الحرية والعدالة والديمقراطية سرعان ما غدت احتلالا وخطفا وانقلابا مع فوضى تعم منطقة الشرق العربي (مواقع التواصل)
الحلم الأمريكي: تاريخ نهاية صلاحية الإمبراطورية
افراسيانت - نور الدين قدور رافع - في 11 سبتمبر/أيلول 2001، قررت الولايات المتحدة الأمريكية غزو أفغانستان، مدعية أن الهجمات الإرهابية التي أسقطت برجي التجارة العالمية كان مصدرها الشرق، حيث تقبع جماعات جهادية كانت بالأمس القريب حليفة للإمبراطورية في مواجهة النفوذ السوفيتي. غير أن ذلك الغزو تلته تداعيات خطيرة لم تقتصر على أفغانستان فحسب، بل طالت العراق أيضا، حينما أعلنت واشنطن عملية إسقاط نظام صدام حسين عام 2003، ليبدأ مسار جديد في النظام العالمي، وترسم معالم سياسات استعمارية أكثر فتكا ودمارا.
ومع تورط الإمبراطورية في احتلال أفغانستان، وتبين زيف ادعاءاتها حول البرنامج النووي العراقي، انسحبت تاركة خلفها إرثا من المآسي والمعاناة، ومستعيدة خطابها الحضاري حول الديمقراطية والحرية وفق الحلم الأمريكي. إلا أن ما سمي بانتفاضات الربيع العربي وما تبعها من مواقف معادية له قادتها الإمبراطورية، وما نشهده اليوم من عودة التدخلات العسكرية، واختطافها للرئيس الفنزويلي، وحربها على إيران، ودعمها المستمر للإبادة في غزة، يطرح سؤالا حول ماهية الحلم الأمريكي، ذلك الذي ارتبط بالحرية والعدالة والديمقراطية، في حين يستهدف التنوع في الداخل الأمريكي.
فهل نشهد نهاية احتكار الحضارة، أم أن ما يحدث من توسع إمبراطوري هو حقا آخر مراحل عصر استعماري جعل الإنسان أداة لماكينة الاستغلال الاقتصادي؟
"رسخت الإمبراطورية الحلم الأمريكي كفكرة مهيمنة على الحضارة، ورهنته بمدى استجابة شعوب العالم للقيم الرأسمالية، تلك القيم التي تتطور وفق توجه عولمي"
______________
مشروع استعماري
لا تزال أحداث 11 سبتمبر/أيلول تمثل منعرجا فاصلا في تاريخ الإمبراطورية والعالم، حيث أعادت أمريكا إنتاج مشروع استعماري لا يختلف كثيرا عن المد الإمبريالي الكلاسيكي، إلا أنه حول قيم الحرية والعدالة والديمقراطية إلى أدوات للهيمنة والنفوذ. وبدل أن تتحرر الشعوب المنتفضة من أطراف الإمبراطورية وعملائها، يسارع الغرب إلى حفظ مصالحه، بدعمه المستمر للديكتاتورية الأبوية التاريخية.
إن مشروع الإمبراطورية ذا الطابع اللاهوتي، الذي سميناه في مقالاتنا السابقة بـ"الثيوليبرالية"، وتعني تأله السوق، في زمن تتعالى فيه خطابات صراع الحضارات، ومناهضة الهجرة غير النظامية، والإسلاموفوبيا، يمثل آخر مراحل احتكار الإمبراطورية للحضارة الإنسانية. إذ لا يتعلق الأمر بحتمية تاريخية توحي بأن اكتمال الشيء مآله الزوال، وأن الإمبراطوريات تفقد استمراريتها مع توسعها فحسب، بل إن تحييد القيم الإنسانية يفرض الشرط ذاته، ليجعل من المشروع الاستعماري تهديدا وجوديا للحضارة.
من الليبرالية، مرورا بالنيوليبرالية، ووصولا إلى نعشها "الثيوليبرالية"، ترتكز الإمبراطورية على سياسات الإلغاء والعنصرية، ضمن تدخلاتها الاستعمارية الأكثر فتكا ودمارا بالحضارة والإنسان، إذ تطوق السلام والاستقرار العالمي بدعمها اللانهائي للاحتلال الصهيوني، لتستمر معادلة "من ليس معنا فهو ضدنا"، وفق سياسات ترامبية تلخص تاريخ إمبراطورية قامت على التهجير والفصل العنصري.
وحتى مع القوة العسكرية التي تستخدمها الولايات المتحدة لقصف إيران، وحصار كوبا، واختطاف الرؤساء، فإن أكبر تهديد لها ينبع الآن من الداخل؛ حيث تتصاعد خطابات الكراهية والرفض والعنصرية في مجتمعها، لتشكل كابوسا ينبئ بأفول الحلم الأمريكي.
أفول الحلم الأمريكي
عندما يتعلق الأمر بالحرية والابتكار والتطور، فإن الحلم الأمريكي يحتل مكانة مميزة في مخيلة المهاجرين، إذ تمثل الإمبراطورية ملاذا آمنا يعتقده الكثيرون، يتيح لهم بناء حضورهم الحضاري. وهي مسألة معقدة نوعا ما، حينما تعاين المشاهد العنيفة في السياق الأمريكي، من استهداف ممنهج للسود والمهاجرين غير النظاميين والأقليات المسلمة. إذن، ما الذي يشكله الحلم الأمريكي ويعنيه؟
حينما نتحدث عن الحلم الأمريكي، فإننا نحيد التاريخ، ذاك الذي يعيد الماضي بذاكرته المحملة بالإبادة والاستعمار. فمع التاريخ تنطوي عملية صناعة المستقبل على مخاطر متشابكة، يصعب تجاوزها مع كل استحقاق حضاري وإنساني، إذ تتحكم الحتمية التاريخية في مصائر شعوب وإمبراطوريات. فحالما نستعيد التاريخ، تنتفخ الهويات المتأزمة وتتأجج الذاكرة المعطوبة، والولايات المتحدة بدت وكأنها نجت من مأزق التاريخ، حيث لا يمكن للذات أن تنفلت من رهاناته.
رسخت الإمبراطورية الحلم الأمريكي كفكرة مهيمنة على الحضارة، ورهنته بمدى استجابة شعوب العالم للقيم الرأسمالية، تلك القيم التي تتطور وفق توجه عولمي. فالحرية والعدالة والديمقراطية سرعان ما غدت احتلالا وخطفا وانقلابا، مع فوضى تعم منطقة الشرق العربي. حتى الأوروبيون لا يزالون يخضعون لسياسات الإمبراطورية وإملاءاتها، فالعالم يعيش حلما أمريكيا مصطنعا، تغيب فيه أدنى مقومات الانتماء الحضاري للآخر.
"من الصعب إدراك أن سقوط الإمبراطوريات مرهون بمدى استجابتها للشرط الكوني، فحين تعتنق الإمبراطورية فكرة احتكار القيم الحضارية، تبدأ في البحث عن طرق لتعزيز حضورها بوسائل أكثر عنفا ووحشية وتوسعا"
______________
سقوط الإمبراطورية لا الحضارة
من السذاجة التنبؤ بتاريخ سقوط الإمبراطوريات، فليس ثمة حاجة للبحث عن توقيت محدد لإعلان زوال أمة ما، كما حدث للاتحاد السوفيتي وغيره من الإمبراطوريات. فمؤشرات الاستمرارية تظهر أن الإمبراطوريات قد تتجاوز قرونا عدة، لكنها لا تستطيع الإفلات من شرط كوني يحدد مصيرها، ويرسم نهايتها المأساوية.
إن سقوط الإمبراطوريات متعلق بانحلال الأمم وتخليها عن القيم الإنسانية المشتركة، ذلك الشرط الذي بني عليه الارتباط الحضاري بين شعوب الأرض. فالتنوع والتمايز والاعتراف بالآخر ليست قيما عابرة، ولا حلما تصدره ماكينة الإنتاج والدعاية الغربية، بل شرط كوني تتأسس من خلاله العقود الاجتماعية، وتقوم الدول، وتدور به عجلة الاقتصاد، وتصاغ الحضارة في أبهى تجلياتها الإنسانية.
من الصعب إدراك أن سقوط الإمبراطوريات مرهون بمدى استجابتها للشرط الكوني، فحين تعتنق الإمبراطورية فكرة احتكار القيم الحضارية، تبدأ في البحث عن طرق لتعزيز حضورها بوسائل أكثر عنفا ووحشية وتوسعا. ويفرض ذلك النزوح الإمبراطوري نحو إلغاء الآخر واحتلاله وتهجيره قسرا، قيما مغايرة لفطرة التدافع والتواصل الإنساني، إذ لا يمكن للحضارة، أيا كانت معاييرها، أن تبقى جامدة أمام سيولة العنف والاستغلال اللذين يستحوذان على المجتمعات والأفراد حين يغير التاريخ مركز الإمبراطورية.
قد يختلف كثيرون مع هذا الطرح، لكن يجب أن نتفق أن الحتمية الكونية تقتضي البديل الفاعل عند السقوط. فالإشكالية المخيفة التي ينبغي التركيز عليها، إذ إنها تعتبر أهم من الانشغال بالتنبؤ بتهاوي الإمبراطورية، هي مدى استجابة الأمم الأخرى للشرط الحضاري، حيث تكون البدائل متاحة أمام هذا الانحراف الأمريكي المرعب. ولعل اهتمامنا بالنموذج الصيني أو الروسي هو مسألة تختزل الكثير من التحديات الاقتصادية والعسكرية، التي من شأنها أن ترسم خرائط العالم.
ليس الاستيقاظ من الحلم الأمريكي مستحيلا، فثمة شعوب كثيرة استفاقت في لحظة من تاريخها، فدعت إلى الحرية، وطالبت بالعدالة الاقتصادية، وتبنت خطابات التنوع. لكن المخيف أننا نفتقد تحقيق الشرط الكوني، فنحن في لحظة الاستحقاق الحضاري عدنا إلى التاريخ، وتناسينا مستقبلا واعدا، وحلما بالاستقلال.
بالنسبة للذين ينتظرون أن تسقط الإمبراطوريات وتتفكك من الداخل، حري بهم أن يدركوا أن الكون لم يخلق فارغا، فحين تتداعى أمة ما نحو السقوط، يكون في الجانب الآخر، أو من صلبها، أمة تنبعث من جديد، بنسق حضاري مختلف، فهل حقا نعي ذلك؟
______________
نور الدين قدور رافع - كاتب جزائري؛ مؤلف رواية قدّيس الأهالي، ورواية نقضت غزلها.
