ما وراء الستار

الاتحاد الأوروبي يشدد شروط تمويل أوكرانيا وأزمة في كييف.. وضغوط أوروبية على لندن وأوتاوا للتدخل

محتج يركل قنبلة دخانية في ساحة الجمهورية في باريس (غيتي)

خريف اوروبا.. كيف ساهمت الازمة الاوكرانية في تفاقم الاحتجاجات!!

افراسيانت – لا يغيب عن اي مراقب للاوضاع المتفجرة في دول الاتحاد الاوروبي الملاحظة بان الاموال التي انفقت على اوكرانيا كانت سببا رئيسيا في اشعال الاحتجاجات في اوروبا وليس في فرنسا وحدها.

الحكومات الاوربية حرمت شعوبها من حالة الاستقرار الاقتصادي حين انفقت اموال هذه الشعوب على حرب لن تستطيع اوكرانيا الانتصار بها.

هنالك اسباب عدة فاقمت الوضع الاقتصادي في الدول الاوروبية, اول هذه الاسباب حين اختار الاوربيون الانقطاع عن استيراد النفط الروسي مستبدلين ذلك بالنفط الامريكي الذي يزيد سعره عن اكثر من 44% .ثم جاءت الحرب الامريكية الايرانية لتزيد من اعباء ازمة الطاقة .

اضافة الى ذلك فان ضخ الامرال الى اوكرانيا رغم ما يعتري ذلك من شبهات فساد باعتراف العديد من الحكومات الاوربية فاقم الازمات الاوربية التي حرمت شعوبها لتنفق اموال ومداخيل هذه الشعوب على زيلينسكي ومن معه .ومع ذلك , يبدو ان الاوربيون لم يتعلموا الدرس بعد , اذ يعتزم الاتحاد الأوروبي حث كندا والمملكة المتحدة على زيادة دعمهما المالي لأوكرانيا، في إطار مساعٍ لسد فجوة تمويلية تُقدّر بنحو 70 مليار يورو تواجهها كييف، خلال عام 2027، مع تصاعد الهجمات الروسية واستمرار الغموض بشأن حجم الدعم الأمريكي.

ومن المتوقع أن تتيح القمتان المرتقبتان بين الاتحاد الأوروبي وكندا يومي 29 و30 أكتوبر الجاري، وبين الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة، 20 نوفمبر المقبل، فرصة لطرح الملف على أعلى المستويات السياسية، في وقت تتزايد فيه احتياجات أوكرانيا المالية، وتتجه فيه بروكسل إلى الاستعانة بمزيد من الشركاء من خارج التكتل.

ونقلت صحيفة "بوليتيكو" الأمريكية عن خمسة مسؤولين أوروبيين، بينهم مسؤولان في المفوضية الأوروبية ودبلوماسيان لدى الاتحاد الأوروبي، أن بروكسل تسعى إلى توسيع مساهمات حلفائها في تمويل أوكرانيا، وسط تباطؤ وصول بعض التعهدات المالية المنتظرة.

 

 

فجوة تمويلية متزايدة

وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، إن "الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء يوفرون 80% من المساعدات الخارجية لأوكرانيا"، مضيفة أن هناك حاجة ملحّة إلى زيادة مساهمات الشركاء الآخرين.

من جانبه، دعا رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، أمام البرلمان الأوروبي، اليوم الأربعاء، الشركاء الدوليين إلى تكثيف دعمهم المالي لكييف.

وتعهد الاتحاد الأوروبي بتقديم قرض بقيمة 90 مليار يورو، خلال عامي 2026 و2027، لتغطية نحو ثلثي احتياجات أوكرانيا، مع توقع مساهمة شركاء آخرين، بينهم كندا واليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا والنرويج، بنحو 45 مليار يورو إضافية، إلا أن جزءًا كبيرًا من هذه الأموال تأخر، في ظل عدم استكمال بعض الحكومات تعهداتها أو صرف المبالغ المتوقعة.

وتزايدت تقديرات الاحتياجات المالية لأوكرانيا لعام 2027 مع تكثيف روسيا هجماتها، وارتفاع التكاليف المرتبطة بالحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، بجانب التحولات في الموقف الأمريكي تجاه موسكو، ما يضع أعباء إضافية على أوروبا وحلفاء كييف.

 

دعم كييف

وأكد مسؤولون ودبلوماسيون أوروبيون أن التحرك لا يستهدف انتقاد بريطانيا أو كندا، اللتين تقدمان دعمًا كبيرًا لأوكرانيا، بل يعكس ارتفاع احتياجات كييف. وتقول لندن إنها خصصت إجمالًا 25 مليار جنيه إسترليني لأوكرانيا، فيما تعهدت أوتاوا بمساعدات عسكرية تعادل 5.4 مليار يورو، ودعم مالي مباشر بقيمة 8.2 مليار يورو.

ويؤكد الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء أنهم قدموا أكثر من 231 مليار يورو منذ بدء الحرب الروسية الأوكرانية، شملت المساعدات العسكرية والدعم المالي وضمانات التمويل، بجانب مساعدة اللاجئين الأوكرانيين والاستفادة من عائدات الأصول الروسية المجمدة.

وأوضح مفوض الاقتصاد الأوروبي فالديس دومبروفسكيس، أن "تأمين تمويل أوكرانيا لعام 2027 كان من الموضوعات البارزة خلال اجتماعات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في بانكوك"، مشددًا على ضرورة تقاسم الأعباء بين الشركاء الدوليين.

 

ضغوط تتجاوز أوروبا

وتبحث بروكسل كذلك تعزيز علاقاتها الاقتصادية والدفاعية مع لندن وأوتاوا، بالتزامن مع المفاوضات بشأن التعاون الصناعي والدفاعي. ومع ذلك، لا يتوقع المسؤولون التوصل إلى اتفاق رسمي يربط هذه الملفات بزيادة التمويل، كما أكدوا أن الاتحاد لن يربط صراحة بين تقديم مزايا تجارية أو دفاعية والمساهمة في دعم كييف.

تمتد التحركات الأوروبية إلى اليابان، التي ترى بروكسل أن مساهماتها في تمويل أوكرانيا، خلال عام 2026، لا تزال دون المستوى المتوقع، بينما تؤكد طوكيو أنها قدمت نحو 20 مليار دولار دعمًا لكييف، مع احتمال زيادة المساعدات إذا طلبت أوكرانيا ذلك.

وفي المقابل، لم تتلقَ أستراليا حتى الآن طلبًا رسميًا لزيادة تمويل أوكرانيا لعام 2027، بعدما أعلنت تقديم دعم إضافي وإبرام اتفاق أمني مع كييف.

وأفادت “بلومبرغ” بأن كييف لن تحصل حاليا على الأموال التي طلبها فلاديمير زيلينسكي بصورة عاجلة من قرض مخصص للعام المقبل، بهدف تمويل النفقات العسكرية حتى نهاية 2026.

وأوضحت المفوضية الأوروبية أن 37 مليار يورو مخصصة لدعم الموازنة الأوكرانية حتى نهاية العام، لكن الحصول عليها سيكون مرتبطا بتنفيذ إصلاحات لمكافحة الاقتصاد غير الرسمي، وزيادة الإيرادات الضريبية، وتقريب التشريعات الأوكرانية من قوانين الاتحاد الأوروبي، وهي إجراءات لا تزال عالقة في البرلمان الأوكراني.

كما رفضت المفوضية طلب كييف تخصيص 220 مليون يورو لاحتياجات القطاع الزراعي.

يقول الخبير الاقتصادي ومستشار رئيس الجامعة الروسية الحكومية الاجتماعية قسطنطين بوزدنياكوف إن التمويل الأوروبي أصبح “أداة ضغط قوية” على كييف، مشيرا إلى أن أوكرانيا حصلت على 14.9 مليار يورو فقط من أصل 45 مليار يورو كانت مقررة لها خلال العام الحالي.

وأوضح بوزدنياكوف أن سبب تعثر جزء من التمويل يعود إلى عدم تمكن كييف من تمرير قوانين مكافحة الفساد والضرائب التي تطالب بها بروكسل، ومن بينها إلغاء الإعفاءات على الطرود المستوردة وفرض ضريبة على دخل المنصات الرقمية.

ويرى الخبير أن رفع العبء الضريبي على السكان في ظل الحرب يمثل قرارا سياسيا صعبا بالنسبة إلى زيلينسكي، وهو ما يفسر، بحسب تقديره، استمرار تعثر الإصلاحات داخل البرلمان.

وفي موازاة ذلك، تزايدت التساؤلات داخل الاتحاد الأوروبي حول كيفية توزيع الأموال التي حصلت عليها أوكرانيا، فيما تجري الدول الأوروبية حاليا عملية تدقيق في أوجه إنفاقها، وتأتي هذه الضغوط في وقت تواجه فيه كييف فجوة تمويلية متزايدة.

ووفقا لتقديرات أولية لصندوق النقد الدولي، قد تصل احتياجات التمويل الأوكرانية إلى 54 مليار دولار حتى عام 2029، منها ما بين 30 و35 مليار دولار في عام 2027، و17 مليار دولار في 2028، ومليارا دولار في 2029.

وقال بوزدنياكوف إن الأرقام “مخيفة” وليست نهائية، مشيرا إلى أن تقديرات المانحين الأوروبيين تتحدث عن حاجة إلى نحو 69 مليار يورو في عام 2027 وحده، منها 40 مليار يورو للجيش و29 مليار يورو لضمان استمرار عمل مؤسسات الدولة.

وفي السياق ذاته، قال نائب مدير منظمة “مركز تطوير التشريعات” وعضو نادي الخبراء “ديغوريا” دميتري ماتيوشينكوف إن زيادة الإنفاق العسكري تعني بالنسبة إلى كييف ضرورة الاختيار بين زيادة التمويل الخارجي، أو خفض بنود أخرى في الموازنة، أو زيادة الإيرادات الداخلية.

وتتزامن الأزمة التمويلية مع تراجع الموارد الاقتصادية الداخلية لأوكرانيا، فقد خسرت البلاد، وفقا للمعطيات الواردة في التقرير، 90% من صادرات الحبوب بسبب إغلاق الموانئ، بينما توقفت إمدادات الحديد الخام وتضررت صناعة الصلب بصورة كبيرة.

كما ارتفع الدين الحكومي الأوكراني إلى 215.55 مليار دولار في مطلع سبتمبر، فيما وصل مستوى المديونية إلى نحو 105% من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل 48.9% في عام 2021.

في المقابل، لا يقتصر أثر الدعم الأوروبي على تمويل الموازنة الأوكرانية، إذ يوجه جزء كبير منه إلى المشتريات العسكرية من شركات الصناعات الدفاعية الأوروبية.

ومن أصل 90 مليار يورو أقرها الاتحاد الأوروبي، يخصص نحو 60 مليار يورو للمشتريات العسكرية وتطوير القدرات الدفاعية، مقابل 30 مليار يورو لدعم الموازنة.

وأوضح ماتيوشينكوف أن الإنفاق العسكري المخصص لأوكرانيا بلغ هذا العام 28.3 مليار يورو، مشيرا إلى أن المفوضية الأوروبية تتوقع تنفيذ معظم المشتريات لدى شركات دفاعية داخل الاتحاد الأوروبي.

ومن بين أبرز المستفيدين شركات “راينميتال” و”هينسولت” الألمانيتان، إضافة إلى شركة “كيه إن دي إس” الفرنسية الألمانية، كما يؤدي تسليم الأسلحة إلى كييف إلى دفع الدول الأوروبية لإعادة ملء مخزوناتها العسكرية وتحديثها.

ويرى بوزدنياكوف أن ذلك يجعل الدعم الأوروبي لأوكرانيا مرتبطا أيضا بالسياسة الصناعية والدفاعية للاتحاد، إذ تعود نسبة من الأموال إلى الاقتصاد الأوروبي عبر عقود شراء مضمونة لشركات الدفاع.

وبذلك، تتحول المساعدات الأوروبية إلى معادلة مزدوجة: تمويل أوكرانيا عسكريا وماليا من جهة، وربط استمرار هذا التمويل بتنفيذ إصلاحات وضمان الرقابة على الإنفاق من جهة أخرى، بينما تستفيد الصناعات الدفاعية الأوروبية من جانب كبير من الأموال المخصصة لدعم كييف.

 

تتركز أسباب تحفظ أو رفض بعض الدول الأوروبية أو المؤسسات المالية استمرار أو توسيع التمويل الموجه لأوكرانيا في عدة عوامل رئيسية:

- المخاوف القانونية والمالية من استخدام الأصول الروسية: رفض البنك المركزي الأوروبي دعم خطة لتقديم قرض ضخم بقيمة 140 مليار يورو معتمد على الأصول الروسية المجمدة، بسبب المخاوف من زعزعة استقرار اليورو والإضرار بالثقة في النظام المصرفي الأوروبي.

- الضغوط لاستدامة الموازنة وعدم القدرة على التحمل المالي المفتوح: حذر مسؤولون مثل رئيس وزراء بلجيكا بارت دي ويفر من أن الأموال المخصصة لأوكرانيا لن تكون كافية إلى أجل غير محدد، وسط مخاوف من استنزاف الموازنات طويلة الأجل للدول الأوروبية.

- الفجوة التمويلية الضخمة وضغوط تقاسم الأعباء: يواجه الاتحاد الأوروبي فجوة مالية هائلة تقدر بنحو 70 مليار يورو حتى عام 2027، وهو ما دفع بعض الدول للمطالبة بمشاركة أكبر من شركاء دوليين آخرين (مثل كندا والبريطانيا واليابان) بدل تحمل العبء بمفردهم. 

- الاعتبارات السياسية ومسارات السلام: تشير تقارير إلى وجود تباينات أو تحفظات مرتبطة بأن الاستمرار في توظيف بعض الأصول والتمويلات قد يؤثر على أي مفاوضات سلام مستقبلية محتملة مع روسيا.

 

 

إشكالية تمويل أوكرانيا وتأثيرها على وحدة القرار الأوروبي

أصبحت المليارات المجمدة خيارا متاحا  

صرحت كالاس في 31 مارس 2026 خلال زيارة إلى كييف: “” أود أن أذكركم بأن القرض الذي اتفقنا عليه في نهاية العام 2025، والذي نعمل عليه حاليا، كان في الواقع الخطة ب. أما الخطة أ فكانت استخدام الأصول المجمدة”. وأضافت: “كانت الخطة (أ) هي استخدام الأصول المجمدة. إذا لم تنجح الخطة (ب)، فعلينا العودة إلى الخطة (أ). ولكن يجب علينا بالتأكيد تزويد أوكرانيا بالموارد التي تحتاجها.

أيد وزير الخارجية الأوكراني أندريه سيبيها رسالة كالاس، قائلا إن الأصول المجمدة “لا تزال مطروحة” و”لا يمكن استبعادها من جدول الأعمال طالما لم تسدد روسيا جميع التعويضات”. قدمت المفوضية الأوروبية اقتراحا مبتكرا لتحويل أصول البنك المركزي الروسي الخاضعة للعقوبات، والتي تبلغ قيمتها 210 مليارات يورو، إلى خط ائتمان بدون فوائد. وكان الهدف من ذلك تغطية الاحتياجات المالية والعسكرية لأوكرانيا في عامي 2026 و2027.

أيدت ألمانيا وبولندا ودول الشمال ودول البلطيق هذا المخطط بقوة، ويعود ذلك جزئيا إلى أنه لن يثقل كاهل الميزانيات الأوروبية بشكل مباشر. ورأت أوكرانيا فيه التجسيد الأكثر واقعية حتى الآن لمطالبها بالمساءلة والتعويضات. عارضت بلجيكا، التي تمتلك غالبية أصول روسيا، هذا المقترح، محذرة من مخاطر قانونية وعواقب مالية، فضلا عن احتمال الإضرار بسمعة منطقة اليورو.

كما أعربت فرنسا وإيطاليا ومالطا وبلغاريا عن مخاوف بالغة. استمر الانقسام السياسي من سبتمبر إلى ديسمبر من العام 2025، وانتهى بالفشل في قمة حاسمة. وكبديل، وافق رؤساء دول وحكومات الاتحاد الأوروبي على منح أوكرانيا قرضا بقيمة 90 مليار يورو بناء على إصدار سندات مشتركة.

 

تنامي القلق في بروكسل

كان قرض الـ 90 مليار يورو على وشك الحصول على الموافقة النهائية في فبراير 2026 عندما استخدم أوربان حق النقض ضده فجأة، مما جعل الاستئناف الفوري لإمدادات النفط عبر خط أنابيب دروجبا الذي يعود إلى الحقبة السوفيتية شرطا غير قابل للتفاوض. قال أوربان: “لا نفط، لا مال”، أثار موقفه غضب الدول الأعضاء الأخرى.

ففي رأيهم، تكون بودابست بذلك قد نقضت اتفاقا كان رؤساء الدول والحكومات، بمن فيهم أوربان نفسه، قد توصلوا إليه بالفعل في ديسمبر 2026، وبالتالي انتهكت مبدأ التعاون القائم على الولاء. إن استغلال أوربان للمواجهة مع كييف في حملته لإعادة انتخابه في 12 أبريل 2026 قد زاد من حدة الغضب في بروكسل.

وتأخر أوربان بفارق كبير في استطلاعات الرأي. أملا في إيجاد حل قبل نفاد المساعدات الخارجية لكييف في مايو، عرضت المفوضية الأوروبية تنظيم تفتيش لخط أنابيب دروجبا وتمويل الإصلاحات اللازمة بأموال الاتحاد الأوروبي. إلا أن الخبراء ينتظرون منذ أكثر من أسبوعين فرصة زيارة الموقع.

 

أضرار “هائلة” لحقت بخط الأنابيب

صرح نائب رئيس الوزراء الأوكراني تاراس كاتشكا أن الأضرار الناجمة عن غارة جوية روسية بطائرة مسيرة كانت “غير معتادة” و”هائلة”. وأضاف أن إجراء معاينة لم يكن ممكنا بعد بسبب “إجراءات أمنية فنية”. قال كاتشكا: “المشكلة تكمن في أن روسيا دمرت جزءا كبيرا من بنيتنا التحتية للطاقة: خطوط أنابيب أخرى، ومرافق تخزين الغاز، ومرافق الإصلاح. لكننا نعطي الأولوية لخط أنابيب دروجبا بناء على طلب المجر، وبالتالي سيتم حل المشكلة”. على الرغم من أن الحصار استمر لفترة أطول مما توقعته بروكسل، إلا أن فكرة محاولة ثانية باستخدام الأصول المجمدة من غير المرجح أن تكتسب زخما كبيرا بسبب المخاطر العالية.

في بداية مارس 2026، استبعد رئيس الوزراء البلجيكي بارت دي ويفر، المعارض الرئيسي للخطة، هذا السيناريو. وقال دي ويفر للصحفيين: “علينا منح القرض. الأمر بهذه البساطة. لقد حسم الأمر سياسيا، لذا يجب تنفيذه”.

 

النتائج

تكشف الأزمة داخل الاتحاد الأوروبي عن تحولات أعمق في بنية القرار الأوروبي، حيث لم يعد الإجماع مضمونا في القضايا الاستراتيجية الكبرى، خاصة في ظل تصاعد النزعات السيادية لدى بعض الدول. إذا استمر استخدام حق النقض كأداة ضغط سياسي داخلي، فمن المرجح أن يتجه الاتحاد مستقبلا إلى البحث عن آليات بديلة لتجاوز الشلل المؤسسي، مثل توسيع نطاق التصويت بالأغلبية أو اللجوء إلى ترتيبات مالية خارج الإطار التقليدي.

في المدى القريب، سيبقى تمويل أوكرانيا أولوية قصوى، ليس فقط لدعمها عسكريا، بل للحفاظ على مصداقية الاتحاد كفاعل جيوسياسي. وفي حال تعثر القروض المشتركة، قد تعود فكرة استخدام الأصول الروسية المجمدة إلى الواجهة رغم تعقيداتها القانونية، خاصة إذا تزايدت الضغوط الأمريكية أو تدهورت الأوضاع الميدانية.

على المدى المتوسط، قد يؤدي تكرار مثل هذه الأزمات إلى إعادة رسم خريطة التحالفات داخل الاتحاد، حيث ستتقارب الدول الداعمة لأوكرانيا بشكل أكبر، في مقابل تزايد عزلة الدول التي تعرقل القرارات الجماعية. كما قد نشهد تسارعا في بناء أدوات مالية ودفاعية مستقلة عن التوافق الكامل، ما يعزز مفهوم “أوروبا بسرعات متعددة”.

أما على المدى البعيد، فإن الصراع الدائر سيختبر قدرة الاتحاد على التحول من مشروع اقتصادي إلى قوة سياسية وعسكرية متماسكة. فإذا نجح في تجاوز الانقسامات، فقد يخرج أكثر تكاملا وصلابة. أما إذا استمرت الانقسامات، فقد يواجه خطر التآكل التدريجي في نفوذه العالمي.

لا تتعلق الأزمة الحالية فقط بتمويل أوكرانيا، بل تمثل اختبارا حقيقيا لمستقبل الاتحاد الأوروبي ذاته: هل يظل كيانا توافقيا بطيئا، أم يتحول إلى قوة قادرة على الحسم في لحظات الأزمات.

تتنوع أسباب تحفظ أو رفض بعض الدول الأوروبية لآليات التمويل الموجهة لأوكرانيا بين المخاوف الاقتصادية الداخلية، النزاعات التاريخية والسياسية، وأعباء الموازنة المتزايدة.

على عكس مواقف دول مثل المجر في عهد اوربان,  التي عارضت التمويل بشكل مباشر لأسباب سياسية وأيديولوجية، فإن حالة بولندا تبدو مختلفة؛ فهي تعد من أبرز الداعمين لأمن أوكرانيا استراتيجياً، لكن مواقفها شهدت تحولات حذرة ومقيدة بملفات حساسة:

 

بولندا كنموذج: أسباب التوترات والتحفظات البولندية

- الخلافات التاريخية العميقة: عادت الملفات التاريخية لتلقي بظلالها على العلاقات؛ حيث تبدي وارسو غضباً شديداً من تكريم أوكرانيا لرموز وجماعات قومية (مثل جيش التمرد الأوكراني) ارتكبت مجازر بحق المدنيين البولنديين خلال الحرب العالمية الثانية. وحذر قادة بولنديون من أن استمرار كييف في هذا النهج يُصعّب على السياسيين الدفاع عن مواصلة دعمها.

- حماية الاقتصاد الداخلي والمزارعين: شكّل تدفق المنتجات الزراعية والحبوب الأوكرانية الرخيصة إلى الأسواق البولندية تهديداً مباشراً للمزارعين المحليين. هذا الملف دفع الحكومة البولندية إلى اتخاذ إجراءات حمائية صارمة لضمان استقرار اقتصادها الداخلي وعدم خسارة الكتل التصويتية الحيوية.

- الضغط السياسي عبر شروط الانضمام والتمويل: لوّحت بولندا باستخدام حق النقض (الفيتو) في مفاوضات انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي، وبدأت بربط مرونتها تجاه ملفات الدعم والاندماج بحل أوكرانيا للمسائل التاريخية والاقتصادية العالقة بين البلدين.

كان التمويل الأوروبي المستمر لحرب أوكرانيا أحد الدوافع البارزة وغير المباشرة لموجة الاحتجاجات الشعبية العارمة التي تشهدها عدة دول أوروبية مؤخراً. تسببت الكلفة المالية الباهظة لهذا الدعم في زيادة الضغوط على الموازنات المحلية واضطرار الحكومات لتبني سياسات تقشفية أثرت مباشرة على معيشة المواطنين.

 

الرابط المباشر بين تمويل الحرب والاحتجاجات يتمثل في العوامل التالية:

- تراجع القوة الشرائية وغلاء المعيشة: تسبب الصراع بفرض كلف طاقة باهظة وتضخم قياسي، في المقابل استمر الاتحاد الأوروبي بضخ مليارات اليوروهات كمساعدات عسكرية ومالية لكييف (تجاوزت 193 مليار يورو). أثار هذا التناقض غضباً شعبياً بسبب ما يراه المتظاهرون "أولويات مقلوبة".

- سياسات التقشف وخفض الإنفاق الاجتماعي: بررت حكومات أوروبية (مثل بلجيكا وفرنسا وألمانيا) عجز ميزانياتها وتراجع جودة الخدمات العامة (كالتعليم والصحة والجامعات) بزيادة "الإنفاق الدفاعي الطارئ"، مما دفع مئات الآلاف للنزول إلى الشوارع لرفض تحمل كلفة صراعات جيوسياسية.

- تزامن الدفعات المالية مع أزمات داخلية: انتقدت أحزاب المعارضة وقطاعات واسعة (مثل المزارعين والطلاب) توقيت إقرار قروض ومساعدات جديدة لأوكرانيا، معتبرين أن هذه الأموال كان أولى بها معالجة التدهور الاقتصادي الداخلي وضبط الأسعار.

 

 

أوروبا على صفيح ساخن.. كيف يؤجج التقشف وغلاء المعيشة الاحتجاجات؟  

لم تعد الاحتجاجات التي تجتاح شوارع فرنسا وإسبانيا والبرتغال وإيطاليا وألبانيا مجرد رد فعل على ارتفاع الأسعار أو أزمة إسكان محلية. فالمشهد الأوروبي الحالي يكشف عن أزمة أكثر عمقاً تتعلق بحدود النموذج الاقتصادي والاجتماعي الذي بنته القارة خلال العقود الماضية، والذي قام على توفير مستويات مرتفعة من الخدمات العامة والإنفاق الاجتماعي بالتوازي مع نمو اقتصادي مستدام.

اليوم، تجد الحكومات الأوروبية نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد: مواطنون يطالبون بمزيد من الإنفاق لتحسين مستوى المعيشة، مقابل قواعد مالية أوروبية جديدة تضغط نحو خفض العجز والديون العامة. وبين هذين الاتجاهين تتصاعد موجة غضب اجتماعي تعد الأكبر منذ سنوات.

شهدت فرنسا أكبر التحركات، حيث شارك أكثر من 800ألف شخص في تظاهرات ضد تدهور مستويات المعيشة والخدمات العامة، بينما تحولت بعض الاحتجاجات إلى أعمال شغب شملت إحراق مبانٍ عامة ونهب متاجر والاشتباك مع قوات الأمن. كما خرج متظاهرون في إيطاليا وإسبانيا والبرتغال وألبانيا لأسباب مختلفة ظاهرياً، تراوحت بين أزمة الإسكان وتكاليف المعيشة وضعف الخدمات التعليمية وارتفاع رسوم الجامعات.

ورغم اختلاف الشرارة الأولى في كل دولة، فإن القاسم المشترك يتمثل في تراجع القدرة الشرائية للأسر الأوروبية وصعود الشعور بأن الحكومات لم تعد قادرة على توفير مستوى الرفاه الذي اعتاد عليه المواطنون لعقود.

 

لماذا انفجرت الأزمة الآن؟

تاريخياً، نجحت الحكومات الأوروبية في امتصاص كثير من الصدمات الاقتصادية عبر برامج الدعم والإنفاق العام. إلا أن السنوات الست الأخيرة استنزفت جزءاً كبيراً من هذه القدرة.

فقد أنفقت الحكومات مليارات اليورو خلال جائحة كورونا، ثم اضطرت إلى تمويل برامج ضخمة لدعم الأسر والشركات بعد أزمة الطاقة الناجمة عن الحرب الروسية الأوكرانية. ثم انفقت مليارات اخرى لدعم اوكرانيا , وبعد ذلك جاءت الضغوط المرتبطة بارتفاع الإنفاق الدفاعي والتوترات الجيوسياسية الجديدة.

ونتيجة لتضخم النفقات الطارئة عام بعد عام، أصبحت الحكومات تتحمل مستويات مرتفعة من العجز والديون في وقت يتباطأ فيه النمو الاقتصادي. وتظهر بيانات "المعهد الوطني للإحصاء الفرنسي" (Insee) أن الاقتصاد الفرنسي سجل نمواً صفرياً خلال الربع الثاني من 2026، بينما بلغ معدل البطالة 8.3% وارتفعت بطالة الشباب إلى 21.6%. كما صعد التضخم السنوي إلى 3.1% في سبتمبر، وقفزت أسعار الطاقة بأكثر من 21%.

وتشير تقديرات نقلتها صحيفة "لوموند" عن "المعهد الفرنسي للاقتصاد" إلى أن تراجع القوة الشرائية منذ عام 2024 يعادل خسارة نحو 1200 يورو سنوياً لأسرة مكونة من شخصين وطفلين.

 

العامل الخارجي.. الحرب والطاقة والفائدة

يصعب فهم الاحتجاجات الأوروبية بمعزل عن البيئة الدولية.

فالحرب في أوكرانيا أحدثت صدمة طويلة الأمد في أسواق الطاقة الأوروبية، بينما أسهمت التوترات المرتبطة بإيران والشرق الأوسط في زيادة الضغوط على أسعار الوقود والديزل خلال 2026، بحسب محللين ومسؤولين نقلت عنهم وسائل إعلام اقتصادية.

كذلك أدى ارتفاع أسعار الفائدة خلال السنوات الماضية إلى زيادة كلفة خدمة الديون الحكومية، وهو ما حدّ من قدرة الحكومات على الاستمرار في الإنفاق السخي الذي اعتاد عليه المواطن الأوروبي.

 

من بروكسل إلى صناديق الاقتراع

هذا التحول المالي بدأ ينعكس على السياسة الداخلية في عدد من الدول الأوروبية. وتقول قوى سياسية معارضة لاستمرار الدعم إنّ الحكومات مطالبة بإعطاء الأولوية للإنفاق داخل حدودها، في ظل ارتفاع تكاليف السكن والغذاء والرعاية الصحية والتقاعد، وضغوط العجز والدين العام.

في فرنسا وألمانيا، دخلت المساعدات لأوكرانيا في السجال السياسي الداخلي، بينما تحاول قوى يمينية وقومية ربط الإنفاق الخارجي بأزمة المالية العامة والحاجة إلى توجيه مزيد من الموارد إلى المواطنين. وفي المقابل، تتمسك حكومات أوروبية بأن دعم أوكرانيا جزء من منظومة الأمن الأوروبي، وأن تكلفة الحرب لا يمكن فصلها عن تكلفة حماية القارة من مزاعم توسع التهديد الروسي.

ويضاف إلى ذلك عامل اقتصادي آخر، إذ إن جزءاً من الأموال المخصصة للمساعدات العسكرية ينتهي في شركات الصناعات الدفاعية الأوروبية، من خلال عقود شراء الأسلحة والذخائر والمعدات. ولذلك يقدم مؤيدو الدعم الإنفاق الدفاعي أيضاً باعتباره وسيلة لتوسيع القدرة الإنتاجية الأوروبية وتعزيز قطاع صناعي أصبح في صلب أولويات النادي الأوروبي.

 

الشمال الأوروبي... دعم قوي وسجال حول الكلفة

وتقدّم دول شمال أوروبا نموذجاً مختلفاً نسبياً. فالدنمارك والسويد وفنلندا والنرويج من بين أكثر الدول الأوروبية التزاماً بدعم أوكرانيا، ولا يظهر فيها حتى الآن تيار سياسي واسع يطالب بإنهاء المساعدات، على غرار ما يحدث في بعض دول أوروبا الأخرى. وتشير دراسة حديثة، صدرت في مايو/ أيار الماضي، عن معهد الشؤون الدولية السويدي إلى أن الرأي العام في دول الشمال والبلطيق لا يزال مؤيداً بقوة لأوكرانيا، رغم تصاعد النقاش حول الكلفة وتقاسم الأعباء.

كما تحتل الدنمارك والسويد وفنلندا والنرويج مواقع متقدمة في حجم الدعم مقارنة بالناتج المحلي. في الدنمارك، بلغ الدعم منذ بداية الحرب نحو 10.3 مليارات يورو عسكرياً، إضافة إلى نحو 1.1 مليار يورو مدنياً، وفق وزارة الخارجية. كما خصصت كوبنهاغن 60.4 مليار كرونة (نحو 8.1 مليارات يورو)، لصندوق أوكرانيا العسكري بين 2023 و2028.

أما السويد، فقد خصصت 40 مليار كرونة (نحو 3.5 مليارات يورو)، للدعم العسكري في كل من 2026 و2027، ضمن إطار يبلغ 80 مليار كرونة للعامين. ويصل إجمالي الدعم العسكري السويدي منذ الغزو الشامل إلى نحو 128 مليار كرونة (نحو 12 مليار يورو)، وفق الحكومة السويدية.

وفي النرويج، بلغ الإطار المالي لبرنامج "نانسن" 274.5 مليار كرونة (نحو 23.5 مليار يورو)، للفترة 2023-2030. وبينما خلص مكتب التدقيق الوطني إلى أن المساعدات تحقق أهدافها وتصل بسرعة، سجّل نقاط ضعف في إدارة الأموال والرقابة عليها، لتصبح الكفاءة والمساءلة جزءاً من النقاش إلى جانب حجم الإنفاق.

 

 

أموال الحرب تعود إلى أوروبا

ويتقاطع دعم أوكرانيا مع التحول في الإنفاق الدفاعي الأوروبي. فالقرض الأوروبي الجديد يشترط أساساً شراء المنتجات الدفاعية من شركات في الاتحاد أو أوكرانيا أو دول المنطقة الاقتصادية الأوروبية ورابطة التجارة الحرة الأوروبية، مع استثناءات محدودة للحالات العاجلة، ما يعني عودة جزء من الأموال إلى الاقتصاد الأوروبي عبر الطلب على الصناعات الدفاعية.

وفي الشمال الأوروبي، يتوسع التعاون الصناعي مع أوكرانيا في مجالات المسيّرات والدفاع الجوي والحرب الإلكترونية والذخائر، بالتوازي مع توجه الدول إلى تعزيز قدراتها الدفاعية.

ويتزامن ذلك مع نقاش أوسع حول الموازنة الأوروبية. فقد دعت ألمانيا والدنمارك وفنلندا وهولندا والنمسا إلى تقليص مقترح موازنة الاتحاد للفترة 2028-2034، البالغ نحو تريليوني يورو، في ظل ضغوط متزايدة على دافعي الضرائب لتمويل أولويات داخلية وخارجية متزامنة.

ختاما.. لا يبدو ان الانفجار الكبير الذي يحدث داخل الدول الاوربية مرشحا للانحسار، فطالما استمرت أوروبا يضخ الاموال الى اوكرانيا على حساب برامج التنمية وعلى حساب الرفاه الاقتصادي لشعوبها فان العديد من حكومات هذه الدول، ستسقط لا محالة امام الرفض الكبير لسياساتها، حيث ان هزيمة اوروبا المدوية عبر سياساتها الحالية ستكون من داخلها.

 

الباحثون عن العدالة، الحرية، وحقوق الإنسان.!          

 

 

 

 

 

  • عدد الزيارات 13023776
Please fill the required field.