إتجاهات

مزاعم "الإبادة الجماعية للبيض": كيف فضح عزوف "الأفريكانز"سردية واشنطن في جنوب أفريقيا؟

مزاعم "الإبادة الجماعية للبيض": كيف فضح عزوف "الأفريكانز"سردية واشنطن في جنوب أفريقيا؟

مزرعة في جنوب أفريقيا مخصصة بالكامل لأصحاب البشرة البيضاء (غيتي).

واشنطن رصدت ميزانية تقارب 335 ألف دولار لتنفيذ حملة تسويقية واستطلاعية داخل جنوب أفريقيا، والهدف ، فك لغز عزوف جماعة «الأفريكانز» — ذوي الأصول الأوروبية — عن التقدم لبرنامج اللجوء المخصص لهم.

افراسيانت - علي مرتضى - في كواليس وزارة الخارجية الأميركية، كان المخططون يواجهون مأزقاً حرجاً كشفته وثيقة سرية مسربة تناقلتها الصحافة البريطانية عبر صحيفة ذا غارديان؛ إذ تدرس واشنطن رصد ميزانية تقارب 335 ألف دولار لتنفيذ حملة تسويقية واستطلاعية داخل جنوب أفريقيا.

تبدأ القصة من مفارقة مشبعة بالسخرية السياسية: دولة عظمى كالولايات المتحدة الأميركية، تفتح أبواب لجوئها على مصراعيها، وتستعد لإنفاق مئات الآلاف من الدولارات في حملة دعائية مموّلة لإقناع جماعة عرقية بالفرار من «جحيم بلادها»، لكن أحداً تقريباً لا يطرق الباب، ومن يطرقه بدافع الفضول أو الطمع في بطاقة خضراء سريعة، يجد بانتظاره فرماناً دبلوماسياً جافاً يغلق الباب في وجهه نهائياً من دون حق للاستئناف.

هذا المشهد ليس حبكة لرواية سياسية، بل هو جوهر المشهد الدبلوماسي المحتدم بين واشنطن وبريتوريا حول برنامج إعادة توطين اللاجئين الأميركي (USRAP).

في كواليس وزارة الخارجية الأميركية، كان المخططون يواجهون مأزقاً حرجاً كشفته وثيقة سرية مسربة تناقلتها الصحافة البريطانية عبر صحيفة ذا غارديان؛ إذ تدرس واشنطن رصد ميزانية تقارب 335 ألف دولار لتنفيذ حملة تسويقية واستطلاعية داخل جنوب أفريقيا، والهدف ، فك لغز عزوف جماعة «الأفريكانز» — ذوي الأصول الأوروبية — عن التقدم لبرنامج اللجوء المخصص لهم.

فبينما روجت منصات اليمين الأميركي وخطابات الرئيس دونالد ترامب لفكرة أن مزارعي جنوب أفريقيا البيض يعيشون تحت وطأة «إبادة عرقية ممنهجة برعاية الدولة»، جاء الواقع الميداني ليوجه صفعة قاسية لتلك السردية، فالأرقام الضعيفة لطلبات التقديم لم تكن مجرد مؤشر على فتور عابر، بل كانت الدليل العملي الدامغ الذي نسف الأساس المنطقي للدعاية السياسية برمتها: فالشعوب التي تواجه إبادة وتطهيراً حقيقياً لا تحتاج إلى إعلانات تجارية مموّلة بستة ملايين راند باللغة الأفريكانية ولا إلى حملات دعائية، لتُقنع بإنقاذ أرواحها.

تفاقمت هذه المفارقة حينما اصطدمت الدعاية بالشروط الأميركية القانونية الصارمة؛ إذ أصدرت السفارة الأميركية في بريتوريا تحذيرات حاسمة عبر منصاتها الرسمية تنبّه فيها إلى أن التقدم للبرنامج لا يعني أبداً ضمان القبول، وأن قرارات  الرفض التي تصدر عن ضباط دائرة الهجرة (USCIS) هي قرارات قطعية ولا تقبل الاستئناف، لم يكن هذا التحذير سوى إقرار قانوني ضمني بأن أولئك الذين تقدموا لم يستطيعوا تقديم أدلة تثبت تعرضهم لأي «اضطهاد فردي ممنهج»، ما أدى إلى رفض ملفاتهم بالجملة، بل ودفع السفارة للتحذير من شبكات احتيال تستغل مواطنين يبحثون عن «سراب اللجوء».

لم تكن سردية «الإبادة البيضاء» سوى بضاعة روّجتها جماعات ضغط يمينية متطرفة في جنوب أفريقيا مثل منظمة AfriForum، ولاقت صدى واسعاً في واشنطن لتوظيفها في معارك الهجرة والسياسة الداخلية الأميركية، واتكأت السردية على حوادث العنف والسطو في المناطق الريفية (Farm Attacks)، وعلى مشاريع قوانين تعديل الدستور لإصلاح الأراضي من دون تعويض.

لكن رد بريتوريا جاء هادئاً، دقيقاً ومدعوماً بلغة الحقائق والأرقام؛ حيث رد وزير خارجيتها، رونالد لامولا، مؤكداً خلوّ البلاد من أي ممارسات إبادة. فالجريمة في جنوب أفريقيا لا تسأل عن لون البشرة؛ إنها أزمة عنف مجتمعي وفقر هيكلي تطحن الغالبية الساحقة من المواطنين السود في البلدات والأحياء العشوائية بنسب تفوق حوادث المزارع بأضعاف مضاعفة. أما قوانين الأراضي، فهي محاولة بطيئة ومدروسة لتصحيح إرث الفصل العنصري (الأبارتهايد) الذي صادر 87% من الأراضي لصالح المستوطنين بموجب قانون عام 1913، وتخضع حتى اليوم لرقابة محاكم دستورية مستقلة لم تسمح بأي مصادرة عشوائية.

ما يجعل فكرة «لجوء الأفريكانز» مثيرة للسخرية في الداخل الجنوب أفريقي هو طبيعة التوازنات الاقتصادية والاجتماعية؛ فالأقلية البيضاء التي تشكل نحو 7% إلى 8% فقط من السكان، لا تعيش في ملاجئ أو مخيمات نزوح، بل تقبع على قمة الهرم الاقتصادي:

احتكار الأراضي: وفقاً لتقارير اتحاد مزارعي جنوب أفريقيا (Agri SA)، يمتلك المزارعون والشركات البيضاء أكثر من 70% من الأراضي الزراعية التجارية ذات الإنتاج العالي الموجه للأسواق العالمية والمحلية.

إمبراطوريات المال: يسيطر رأس مال الأفريكانز والشركات التابعة له على مفاصل حيوية في بورصة جوهانسبرغ (JSE)، والقطاعات المصرفية، والتأمين، ومناجم الذهب والمعادن.

مؤسسات موازية: أسست هذه الأقلية لنفسها نقابات مستقلة عملاقة مثل Solidarity، وجامعات ومدارس خاصة، وصناديق استثمار وتأمين تجعلها في استغناء تام عن كثير من خدمات الدولة المتهالكة.

في قلب السلطة: سياسياً، لم يعودوا أقلية مقصيّة؛ فمنذ تشكيل «حكومة الوحدة الوطنية» (GNU)، بات «التحالف الديمقراطي» (DA) وحزب «جبهة الحرية بلس» (Freedom Front Plus) — الممثلان التاريخيان للبيض والأفريكانز — يديران وزارات سيادية ويملكان حق النقض الفعلي ضد أي تشريع يهدد الملكية الخاصة أو السوق المفتوحة.

وهكذا ومن دون الحاجة إلى مراكز دراسات، تتضح معالم اللوحة كاملة، مواطنون يملكون الأرض، ويديرون كبريات الشركات، ويجلسون في مقاعد الوزراء، فيما تبحث واشنطن عن حيل دعائية لتقنعهم بأنهم ضحايا إبادة يحتاجون إلى إعادة توطين، لتسقط نظرية المؤامرة أمام محكمة الواقع؛ فالإقبال الباهت ورفض طلبات اللجوء المتكررة في السفارة الأميركية لم يكونا سوى شهادة وفاة رسمية لسردية «الإبادة البيضاء»، تاركين الدبلوماسية الأميركية في مواجهة مرآة تعكس فجوة هائلة بين أوهام الخطاب الانتخابي وحقائق الواقع في جنوب أفريقيا. 

 

الباحثون عن العدالة، الحرية، وحقوق الإنسان.!          

 

 

 

 

 

  • عدد الزيارات 13023765
Please fill the required field.