابتر، لنحظى بطعام تركه أهله هناك، حيث صارت المنطقة خربة، لا تصلح للسكن، فيما تهب رياح الشهيد أحمد الأشقر وهو يبتسم عندما وجدنا علبتي فول بمنزل يستقر فيه، أعطاني واحدة وأخذ الأخرى له ولأبيه، حيث نزحت كل عائلته إلى جنوب، وبقي في تلك المنطقة المحاذية للمسجد الغربي، نمر عبر الركام، نبحث عن براد شاي وبعض الطناجر القوية لأجل صنع طعام على الحطب الذي كان متوفراً في حينه، ولم يكن في المخيم سوى عشرات فقط.

أما عن فائق الدنف الذي يزورني كل فترة في أحلامي بشكل مختلف، فقد عشت معه رحلات صعبة لأجل إحضار الدواء والملابس والطعام للنازحين في المخيم، بعدما صار المكان يكتظ بالعائدين من الشجاعية وجباليا، ممن رفض النزوح إلى الجنوب.

فقد كنت أسرح معه صباحاً لدخول بيوت لا نعرفها، للبحث عن كيلو طحين يتنعم فيه الجرذان، وملابس سقط المطر عليها فغرقت بالبارود والاسمنت، وصار اللون الرمادي هو المشاع الذي يميز كل الأشياء. حيث قمنا ذات مرة بدخول مبنى مدمر بالكامل، من خلال ثقب كبير بجدار، رغم أن الشارع المقابل للمكان تنتشر فيه الدبابات، وتحديداً شارع حميد، وكان جريئاً في البحث عن الأدوية، بينما أطلب منه الاستعجال لأنهم قد يقصفونا بقذيفة مدفعية، ولن نجد من يسعفنا هناك، إذ كان يضحك ويستمر بجمع الأدوية التي نرجع فيها لنعطيها لمراكز الإيواء التي كانت بحاجة لكل أنواع الدعم والمساندة، وقد غاب فايق رحمه الله رفقة عدد من الشبان لاحقاً، في اليوم الأخير من اجتياح مستشفى الشفاء الأخير، عندما قام الاحتلال بتوسيع مرمى النيران، كجدار ناري من أجل الانسحاب بعد تدمير المستشفى وقتل عدد كبير من الأطباء والمرضى والنازحين، الذين تم اكتشاف أعداد كبير منهم في مقابر جماعية، أمام صمت العالم.

لكن الشخص الذي لا يمكن لي نسيانه، يحضرني بشكل شبه يومي، هو الشهيد (ي)، الشاب المعروف بالمخيم بأنه لص محترف، إذ ذهبت إليه إبان عودتي من مخيم جباليا لأطلب منه الطحين، فقال إنه لا يتوفر عنده أي شيء، يومها قال لي: "تعال اطلع معي بكرة، ورزقي ورزقك على الله".

ورغم أنني أعيش الآن في شقة وثيرة في سويسرا، إلا أن عقلي يسافر هناك، كيف خرجنا مع خيوط الفجر الأولى، تواعدنا أن نلتقي عند فايق الدنف، قريباً من المسجد الغربي، ثم توجهنا إلى منطقة آل النحال ومن هناك، ومن خلال شوارع ضيقة/ التفافية بين البيوت المتكدسة داخل المخيم، وصلنا فضاء الشارع الواسع، المجاور لبيوت آل جودة، حيث أخبرني (ي) عن مكان استشهاد ابن عمي أحمد، الباحث عن الطعام مثلي، وأنا خائف، بل أرتعد من الخوف، إذ كانت الدبابة لا تبعد عنا 10 أمتار، ومن داخل بعض الثقوب في الجدران هناك وصلنا أحد البيوت، وقد وجدنا داخل البيت طحيناً وماء صالحاً للشرب.

لكن خلال البحث داخل ذلك المنزل، راودتني مجموعة من الأسئلة: ماذا لو تم استهدافنا هناك؟ من سيأتي لينقذنا؟ وماذا سيقول الناس عنا إن عادوا إلى بيوتهم بعد عام أو 2 أو 10؟ هل سنجد من يدفن بقايانا؟ وهل ستأتي الجرذان والحشرات والكلاب الضالة والقطط لتنهش لحومنا؟ إذ قررت يومها ألا أكرر المحاولة، لكني مع انتهاء الطعام كنت أعود مضحياً بكل ما أملك من أجل لقمة أضعها في فم أطفالي.

عدت يومها بالطحين بينما حمل (ي) غالون ماء (16 لتر) وهرعنا نجري، بينما تسقط قذائف المدفعية حولنا، إلى أن دخلنا أحد الأزقة ومنها إلى منطقة الغربي، وكلمته التي جرحتني تطن الآن في أذني: ما تخاف، هما عارفين إنو احنا جايين ندور ع أكل، لكن القذائف الغادرة أصدق إنباء من الكلام.  

قبل عودة النازحين من الجنوب، جاءني رجل أحبه، أحد الصالحين الذي نشعر بالخشوع معهم، وقد عرف بعلاقتي بالشاب (ي)، ثم أخبرني أنه رأى في ما يرى النائم نبي الرحمة محمد صلى الله عليه ويسلم يوصي بالشاب (ي). وسألني: ماذا بين ذلك اللص وبين الله؟ لنعرف لاحقاً أنه كان يذهب تحت النار لأجل توفير الطعام للأطفال في المخيم، يوزعه مجاناً في وقت وصل فيه ثمن كيلو من الطحين حياة إنسان كاملة؛ ومنذ تلك القصة و(ي) ضيفي على موائد الطعام.

بعد عودة النازحين من جنوب القطاع، وتحسن أحوالنا قليلًا، جاءني (ي) كي أخطب له، فذهبت مع أخيه لنطلب يد فتاة استشهد أبواها، وقررت إهداؤهما خاتماً ذهبياً عند الزواج، لكن يبدو أن الموت كان أقرب للشاب من أي شيء آخر، إذ ذهب ذات مرة إلى مستوطنة زيكيم ليحضر الطعام، ولم يعد حتى هذه اللحظة، وما زلنا لا نعرفه عنه أي شيء، سوى أن (ي) خرج ولم يعد.

تذكرت كل هذه القصص وغيرها، عندما شاهدت فيديو لإحدى المرشحات الصهيونيات للكنيست الإسرائيلي وهي تمنع شاحنات المساعدات من إدخال الطعام إلى قطاع غزة، كمادة إعلامية للانتخابات التي يتنافس فيها هؤلاء على تجويع وقتل أهل فلسطين، وتدمير أكبر قدر من البيوت والقرى والمخيمات، لنفهم أن المجتمع الصهيوني تحول بالفعل إلى مجتمع متطرف لا يأبه بدم الأبرياء، فبحسب استفتاء لـ "هآرتس" مؤخراً، كانت نسبة التصويت المؤيدة لطرد الفلسطينيين تفوق 83% من العينة التي تم استهدافها.

ستأتي انتخابات وتذهب أخرى على حساب دمنا وآلامنا، يكون فيها دم الفلسطيني المادة الخصبة لأي انتصار، وكلما أعلن المرشح صهيونيته أكثر، كان الأقرب إلى الفوز بأي انتخابات هناك؛ لكن حسبنا أن الظلم لن يدوم، طالما بقي فلسطيني وعربي يؤمن بحقنا في استعادة أرضنا السليبة.

 

الباحثون عن العدالة، الحرية، وحقوق الإنسان.!          

 

 

 

 

 

  • عدد الزيارات 13023473
Please fill the required field.