العلاقة بين الفلاح وأشجاره أعمق من أن تقطعها الاعتداءات أو تبددها السنوات.
النفط الأخضر الفلسطيني.. موسم الزيتون بين الرزق والصمود
افراسيانت - هبة ضرغام نصار - لا تمثل شجرة الزيتون في فلسطين مجرد محصول زراعي أو مصدر دخل موسمي، بل تختزل تاريخا طويلا من الارتباط بالأرض والهوية. ومع حلول الخريف من كل عام، تستعد العائلات الفلسطينية لاستقبال موسم قطف الزيتون، الذي يعد واحدا من أهم المواسم الاجتماعية والاقتصادية في الريف الفلسطيني، ومناسبة تتجدد فيها العلاقة بين الإنسان وأرضه.
في المخيال الشعبي الفلسطيني، يطلق على زيت الزيتون اسم "النفط الأخضر"، في إشارة إلى القيمة الاقتصادية الكبيرة التي يمثلها لعشرات الآلاف من الأسر. غير أن هذا "النفط" يختلف عن النفط التقليدي؛ فهو مورد متجدد تمنحه الأرض كل عام، وتحافظ عليه الأجيال جيلا بعد جيل، ليبقى مصدرا للرزق وعنصرا أساسيا في الموروث الثقافي الفلسطيني.
"المزارعون يواجهون تحديات متزايدة في الوصول إلى أراضيهم وقطف محاصيلهم، في ظل اعتداءات متكررة تستهدف الأشجار والمزارعين على حد سواء"
__________
بالنسبة إلى كثير من المزارعين، لا يقاس الزمن بالأشهر والتقويمات الرسمية بقدر ما يقاس بالمواسم الزراعية، وفي مقدمتها موسم الزيتون. فقد ارتبطت به لعقود قرارات عائلية ومحطات حياتية مهمة، من بناء المنازل إلى تمويل تعليم الأبناء وتغطية نفقات الزواج. لذلك لا يقتصر حضور الزيتون على الحقول فحسب، بل يمتد ليشكل جزءا من الذاكرة الجماعية للفلسطينيين.
وتتحول أيام القطاف إلى مشهد اجتماعي متكامل؛ إذ تجتمع العائلات في الحقول منذ ساعات الصباح الأولى، وتتوزع الأدوار بين أفراد الأسرة في أجواء تجمع العمل والتعاون واستعادة العادات الريفية المتوارثة. وتبقى هذه المشاهد من أبرز صور الارتباط بالأرض التي حافظت عليها المجتمعات الفلسطينية، رغم التحولات السياسية والاقتصادية التي مرت بها.
غير أن هذا الموسم لم يعد يمر بهدوء في كثير من مناطق الضفة الغربية، خصوصا في محافظة جنين والمناطق الريفية المحيطة بها. فالمزارعون يواجهون تحديات متزايدة في الوصول إلى أراضيهم وقطف محاصيلهم، في ظل اعتداءات متكررة تستهدف الأشجار والمزارعين على حد سواء.
وتعد قرى جنين الممتدة من يعبد وعرابة وسيلة الحارثية غربا وجنوبا، إلى الجلمة ودير غزالة وفقوعة وبيت قاد شمالا وشرقا، من المناطق التي تضم مساحات واسعة من أشجار الزيتون. وفي هذه القرى، لا تقتصر معاناة المزارعين على خسارة جزء من المحصول، بل تشمل كذلك تعرض الأشجار المعمرة للقطع أو الحرق، إلى جانب سرقة الثمار ومنع أصحاب الأراضي من الوصول إليها.
"أثبتت شجرة الزيتون، على امتداد العقود الماضية، قدرة لافتة على التجدد والاستمرار؛ فقد تنمو أغصان جديدة بعد الحريق، وتخرج براعم من الجذوع التي تعرضت للقطع، في مشهد يراه الفلسطينيون انعكاسا لعلاقتهم بأرضهم وصمودهم في وجه محاولات الاقتلاع"
__________
ويتجاوز أثر هذه الاعتداءات الجانب الاقتصادي المباشر؛ إذ تمثل شجرة الزيتون بالنسبة إلى الفلسطينيين رمزا للاستمرار والبقاء. فكثير من الأشجار القائمة اليوم تجاوز عمرها مئات السنين، وتناقلتها الأجيال المتعاقبة بوصفها جزءا من تاريخ العائلة والمكان. لذلك ينظر كثير من المزارعين إلى استهدافها باعتباره استهدافا للذاكرة والهوية، وليس للممتلكات الزراعية فقط.
ورغم هذه الظروف، يواصل المزارعون التوجه إلى أراضيهم خلال موسم القطاف. فالحضور في الأرض بالنسبة إليهم لا يرتبط بجني المحصول وحده، بل يحمل أيضا معنى التمسك بالمكان والحفاظ على العلاقة التاريخية معه. ولهذا يتحول القطاف في كثير من الأحيان إلى فعل مقاومة يومي يجمع بين البعدين الاقتصادي والرمزي.
لقد أثبتت شجرة الزيتون، على امتداد العقود الماضية، قدرة لافتة على التجدد والاستمرار؛ فقد تنمو أغصان جديدة بعد الحريق، وتخرج براعم من الجذوع التي تعرضت للقطع، في مشهد يراه الفلسطينيون انعكاسا لعلاقتهم بأرضهم وصمودهم في وجه محاولات الاقتلاع.
ويبقى موسم الزيتون أكثر من مجرد حدث زراعي سنوي؛ إنه إعلان متجدد عن حضور الإنسان الفلسطيني على أرضه، وتأكيد على أن العلاقة بين الفلاح وأشجاره أعمق من أن تقطعها الاعتداءات أو تبددها السنوات. وما دام هناك من يحمل سلته مع بزوغ الفجر متجها نحو حقله، فستبقى للزيتون مواسمه، وللأرض حكايتها التي تروى جيلا بعد جيل.
