إتجاهات

ثورة ماكرون الفاشلة: عجز الطبقة الحاكمة عن حل مشكلات فرنسا وانهيار العقد الاجتماعي

ثورة ماكرون الفاشلة: عجز الطبقة الحاكمة عن حل مشكلات فرنسا وانهيار العقد الاجتماعي

لماذا يتظاهر الفرنسيون ؟


افراسيانت - نشرت صحيفة “الغارديان” افتتاحية قالت فيها إن احتجاجات الطلاب في فرنسا أحدثت حالة من الاستقطاب في مرحلة سياسية خطيرة. وذكّرت الصحيفة بما كتبه الرئيس إيمانويل ماكرون في كتابه “الثورة”، الذي نشره عام 2017، قبل فوزه في الانتخابات الرئاسية، إذ وعد بإعادة الأمل إلى بلد كان يفقد ثقته بمستقبله.


ومع اقتراب نهاية ولايته الثانية، تشهد فرنسا أجواء أشبه بالتمرد، تنتشر فيها المباني العامة المحترقة والمتاجر المنهوبة، في مشهد يكشف، بحسب الصحيفة، فشل مشروع ماكرون السياسي. فقد طغت أسوأ مشاهد العنف في المدن منذ سنوات على احتجاجات نهاية الأسبوع، التي قوضت بصورة خطيرة ما تبقى من سلطة الرئيس الفرنسي.


ومع فقدان الشرطة السيطرة على الشوارع، تعرض أكثر من ألفي متجر للنهب. واستهدفت جماعات من اليسار المتطرف مباني البلديات والمنشآت المحلية، ودخلت في اشتباكات عنيفة مع الشرطة، التي لم يؤدِّ ردها العنيف على احتجاجات طلاب المدارس الثانوية الأسبوع الماضي إلا إلى تصعيد التوترات.


وأشارت الصحيفة إلى إدانة ماكرون أعمال العنف، وكيف تستغل زعيمة اليمين المتطرف، مارين لوبان، حالة الاستياء الشعبي لتقديم نفسها بوصفها صاحبة الحل القائم على فرض القانون والنظام. ومع ذلك، ترى الصحيفة أن التصرفات الصادمة لأقلية لا ينبغي أن تحجب أهمية المظاهرات السلمية الحاشدة التي عمت فرنسا. فقد أسفرت الدعوات إلى توحيد احتجاجات الطلاب وحركة السترات الصفراء، التي عرقلت ولاية ماكرون الأولى بسبب قضايا غلاء المعيشة، عن حشد ما يصل إلى 800 ألف شخص.


وترى الصحيفة أن السبب الأساسي للاضطرابات يكمن في الشعور الواسع بأن العقد الاجتماعي في فرنسا قد انهار. فالشباب يشعرون بخيبة أمل إزاء نظام تعليمي يعاني نقص التمويل وعدم المساواة، ويخشون التأثيرات المستقبلية للذكاء الاصطناعي وأزمة المناخ. وكما هي الحال في معظم أنحاء أوروبا، فقدوا الثقة بقدرة السياسيين التقليديين على إيجاد الحلول. وأظهر حجم احتجاجات نهاية الأسبوع امتزاج استياء جيل الألفية باستياء سكان المدن والضواحي المهمشة، التي عانت صدمات اقتصادية متكررة منذ جائحة كوفيد-19.


وكان رد فعل ماكرون، الذي وصفته الصحيفة بالغباء والعناد، هو التمسك بخطة خفض الإنفاق لتقليص الدين العام الفرنسي، في محاولة لاسترضاء الأسواق المالية. لكن في وقت يواصل فيه أصحاب الثروات تحقيق المكاسب والازدهار، لن يكون الادعاء بأنه لا بديل عن خفض الإنفاق على المدارس والرعاية الصحية مقنعًا. وقد أشار الخبير الاقتصادي توماس بيكيتي، خلال احتجاجات الطلاب الأسبوع الماضي، إلى أن نمو الثروة الخاصة يعني أنه، رغم حجم الدين العام، “لم تكن فرنسا أغنى مما هي عليه الآن”.


وأدى قرار ماكرون المتهور بالدعوة إلى انتخابات مبكرة عام 2024، والذي كلفه أغلبيته، إلى تراجع مكانته السياسية. لكن الخطأ الأكبر الذي ارتكبه لاحقًا، بحسب الصحيفة، كان إصراره المتعجرف على سياسات التقشف الاقتصادي، رغم الأدلة الواضحة على تفاقم الاستقطاب السياسي وتصاعد الغضب الشعبي. ومع مرور كل أسبوع، تبدو التداعيات الاجتماعية أكثر خطورة، في وقت تقترب فيه الانتخابات الرئاسية المقررة بعد ستة أشهر. وتشير أحدث استطلاعات الرأي إلى اتساع الفارق الذي يحققه اليمين المتطرف قبل تلك الانتخابات.


وفي غضون ذلك، يواصل زعيم اليسار المتشدد، جان لوك ميلانشون، التقدم على منافسيه التقدميين، رغم أن الأرقام تشير إلى أنه سيخسر بفارق كبير أمام لوبان في جولة الإعادة. وفي أجواء تتزايد توترًا، تتجه فرنسا نحو مواجهة حاسمة في أيار/مايو. ومما يثير القلق أن الاضطرابات المدنية التي شهدتها نهاية الأسبوع قد لا تكون سوى نذير لما هو آتٍ.


وفي السياق نفسه، قالت صحيفة “نيويورك تايمز” إن ماكرون قد يحصل في نهاية المطاف على “ثورته”، ولكن ليس الثورة التي أرادها، مضيفة أن لوبان تبدو على أعتاب الفوز بالرئاسة الفرنسية للمرة الأولى. وأشارت الصحيفة إلى أن فشل الحكومة في توقع ثورة الطلاب كان موضع انتقادات من مختلف الأطياف السياسية.


"أدى قرار ماكرون المتهور بالدعوة إلى انتخابات مبكرة عام 2024، والذي كلفه أغلبيته، إلى تراجع مكانته السياسية. لكن الخطأ الأكبر الذي ارتكبه لاحقًا، بحسب الصحيفة، كان إصراره المتعجرف على سياسات التقشف الاقتصادي، رغم الأدلة الواضحة على تفاقم الاستقطاب السياسي وتصاعد الغضب الشعبي"

________________


وحتى قبل اندلاع أعمال العنف، كانت نسبة تأييد ماكرون متدنية للغاية، إذ بلغت 15% فقط. ولا يبدو أن شعبيته ستتراجع أكثر من ذلك. وأضافت الصحيفة أن الوضع الحالي يختلف عما كان عليه عام 2017، عندما تولى ماكرون منصبه في سن التاسعة والثلاثين، وكان شابًا واثقًا بنفسه، يعد بإصلاحات اقتصادية شاملة لإنقاذ فرنسا من الركود الاقتصادي وصعود اليمين المتطرف، وربما، قبل كل شيء، من الشعور السائد بأن فرنسا لم تعد مجتمعًا متماسكًا.


ووعد ماكرون بتوحيد بلد شديد الانقسام، وضمان ألا يكون لدى الناخبين الفرنسيين “أي سبب للتصويت للتطرف مجددًا”.


وخاض الانتخابات ببرنامج مؤيد لاقتصاد السوق الحرة، يقوم على تسهيل استثمارات الشركات في فرنسا وخفض تكلفتها، بما يخلق فرص عمل ويحقق نموًا اقتصاديًا. وهكذا، وفقًا لماكرون، يمكن استعادة أصوات ناخبي اليمين المتطرف.


لكن ماكرون خفّض، على مدى السنوات التسع الماضية، ضرائب الشركات والرواتب، وألغى ضريبة الثروة. ومع ذلك، لم تسهم هذه الإجراءات في تعزيز النمو الاقتصادي بصورة ملموسة، ولم تحدّ من تفاقم الدين الفرنسي. ويُنظر الآن على نطاق واسع إلى مستوى الدين، الذي لم يكن منخفضًا أصلًا، باعتباره غير مستدام. وقد ينفق دافعو الضرائب الفرنسيون العام المقبل على فوائد الدين العام أكثر مما ينفقونه على الدفاع والتعليم. ويسود الآن شعور واسع بوجود أزمة بنيوية وظلم اجتماعي.


ومع أن كثيرًا من هذه المشكلات كان قائمًا قبل عهد ماكرون، فقد تفاقم بفعل أحداث خارجة عن سيطرته، مثل جائحة كورونا. وفي ظل هذه الظروف، تحولت احتجاجات نهاية الأسبوع إلى أسوأ أعمال شغب تشهدها البلاد منذ سنوات.


وأظهرت الاحتجاجات الواسعة التي نظمها الطلاب وأعضاء النقابات أن ما يقرب من عشر سنوات من حكم ماكرون لم تنجح في حل مشكلات فرنسا. وقد يدفع العنف وأعمال النهب التي أعقبتها بعض الناخبين إلى التصويت لمصلحة لوبان، التي تعهد ماكرون بمنعها من الوصول إلى الرئاسة. وهذا يعني أن إرثه قد يختلف عما تصوره، وأن مصيره السياسي، مثل مصير باراك أوباما، سيتشكل وفق هوية من سيخلفه في قصر الإليزيه.


وعلقت صحيفة “فايننشال تايمز” على احتجاجات فرنسا، معتبرة أنها تعبير عن فشل الطبقة السياسية بأكملها. وأضافت أنه حتى بالنسبة إلى بلد لطالما ألهمته الاحتجاجات الجماهيرية، كانت أعمال الشغب والنهب العنيفة التي اجتاحت فرنسا خلال عطلة نهاية الأسبوع صادمة.


وقالت الصحيفة إن تراجع سلطة ماكرون، الذي كان واضحًا أصلًا، بات يتجلى الآن في أنقاض مبنى بلدية ليموج العائد إلى القرن التاسع عشر، بعدما أضرمت حشود غاضبة النار فيه. ورغم تحميل الصحيفة، شأنها شأن الحكومة، المتطرفين من أقصى اليسار والعناصر الإجرامية مسؤولية إثارة الفوضى التي أعقبت يومًا من الاحتجاجات السلمية في معظمها، على خلفية تدهور مستويات المعيشة وتراجع الخدمات العامة ومجموعة من المظالم الأخرى، فإنها رأت أن الحكومة تتحمل أيضًا جزءًا كبيرًا من المسؤولية، بسبب إخفاقات الشرطة وأجهزة الاستخبارات. كما أثارت نهجها في التعامل مع الاضطرابات العامة تساؤلات.


وفي يوم الاثنين، رفض ماكرون قبول استقالة وزير الداخلية لوران نونيز، وهو مسؤول رفيع سابق في شرطة باريس، مشيرة إلى أن وزراء استقالوا في السابق لأسباب أقل خطورة.


وترى “فايننشال تايمز” أن موجة العنف العارمة في الشوارع تقدم صورة عن حكومة فقدت السيطرة. فهي تقوض ثقة الجمهور بسلطات الدولة، وتزعزع ثقة قطاع الأعمال، وتشوه سمعة فرنسا الدولية، بما قد يترتب على ذلك من عواقب وخيمة على قطاع السياحة الحيوي.


ورغم أن الرئيس ورئيس وزرائه لا يملكان الكثير من الوقت للتحرك قبل انتخابات الربيع المقبل، فإن عليهما، على الأقل، الحفاظ على أمن البلاد. ومن أسباب صعوبة الحكومة في احتواء احتجاجات طلاب المدارس الثانوية، التي تهدد الآن بالاتساع، افتقارها إلى الموارد المالية اللازمة لمعالجة المظالم الاجتماعية، وهي إحدى الوسائل التقليدية لاحتواء مثل هذه الاحتجاجات.


فقد ضخ ماكرون نحو 11 مليار يورو على شكل مساعدات لتهدئة احتجاجات السترات الصفراء خلال الفترة 2018-2019. أما هذه المرة، فتبدو الخزينة فارغة تمامًا. وعليه، فإن أي محاولة للخروج من الأزمة عبر زيادة الإنفاق قد تؤدي إلى انتكاسة تتمثل في تجدد عمليات بيع السندات وارتفاع تكاليف الاقتراض.


ومع تبقي ستة أشهر على الانتخابات الرئاسية، عززت الاحتجاجات والاشتباكات العنيفة التي شهدتها الأسابيع الأخيرة قوة التطرف السياسي في فرنسا، في حين أضعفت التيار الوسطي. وبالنسبة إلى لوبان، فإن شعور الحكومة بفقدان السيطرة يمثل مكسبًا ثمينًا. وقد ألقى حزبها باللوم على الهجرة في أعمال العنف، كاشفًا، بحسب الصحيفة، عن أسوأ نزعاته.


وفي المقابل، شجع زعيم اليسار المتطرف، جان لوك ميلانشون، الاحتجاجات واستغلها لتعزيز شعبيته بوصفه مرشحًا مناهضًا للنظام، رغم أن أعمال الشغب التي وقعت في نهاية الأسبوع قد تؤثر سلبًا في صعوده الأخير في استطلاعات الرأي. أما إدوارد فيليب، زعيم التيار الوسطي، فيعاني تبعات ارتباطه بحكومة ضعيفة، ويكافح لتحديد مسار جديد مقنع.


وفي الواقع، كشفت المظالم المتفشية والأجواء المتوترة عن عمق المشكلات الاجتماعية في فرنسا. وللأسف، يبدو أن أياً من المرشحين لا يعرف كيف يعالجها فعليًا. 


لماذا يتظاهر الفرنسيون؟ 

 

حريق في مبنى إداري بليموج في فرنسا (الفرنسية)


يكتب د. مدى الفاتح : إذا قُدّر لك أن تستمتع بالحدود المفتوحة، وأن تجرب أن تصل إلى العاصمة الفرنسية باريس بواسطة الحافلة السفرية من أي بلد أوروبي آخر فسوف تتفاجأ بالمكان البائس، الذي يفترض أنه موقف الحافلات الدولية. هو موقف فعلا، لكن بلا موظفين ولا كثير خدمات، وإذا احتجت أن تبحث عن دورة مياه مثلا بعد رحلة طويلة فسوف تكتشف أنها في الغالب غير موجودة أو متعطلة. هذا سوف يفسّر لك سر الرائحة الكريهة، التي ستكون في استقبالك عند خطواتك الأولى.


هذه الرائحة سوف ترافقك وأنت تتخذ طريقك إلى المترو. محطات المترو، التي تتحول في آخر النهار لمأوى للمشردين، هي في أغلبها قديمة، خاصة تلك التي تقع في قلب العاصمة، والتي لا يتوفر فيها حتى سلم كهربائي بسيط لتسهيل الحركة، ما يجعل الوصول إلى أحياء الوسط، خاصة إذا كنت تحمل حقائب ثقيلة، أمرا صعبا ومعقدا.النفايات ومشاهد الناس الذين يجوبون الشوارع بلا مأوى وتردي البيئة بشكل عام كلها تدل على قلة الإنفاق الحكومي، الذي يظهر في أكثر من مرفق وينعكس على أكثر من جانب، ما يجعلك تستوعب لماذا تتأخر المعاملات وتأخذ وقتا أطول من اللازم، أو لماذا لا تستطيع فرنسا أن تقوم بواجبات بسيطة كالالتزام بإيواء اللاجئين، الذين تستقبلهم.


أردت أن أبدأ بهذه البداية حتى أضع القارئ ضمن الصورة، لأن كثيرين يتعاملون مع التظاهرات الفرنسية وكأنها فوضى بلا سبب، أو يرون، وهم الذين تأتي على بالهم صورة الإعلانات والدعاية السياحية، أن بلد الحرية وبرج إيفل وشارع الشانزليزيه ليس فيها ما يدفع لولادة حالة غضب، وأن على الفرنسيين المدللين أن يحمدوا ربهم على النعمة وأن يشكروه.


"الخطورة أن هذا النوع من الغضب الشعبي لا تستطيع احتواءه اللعبة الديمقراطية، بل هو غضب بالدرجة الأولى على هذه اللعبة، التي لا تملك سوى أن ترفدك بأسماء جديدة لكن من النادي القديم نفسه"

________________


في الحقيقة فإن هذا هو ما كان يحدث فعلا خلال السنوات الماضية. أغلب الناس كان يفضل الصبر معلقا الفشل على عاتق الحكومة أو الرئيس. لكن الذي حدث هو أنه في الآونة الأخيرة بات الصبر أصعب. لم يعد الأمر يقتصر على قلة الإنفاق الحكومي أو على تزايد الأسعار وثبات الأجور، بل بات يضغط بشكل لا يحتمل على حياة المواطنين البسطاء، الذين يمثلون غالبية الشعب الفرنسي من الذين لم يعد طموحهم هو شراء منزل أو التوفير من أجل قضاء إجازة فاخرة، بل مجرد العيش بشكل كريم.


بسبب هذا فإن الشعب كان يلجأ للتظاهر بين فترة وأخرى من أجل إيصال رسالة للحكومة وللسياسيين بأن هناك ما يستحق المعالجة وأن الوضع بات لا يطاق. تجاهل الرئيس والحكومة لهذه الأصوات ومحاولة شغل الناس بقضايا جانبية كالهجرة والحجاب هو ما دفع لأن تتخذ التظاهرات الطابع القوي، الذي ظهرت به يوم السبت السابع عشر من أكتوبر/ تشرين الأول، الذي ظهر كعلامة فارقة من علامات الرفض الشعبي للواقع السياسي والاجتماعي.

أراد المنظمون بهذا التحشيد أن تكون رسالتهم أعلى من أن تنسى، أو أن يتم تجاهلها وأن تقود التظاهرة، التي لم تقتصر فقط على باريس، بل عمت كل أنحاء فرنسا، إلى أن يفكر صناع القرار بشكل جاد في إيجاد حل. توقيت التظاهرات أيضا ذو دلالة، حيث لا يفصلنا عن الانتخابات سوى بضعة أشهر، وقد يتبادر إلى الذهن أنه مهما كان مستوى انعدام الرضا عن السياسات الماثلة، فإن في الانتخابات فرصة لتغيير كل النخبة السياسية. 

إظهار الغضب في هذا الوقت كان يحمل رسالة قوية مفادها، أن الضيق يتجاوز الرئيس والحكومة الحاليين للنظام نفسه. مئات الآلاف، الذين احتلوا الشوارع وعبثوا بمباني وأيقونات رمزية، أرادوا القول إن مشكلتهم أكبر من مجرد تغيير لأسماء حكومية. الخطورة هي أن هذا النوع من الغضب لا تستطيع احتواءه اللعبة الديمقراطية، بل هو غضب بالدرجة الأولى على هذه اللعبة، التي لا تملك سوى أن ترفدك بأسماء جديدة لكن من النادي القديم نفسه. قادة التظاهرات كانوا طلاب الثانوية، الذين أثر التقشف وانعدام الدعم على مدارسهم، فصارت بلا تدفئة في برد الشتاء وبلا تبريد في حر الصيف، كما صارت تفتقر للعدد الكافي من المدرسين.

مع انتصاف اليوم بدأ هذا الاحتجاج الغاضب بضم الجميع بدءا من أولياء أمور أولئك الطلاب ومرورا بنقابات العمال والموظفين والأحزاب اليسارية. حالة الغضب العارمة هذه ساهمت أيضا في إحياء ما يعرف بأصحاب «السترات الصفراء»، الجماعة الاحتجاجية، التي كانت قد سبقت إلى إنهاك النظام بواسطة التظاهرات والإضرابات الشاملة.


مشاهد الأحداث، التي نقلتها القنوات والمواقع الإخبارية، كان فيها عنف كثير، كما كانت توضح أن كثيرا من الغاضبين قد لجؤوا بالفعل للعنف وللتخريب، الذي وصل حد تكسير محلات كبيرة وتخريب مبانٍ تاريخية وأقسام شرطة. حزب «فرنسا الأبية» اليساري الداعم للمظاهرات يقول في هذا الصدد، إنه يدين العنف، لكنه يعتبر أن الصورة اكتفت بنقل سلوك المتظاهرين المرفوض، ولكنها لم تنقل لنا الجانب الآخر المتمثل في توحش الشرطة، التي بالغت هي أيضا في استخدام العنف والقوة لدرجة أن متظاهرا فقد عينه بسببها. يقول جان لوك ميلانشون، أحد أهم وجوه الحزب، أن المظاهرات كانت تمضي بهدوء وسلام في كل مكان لا تتدخل الشرطة فيه.


يدعم كثير من شهود العيان هذه الرؤية، حيث يقولون في إفاداتهم، التي نقلتها وسائل الإعلام، إنهم لاحظوا أن استخدام القوة المفرطة والغاز المسيل للدموع، بدأ قبل أن يكتمل تجمع المتظاهرين في باريس، وقبل أن يتجهوا لممارسة أي عنف، وكأن الغرض كان إخافتهم وثنيهم عن متابعة ما كانوا ينوون فعله، لكن الذي حدث كان العكس، حيث أدى ذلك لزيادة حماسهم ولاقتناعهم بضرورة استكمال مسيرتهم.


حينما تتابع القراءات المختلفة للمشهد تكتشف أننا لسنا إزاء فرنسا واحدة، بل «فرنساوات» متعددة. من جهة لدينا فرنسا الطبقة الاقتصادية والسياسية، التي لا تتضرر كثيرا من ارتفاع الأسعار، ولا تشعر بفوارق غلاء الوقود، لكنها تتضرر من مثل هذه الاضطرابات وما يصاحبها من إغلاق وتوتر أمني. هذه الطبقة تضغط من أجل أن تكون الشرطة والأجهزة الأمنية أكثر حسما في قمع المتظاهرين، وألا تسمح بمزيد من الفوضى أو تعطيل الحياة العامة. أما من الجهة الأخرى فثمة عامة الفرنسيين، الذين وصل ببعضهم الأمر درجة أنهم فقدوا الأمل في مستقبل أفضل، ولم يعودوا يشعرون حتى بالانتماء للمكان. أولئك باتوا اليوم يتقدمون نحو خيارات صفرية، وكأنهم يقولون إنه لم يعد لديهم ما يخسرونه.


من الناحية السياسية يحاول الفرقاء، الذين يتطلعون للقفز على السلطة ويقدمون أنفسهم كبديل للنظام الحالي، الذي أثبت فشله، لاستغلال الأحداث في التقرب إلى الجماهير. هكذا، وبينما يقدم اليسار المتطرف نفسه كجزء من عملية الرفض والتظاهر، وكمنحاز لرغبات ومصالح الشعب، يقوم اليمين المتطرف باستخدام حيلة أخرى يقول عبرها، إن الأحداث أثبتت أنه كان على حق، وأن اليسار ومن يدعمهم من المهاجرين واللاجئين والغرباء، الذين كانوا وقود هذه التظاهرات، هم سبب الأزمة. هذا هو رأي اليمين الفرنسي، الذي حاول التأكيد عليه من خلال إبراز صور المشاركين من أصول عربية أو افريقية، وهو أيضا رأي اليمين العالمي، كما ظهر في منشور لدونالد ترامب أوصى فيه فرنسا بإغلاق حدودها.


احتجاجات أوروبا: أزمة الثقة بين الشعوب والسلطة 

 


اما د. حسين مجدوبي فيكتب ايضا : تعيش الدول الأوروبية، خاصة فرنسا، احتجاجات اجتماعية ضد السياسات التي تنتهجها الطبقة الحاكمة، من رئاسة الدولة إلى المجالس البلدية. وتمتد هذه الاحتجاجات إلى دول أخرى، منها بلجيكا وإيطاليا، فيما قد تنتقل شرارتها إلى بريطانيا وألمانيا. وتبدو هذه الاحتجاجات، وفق المنطق التاريخي، مؤشرا على انتفاضة سياسية كبرى ترمي إلى إعادة مؤسسات الدولة إلى مسارها الصحيح، بعدما أصبحت غالبية هذه المؤسسات تحت رحمة الشركات العابرة للحدود.


بدأت الاحتجاجات في منتصف سبتمبر الماضي في فرنسا، بمشاركة تلاميذ المدارس الثانوية، احتجاجا على سوء أوضاع التعليم العام، بما في ذلك نقص المعلمين واكتظاظ الفصول الدراسية وتهالك المدارس، فضلا عن طول ساعات الدراسة. كما شملت الاحتجاجات الشكاوى من نظام «باركورسوب» وهو نظام القبول الجامعي الذي يعتبره المحتجون غير شفاف.


"برزت نخب متخصصة في العمل السياسي، تحترف شغل المناصب في الوزارات وإدارات المعاهد والمؤسسات العمومية، وتتخذ قرارات لا تصب بالضرورة في مصلحة الشعوب، بينما هي تعيش حياة الترف"

________________


غير أن الاحتجاجات التي اقتصرت في البداية على التلاميذ سرعان ما امتدت إلى نطاق أوسع، مستفيدة من الاستياء الاجتماعي الذي شكّل تربة خصبة لتوسعها. ومن أبرز أسباب هذا الاستياء تراجع القدرة الشرائية، وانخفاض الأجور، وارتفاع أسعار السكن والطاقة، وتدهور الخدمات العامة، ورفض سياسات التقشف. كما انضمت إلى هذه الموجة النقابات العمالية والعمال والمزارعون، إلى جانب قطاعات مرتبطة بحركة «السترات الصفراء»، التي ظهرت في هذا البلد الأوروبي سنة 2018.

وانتقلت شرارة الاحتجاجات من فرنسا إلى إيطاليا، التي من المقرر أن تشهد إضرابا عاما يوم 20 من الشهر المقبل. أما في بلجيكا، فتمثلت الدوافع الرئيسية في تقليص ميزانيات التعليم والصحة والإعانات الاجتماعية، وارتفاع الرسوم الجامعية، وبدورها، تشهد إسبانيا اعتصامات في قلب العاصمة مدريد، تطالب بتوفير السكن اللائق ومحاربة الاحتكار العقاري، وستشهد إضرابا عاما يوم 11 نوفمبر المقبل.


عموما، يتوقع أن تمتد الاحتجاجات إلى معظم الدول الأوروبية، لتعيش هذه الدول ربيعا سياسيا واجتماعيا جديدا. وهنا يجب استحضار مضمون الكتاب المهم لإيمانويل تود «هزيمة الغرب» الذي تكهن باحتجاجات كبيرة سيشهدها الغرب. ونضع جانبا النظريات وافتتاحيات الصحف، وتحليلات بعض الخبراء المرتبطين بالمؤسسة السياسية والاقتصادية النافذة في كل دولة، والتصريحات السياسية الظرفية بما فيها خطاب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، لنركز، في المقابل، على ما تحمله شبكات التواصل الاجتماعي، بهدف فهم أعمق لخطابات المحتجين وهواجسهم، ولا سيما أولئك الذين يحتجون خارج الأطر المؤسسية، مثل الأحزاب والنقابات.

وتعد شبكات التواصل الاجتماعي أداة للتعبير عن أفكار المحتجين، فضلا عن دورها في تنظيم الاحتجاجات في مختلف أنحاء أوروبا. ويمكن إجمال أبرز القواسم المشتركة بين المحتجين في أوروبا، وهي قواسم تؤكد أن الأزمة ليست ظرفية ولا عابرة، فيما يلي:


*اتساع الهوة بين الطبقة السياسية والشعوب: ثمة شرخ عميق يكاد يصل إلى حد القطيعة بين الطبقة السياسية، التي تتناوب على رئاسة الحكومات والشعوب التي يفترض أن تمثلها. فقد برزت نخب متخصصة في العمل السياسي، تحترف شغل المناصب في الوزارات وإدارات المعاهد والمؤسسات العمومية، وتتخذ قرارات لا تصب بالضرورة في مصلحة الشعوب، بينما هي تعيش حياة الترف. ومن نتائج هذا الشرخ تزايد نفوذ اليمين القومي المتطرف واليسار الراديكالي. واطلعت على تدوينة لشابة فرنسية تبرز المفارقة وتقول: كل قنوات التلفزيون تعرض علينا برامج خاصة بالطبخ، إنه طبخ خاص بمن هم في السلطات والأغنياء في حين نحن نعاني أمام أسعار المواد الغذائية في المتاجر».


*هيمنة الشركات العابرة للقارات على القرار السياسي والاقتصادي: في ارتباط بهذا الشرخ، تعرب قطاعات واسعة من الشعوب الأوروبية، خاصة فئة الشباب، عن رفضها لما تعتبره هيمنة الشركات العابرة للقارات على صناعة القرار السياسي والاقتصادي. ويرى المحتجون أن هذه الشركات باتت تمارس نفوذا مباشرا ومعلنا في الانتخابات التشريعية والرئاسية، بعدما كان مخفيا، وفي المقابل تستفيد فيه من امتيازات كبيرة، من بينها الإعفاءات الضريبية أو تخفيض الضرائب.


*رفض الانخراط في الحرب الروسية الأوكرانية: ترفض قطاعات من الشعوب الأوروبية الانخراط في الحرب بين روسيا وأوكرانيا، من خلال دعم الأخيرة، وترى أن الرواية الرسمية بشأن التوسع الروسي لا تتمتع بمصداقية كافية. كما يرى كثيرون، خاصة الشباب، أن الإنفاق على التسلح يجري على حساب القطاعات الاجتماعية الأساسية، مثل التعليم والصحة والتشغيل. ويرى خبراء الإعلام أن تأثير موسكو يبدو هنا جليا عبر شبكات التواصل الاجتماعي.


*تراجع الثقة في المستقبل الأوروبي: يسود شعور لدى قطاعات من الشعوب الأوروبية، خاصة فئة الشباب، بأن المستقبل لم يعد يحمل لهم آفاقا واعدة داخل القارة. فهم يرون أن القيادات السياسية، بمختلف توجهاتها، عاجزة عن بلورة مشاريع طموحة للمستقبل. كما يعتقدون أن فساد هذه الطبقة السياسية وإخفاقاتها أسهما في تراجع قدرة أوروبا على المنافسة مع القوتين الاقتصاديتين الكبيرتين، الصين والولايات المتحدة. وهنا ترتفع الأصوات ضد الاتحاد الأوروبي، حيث يعتبره الكثيرون مؤسسة بيروقراطية تتخذ قراراتها على حساب مصلحة الشعوب الأوروبية.


إن مظاهر العنف مرفوضة من حيث المبدأ، غير أن محطات تاريخية عديدة تظهر أن التحولات والإصلاحات العميقة كثيرا ما رافقتها احتجاجات عنيفة، تخللتها أعمال عنف ارتكبها بعض المحتجين، ولا سيما أولئك الذين عانوا من الحرمان والتهميش الاجتماعي. وإذا اقتصرنا على فرنسا، نجد أن الثورة الفرنسية ارتبطت بالعنف، كما أن أحداث مايو 1968 شهدت بدورها مواجهات عنيفة وثورات أخرى في القارة الأوروبية، بل في العالم.

وبغض النظر عن النتائج التي ستفضي إليها هذه الاحتجاجات، لا سيما أنها تأتي في وقت تستعد فيه بعض الدول الأوروبية لاستحقاقات انتخابية، فإنها تكشف عن ترسخ الفعل الاحتجاجي داخل المجتمعات الأوروبية منذ سنوات. ومن المرجح أن تسهم هذه الدينامية، في نهاية المطاف، في إحداث تغييرات في عمل المؤسسات، سعياً إلى تجاوز الظاهرة الأكثر خطورة في المرحلة الراهنة، وهي فقدان الثقة بين الشعب والسلطة.

________________

 

الباحثون عن العدالة، الحرية، وحقوق الإنسان.!

 

 

 

 

 

  • عدد الزيارات 12893462
Please fill the required field.