تصعيد الضربات الروسية على اوكرانيا
لا تستطيع القدرات الاوربية تعويض الدعم الامريكي لاوكرانيا !!
افراسيانت - تتقاطع نيران التصعيد العسكري الروسي في العمق الأوكراني مع حراك دبلوماسي تدور كواليسه بين القوى الكبرى؛ لتضع الحرب أمام منعطف حرج تتشابك فيه الضربات الباليستية مع مساعي تفكيك المشهد السياسي الداخلي لكييف.
ففي الوقت الذي طالت فيه الهجمات الروسية مراكز بيانات ومنشآت طاقة حيوية من خاركيف ودنيبرو إلى أوديسا وكييف، برزت شكوى الرئيس فولوديمير زيلينسكي من غياب التحذير الاستخباري المسبق من الشركاء، متزامنة مع تصريحات الكرملين الرافضة لأي تسوية دون قيادة أوكرانية "تتحمل المسؤولية".
وتتزامن هذه التطورات مع أنباء عن ترتيبات لقمة ثلاثية في العاصمة الصينية تضم قادة الولايات المتحدة وروسيا والصين، مما يعزز -وفق محللين- مؤشرات فرض تسوية تتجاوز الأطراف المعنية المباشرة.
رد روسي
ميدانيا، كشفت الضربات الروسية -التي استهدفت مركزا لوجستيا لإنتاج صواريخ "فلامينغو" وسفينة شحن عسكرية في أوديسا ومرافق بالعاصمة خلفت قتيلا وأضرارا بالبنية التحتية- عن اتساع الفجوة العملياتية؛ إذ عزا المحلل السياسي من موسكو رولاند بيدجاموف هذا القصف إلى كونه ردا مباشرا على استهداف مصانع النفط والديزل الروسية.
ولفت بيدجاموف، خلال حديثه لبرنامج "ما وراء الخبر" على الجزيرة، إلى أن زيلينسكي تجاهل طلبات متكررة من الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لوقف تلك الهجمات حماية للسوق والاقتصاد الدوليين.
وفي المقابل، وضع الدبلوماسي الأوكراني السابق فولوديمير شوماكوف حجب المعلومات الاستخبارية وتعطيل صواريخ "باتريوت" وشبكة "ستارلينك" في سياق ضغوط إدارة ترمب لإجبار بلاده على الاستسلام، مؤكدا لجوء كييف إلى المسيّرات المعززة بالذكاء الاصطناعي لتعويض الدعم الغربي.
من جانبه، أوضح أستاذ العلاقات الدولية في جامعة جنيف حسني عبيدي أن هذا التراجع الاستخباري كشف عجز الحلفاء الأوروبيين عن تعويض منظومات الاستشعار والتغطية الجوية الأمريكية.
شرعية زيلينسكي
على المسار السياسي، تحولت شرعية زيلينسكي إلى جبهة اشتباك موازية، إذ رأى بيدجاموف وجود تقاطع بين موسكو وإدارة ترمب في اعتبار زيلينسكي شخصية لا يمكن الوثوق بها لإبرام اتفاق، مروجا لإمكانية تولي رئيس البرلمان الصلاحيات دستوريا لإنهاء ما وصفه بالمماطلة في إجراء الانتخابات.
ورد شوماكوف بدحض هذه المقاربة، مؤكدا أن الدستور الأوكراني يحظر صراحة تنظيم انتخابات أو تعديل القوانين تحت الأحكام العرفية، واصفا مساعي فرض التنازلات الإقليمية ونزع السلاح بالانتهاك الصارخ لضمانات "مذكرة بودابست".
ووفق قراءة عبيدي، فإن إثارة ملف الرئاسة هي محاولة لهندسة ضغوط لإضعاف موقف زيلينسكي وانتزاع تنازلات سياسية قسرية.
قمة ثلاثية محتملة
وتتعاظم المخاوف في كييف مع الحديث عن قمة ثلاثية محتملة تجمع رؤساء الولايات المتحدة وروسيا والصين على هامش قمة "آبيك" المقبلة. وفي هذا السياق، يرى بيدجاموف أن القوى العظمى تتجه إلى إحياء صيغة "مؤتمر يالطا" لإدارة ملفات العالم بعيدا عن حصرها في المسألة الأوكرانية، في حين يرى شوماكوف أن تمرير صفقات فوق رؤوس الأوكرانيين والأوروبيين يمثل تشجيعا لموسكو على الاستمرار في الحرب.
ومؤتمر يالطا هو القمة التاريخية الأكثر تأثيرا في رسم ملامح النظام الدولي لما بعد الحرب العالمية الثانية، وعُقد في شبه جزيرة القرم بين 4 و11 فبراير/شباط 1945، وجمع قادة "الحلفاء الكبار" الثلاثة، وهم جوزيف ستالين (الاتحاد السوفياتي) وفرانكلين روزفلت (الولايات المتحدة) وونستون تشرشل (بريطانيا).
بدوره، يخلص عبيدي إلى أن أوروبا -التي سارعت إلى تعديل الموقف الأمريكي بعد قمة ألاسكا السابقة- تجد نفسها مجبرة على تعزيز قدراتها الذاتية والتمسك بمقعدها الدبلوماسي، رفضا لأي صيغة تهمش أمن القارة الوجودي.
وتشن روسيا عملية عسكرية خاصة على أوكرانيا منذ 24 فبراير/شباط 2022، وتقول موسكو إن إنهاءه مشروط بتخلي كييف عن الانضمام إلى تكتلات عسكرية غربية، بينما ترفض أوكرانيا هذا الشرط.
خطة أميركية أوروبية من 4 نقاط لإنهاء حرب أوكرانيا
وسط تصاعد التوتر بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، على خلفية إبرام واشنطن صفقة لتوريد الديزل من روسيا، وتلويح البيت الأبيض أيضاً بقطع الدعم الاستخباراتي الحيوي المقدم إلى كييف، هذه الخلافات الأخيرة قد تحجب تطوراً أكثر أهمية، يتمثل في تحرك الولايات المتحدة وأوروبا تدريجياً نحو بلورة مقترح سلام مشترك، من شأنه أن يوفر مزايا مالية وأمنية لكل من أوكرانيا وروسيا، تمهيداً للتوصل إلى تسوية إقليمية تنهي الحرب.
وذكر الكاتب ديفيد إغناشيوس، في مقال بصحيفة «واشنطن بوست» الأميركية، أنه تحدث إلى مسؤول أميركي مطلع على المفاوضات الجارية في هذا الشأن، وقد أخبره أن مناقشة هذا التحرك الدبلوماسي تمت خلال اجتماع استمر 6 ساعات، عُقد يوم الجمعة الماضي في ولاية فلوريدا، واستضافه المبعوثان الأميركيان جاريد كوشنر وستيف ويتكوف.
وشارك في الاجتماع مسؤولون أوكرانيون وممثلون عن بريطانيا وفرنسا وألمانيا.
وبحسب المسؤول، حاول المفاوضون الأميركيون صياغة حزمة تعالج احتياجات ما بعد الحرب لكل من أوكرانيا وروسيا، بطريقة تنهي حمام الدم وتضمن وضعاً أفضل للبلدين.
وتضمنت الخطة المقترحة 4 ركائز أساسية لإنهاء الحرب هي:
*إعادة إعمار أوكرانيا
ستكون إعادة إعمار أوكرانيا هي الركيزة الأولى، إذ أشار إغناشيوس إلى أن البنك الدولي وشركة الاستثمار «بلاك روك» (BlackRock) يسعيان لوضع إطار عمل لتلبية الاحتياجات المالية الأوكرانية المتعددة، والتي تشمل إعادة بناء المناطق المدمرة في البلاد، وتوفير المزايا لعائلات الجنود القتلى والجرحى، وإنعاش الاقتصاد المنهار.
وقد طلب المفاوضون من كييف تقديم تقديرات مفصلة لتكاليف إعادة الإعمار، وضمانات بعدم نهب هذه الأموال من قبل المنتفعين في مرحلة ما بعد الحرب. وبحسب إغناشيوس، لم يقدم الأوكرانيون أرقاماً محددة حتى الآن، لكن من المتوقع أن يفعلوا ذلك خلال الأيام القليلة المقبلة، ما لم تنهر جهود السلام.
*ضمانات أمنية لمنع تجدد الحرب
ستكون الضمانات الأمنية العنصر الأساسي الثاني، حيث ستحصل أوكرانيا على تعهد من الولايات المتحدة والدول الأوروبية بالرد عسكرياً في حال شنت روسيا هجوماً جديداً، وهو ما وصفه المسؤول الأميركي الي تحدث إلى إغناشيوس بأنه يشبه الحماية التي يوفرها حلف شمال الأطلسي (الناتو) لأعضائه.
وأشار المسؤول إلى أن روسيا ستتفاوض أيضاً على اتفاقيات مع أوروبا تعالج مخاوفها الأمنية، وإن لم تتضح بعد تفاصيل ما قد تنطوي عليه هذه الاتفاقيات.
*التكامل الاقتصادي بين روسيا وأوكرانيا وأوروبا من خلال اتفاقية للطاقة
قد يتضمن ذلك إنشاء خط أنابيب لنقل النفط والغاز الروسيين إلى أوروبا، مع تقاسم الأرباح بين أوكرانيا وروسيا.
وذكر المسؤول الأميركي أن خطاً كهذا من شأنه أن يخفض تكاليف الطاقة في أوروبا بشكل كبير.
كما تتضمن الخطة تحديد آليات وجدول زمني لرفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على روسيا، بما يمنح موسكو فرصة لاستعادة الوصول طويل الأجل إلى الأسواق الأوروبية.
*وقف إطلاق النار عند خطوط السيطرة الحالية
ستكون هذه الركيزة الأكثر صعوبة وتعقيداً، إذ تتطلب موافقة روسيا، التي بدأت الحرب آملةً في السيطرة على كامل أوكرانيا، على وقف إطلاق النار عند خطوط المواجهة الحالية بين القوات الروسية والأوكرانية، أو «خطوط السيطرة» كما يصفها المفاوضون.
ويعني ذلك عملياً قبول أوكرانيا ببقاء الأراضي التي تسيطر عليها روسيا تحت السيطرة الروسية في إطار التسوية، بما يشمل مناطق متنازعاً عليها في إقليم دونباس.
وتتمثل إحدى العقبات في أن «خط السيطرة» غير محدد بدقة، نظراً للتغيرات الطفيفة التي تطرأ على الجبهة بشكل شبه يومي.
"ستارشيلد" تمنح ترمب سلطة هائلة على أوكرانيا

نيوزويك: القيود المفروضة على خدمة ستارشيلد أظهرت هشاشة القدرات الأوكرانية أمام القرارات الأمريكية (بيكسلز)
القيود المفروضة على خدمة ستارشيلد أظهرت هشاشة القدرات الأوكرانية أمام القرارات الأمريكية
بالمقابل، كشفت القيود المفاجئة التي فُرضت على استخدام أوكرانيا منظومة الأقمار الاصطناعية العسكرية "ستارشيلد" حجم اعتماد كييف على واشنطن، ومدى قدرة إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب على التأثير في مسار الحرب مع روسيا، عبر التحكم في التكنولوجيا والبيانات الاستخباراتية الحيوية.
وفي تقرير نشرته مجلة "نيوزويك"، تشير مراسلة شؤون الدفاع إيلي كوك إلى أن الاضطرابات التي طالت خدمات أمريكية حيوية أظهرت هشاشة القدرات الأوكرانية أمام القرارات الأمريكية، خصوصا في ظل التوتر المتزايد بين ترمب والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي.
فقد وجد مشغلو الطائرات المسيرة الأوكرانية، الأسبوع الماضي، أن أجهزتهم تفقد الاتصال بمنظومة ستارشيلد عند تجاوز سرعة حركة معينة، مما اضطرهم إلى إبطاء طائراتهم وأضعف قدرتها على ضرب الأهداف الروسية قبل أن تتمكن الدفاعات الروسية من إسقاطها.
كما تحدثت كييف عن عدم تلقيها التحذيرات الاستخباراتية المعتادة بشأن الصواريخ الباليستية الروسية التي تستهدف المدن الأوكرانية.

نيوزويك: إدارة ترمب تتبنى نهجا متقلبا تجاه الحرب، وتضغط على كييف لدفعها نحو تسوية مع موسكو (الأوروبية)
كشفت حجم الاعتماد على واشنطن
ورغم إعلان زيلينسكي استئناف تدفق المعلومات الاستخباراتية، فإن تزامن التقارير عن اضطراب الخدمتين كشف مدى اعتماد أوكرانيا على الدعم الأمريكي، في وقت تتبنى فيه إدارة ترمب نهجا متقلبا تجاه الحرب، وتضغط على كييف لدفعها نحو تسوية مع موسكو.
وتكتسب "ستارشيلد "، وهي الخدمة العسكرية التي طورتها شركة "سبيس إكس" بالاعتماد على شبكة "ستارلينك" التابعة لإيلون ماسك، أهمية خاصة لأنها تتيح للطائرات المسيرة الأوكرانية، الجوية والبحرية، استهداف خطوط الإمداد ومستودعات الذخيرة ومراكز القيادة والسيطرة الروسية على مسافة تقارب 200 كيلومتر من خطوط المواجهة، حتى في ظل التشويش الإلكتروني.
وتكمن المشكلة في أن هذه القدرة ليست تحت السيطرة الأوكرانية. فقد نفى وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أن يكون البيت الأبيض قد أمر بتقييد الخدمة، فيما نقلت وكالة رويترز عن مسؤولين أمريكيين ومسؤول غربي، لم تكشف هوياتهم، أن البنتاغون تلقى رسالة من داخل البيت الأبيض تطلب فرض قيود على استخدام المنظومة العسكرية في أوكرانيا.
إيلون ماسك: أنظمة "ستارشيلد" مملوكة للحكومة الأمريكية وتخضع لسيطرتها (رويترز)
مملوكة للحكومة الأمريكية
من جانبه، قال ماسك إن أنظمة "ستارشيلد" مملوكة للحكومة الأمريكية وتخضع لسيطرتها، وإن أي قيود على السرعة أو الاستخدام تقررها المؤسسة العسكرية الأمريكية، وفي نهاية المطاف الرئيس الأمريكي، بحسب قوله.
وقال أنتوني كينغ، مدير معهد الإستراتيجية والأمن في جامعة إكستر البريطانية، لـ"نيوزويك"، إن هذه التطورات أظهرت بوضوح استمرار اعتماد أوكرانيا على "ستارلينك" وقطاع التكنولوجيا الأمريكي والإدارة الأمريكية.
كما وصف بوهدان ساس، الشريك المؤسس لشركة "بونتار إيروسبيس" الأوكرانية للتكنولوجيا الدفاعية، ما حدث بأنه تذكير مهم يتعين على الجيوش حول العالم أخذه في الاعتبار.
ليس هناك بديل جاهز
ولا تملك كييف بديلا جاهزا لهذه المنظومة. فأوروبا تعمل تدريجيا على تطوير قدراتها الفضائية المستقلة، لكنّ مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس أقرت بأن القارة لا تستطيع حاليا تعويض هذه الإمكانات، داعية الدول الأوروبية إلى سد الفجوات في أسرع وقت ممكن.
وتأتي هذه التطورات في سياق أوسع من الضغوط الأمريكية على أوكرانيا، بالتزامن مع إرجاء واشنطن فرض عقوبات جديدة على روسيا والتوصل إلى اتفاق مع موسكو بشأن توريد الديزل الروسي. ويرى كينغ أن الإدارة الأمريكية الحالية تبدو مستعدة لاستخدام الاعتماد التكنولوجي الحيوي وسيلة للتأثير في السياسة الأوكرانية، حتى عندما يكون ذلك على حساب مصالح كييف.
وفي الوقت نفسه، اتهم ترمب زيلينسكي بالمساهمة في رفع أسعار النفط العالمية من خلال الضربات الأوكرانية على مصافي النفط الروسية وعدم العمل بما يكفي للتوصل إلى اتفاق سلام، وهي اتهامات يرفضها الرئيس الأوكراني.
أضرار كبيرة تكبدتها أوكرانيا
وكان ترمب قد أعلن في وقت سابق من الشهر الجاري هدنة في قطاع الطاقة بين موسكو وكييف، دون أن يؤكد أي من البلدين موافقته عليها.
لكنّ روسيا واصلت ضرب منشآت الطاقة الأوكرانية، وقال زيلينسكي إن الهجمات الروسية استهدفت البنية التحتية للطاقة 76 مرة خلال الأسبوع التالي للإعلان، متسببة في انقطاع الكهرباء عن نحو 600 ألف شخص في كييف.
وتكشف هذه الوقائع أن المعركة لا تدور على الأرض وحدها، بل تمتد إلى الفضاء وشبكات الاتصالات والاستخبارات. فحين تعتمد دولة تخوض حربا وجودية على منظومة تكنولوجية يملك طرف خارجي مفاتيح تشغيلها، يصبح الدعم العسكري أداة نفوذ سياسي، وقد تتحول ضغطة زر إلى عامل مؤثر في موازين المعركة وقدرة الدولة على الدفاع عن نفسها.
هل وصلت العلاقة بين ترمب وزيلينسكي إلى نقطة الافتراق؟

محللون: استمرار المواجهة بين ترمب (يمين) وزيلينسكي يضر بالأطراف المعنية، لكنه يشكل خطرا أكبر على أوكرانيا (الفرنسية)
تتجه العلاقة بين الرئيسين الأمريكي دونالد ترمب والأوكراني فولوديمير زيلينسكي نحو مواجهة غير مسبوقة، وسط خلافات بشأن الحرب مع روسيا، تهدد المساعدات العسكرية والاستخباراتية التي تحتاجها كييف لمواصلة القتال.
لم يعد الخلاف بين ترمب وزيلينسكي مجرد سجال سياسي عابر، بل بات يهدد بإضعاف التعاون الأمريكي الأوكراني في مرحلة حساسة من الحرب، بينما تقترب انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، التي يُنظر إليها باعتبارها اختبارا لشعبية ترمب وأدائه الرئاسي.
في تحليل نشرته صحيفة نيويورك تايمز، كتبت كيم باركر من كييف أن الأسبوع الأخير حمل سلسلة من الضربات السياسية لأوكرانيا؛ إذ حمّل ترمب الحرب الروسية الأوكرانية مسؤولية ارتفاع أسعار الديزل، بدلا من الحرب التي بدأتها إدارته ضد إيران، وفق تحليل خبراء الطاقة.
كما خفف مؤقتا العقوبات الأمريكية على مبيعات الديزل الروسي، وأعلن من جانب واحد "وقفا لإطلاق النار في قطاع الطاقة"، في خطوة ترى الصحيفة أنها أفادت موسكو وأضرت بكييف.

حرائق في مصفاة نفط روسية بعد هجوم بطائرة مسيرة أوكرانية 20 سبتمبر/أيلول 2026 (رويترز)
تقييد استخدام أوكرانيا ستارشيلد
ولم يتوقف التصعيد عند هذا الحد، إذ دعا ترمب إلى انتخاب رئيس أوكراني جديد، قبل أن تتردد أنباء عن قيود مفاجئة على استخدام الجيش الأوكراني نظام "ستارشيلد"، وهو نسخة عسكرية من خدمة الإنترنت عبر الأقمار الاصطناعية "ستارلينك"، التي تؤدي دورا حيويا في الاتصالات على جبهات القتال.
ورد زيلينسكي بغضب واضح، معتبرا أنه تعرض للخيانة بعدما بدا ترمب منحازا إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
وأعلن الرئيس الأوكراني استئناف الهجمات على مصافي النفط الروسية، متحديا إعلان ترمب وقف إطلاق النار في قطاع الطاقة، وعندما سأله الصحفي بيرس مورغان عما إذا كان يعتقد أن بلاده تخسر الولايات المتحدة، أجاب باقتضاب "نعم".
ورد ترمب بالقول إن زيلينسكي "ليس شخصا جيدا للتعامل معه"، وفي بلجيكا "الجمعة " بدا الرئيس الأوكراني أكثر تهكما، حين سُئل عما إذا كان ترمب يتخذه كبش فداء لمشكلاته. اكتفى بابتسامة جانبية وصمت طويل أثار ضحك الحاضرين، قبل أن يقول أمام الميكروفون "هذه إجابتي".
السيناريو الأسوأ لكييف
وبحسب محللين نقلت عنهم الصحيفة، فإن استمرار المواجهة سيضر بالأطراف المعنية، لكنه يشكل خطرا أكبر على أوكرانيا. فالسيناريو الأسوأ لكييف يتمثل في أن يقرر ترمب ووزارة الحرب الأمريكية وقف المساعدات العسكرية، التي تشمل معلومات استخباراتية تحذر من الهجمات الصاروخية وتساعد القوات الأوكرانية على تحديد أهدافها، إلى جانب قطع غيار مقاتلات "إف-16" وصواريخ "باتريوت" الاعتراضية، القادرة على إسقاط الصواريخ الباليستية الروسية.
وحذر محللون من أن فقدان هذه القدرات سيعرض المدن الأوكرانية لمزيد من الهجمات الروسية، ويرفع أعداد الضحايا المدنيين.
وقال المحلل العسكري الأوكراني أوليه كاتكوف إن غياب التحذيرات المبكرة من الصواريخ الباليستية سيحرم السكان من الوقت الكافي للوصول إلى الملاجئ، في حين لن تمتلك البلاد الوسائل اللازمة لاعتراضها.
وقدمت التطورات الأخيرة لمحة عن هذه المخاطر، فقد قال مسؤولون أوكرانيون إن بلادهم لم تتلق تحذيرات مسبقة من شركائها، في إشارة غير مباشرة إلى الولايات المتحدة، قبل موجتين من الهجمات الصاروخية على كييف الثلاثاء والأربعاء.
كما أفاد جنود بأن اضطرابات نظام "ستارشيلد" أعاقت إطلاق الطائرات المسيرة وعمليات عسكرية أخرى، مما دفع مجموعة من أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي من الحزبين إلى المطالبة بالتحقيق.
هامش للمناورة
ترى نيويورك تايمز أن الأسابيع المقبلة، وصولا إلى انتخابات التجديد النصفي، قد تكشف اتجاه العلاقة بين الرئيسين، فترمب يريد إظهار قدرته على خفض أسعار الوقود، لكنه يواجه أيضا انتقادات من داخل حزبه بسبب تعامله مع أوكرانيا.
وبين الحسابات الانتخابية والمصالح الجيوسياسية، تبدو العلاقة أمام اختبار حاسم، قد تتجاوز عواقبه حدود الخلاف الشخصي لتؤثر في مسار الحرب ومستقبل الأمن الأوروبي.
ستارلينك في قلب المواجهة.. تهديد أمريكي لأوروبا وقيود عسكرية وشبهات تخريب

ترمب (يمين) نفى أن يكون هو أو إيلون ماسك قد تسببا في انقطاع الخدمة (رويترز)
لم تعد شبكة "ستارلينك" للإنترنت عبر الأقمار الصناعية مجرد وسيلة اتصال حيوية للقوات الأوكرانية، بل تحولت هي ونظيرتها العسكرية "ستارشيلد" إلى محور خلافات تتداخل فيه المصالح العسكرية والتنافس التكنولوجي والخلافات السياسية بين واشنطن وأوروبا، وسط اتهامات بشأن تقييد الاتصالات ومخاوف من عمليات تخريب تستهدف منشآت مرتبطة بالخدمة.
ففي وقت تحذر فيه الولايات المتحدة الأوروبيين من إجراءات اقتصادية انتقامية إذا مضى الاتحاد الأوروبي في مقترحاته لمنح الشركات الأوروبية أولوية في استخدام بعض ترددات الاتصالات الفضائية، تتبادل واشنطن وكييف الاتهامات بشأن اضطرابات طالت خدمات ستارلينك التي تعتمد عليها القوات الأوكرانية في اتصالاتها الميدانية وتوجيه طائراتها المسيّرة، بينما تزعم دول أوروبية في تورط روسيا في هجمات ومحاولات تخريب منشآت مرتبطة بالشبكة.
تهديد أمريكي لأوروبا
في تقرير نشرته صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية، نقل الصحفيان باربرا موينز وهنري فوي عن السفير الأمريكي لدى الاتحاد الأوروبي أندرو بوزدر تحذيره من أن الشركات الأوروبية قد تواجه ردودا انتقامية "مدمرة" إذا مضت بروكسل في خطط تقييد وصول الشركات غير الأوروبية إلى أجزاء من سوق الاتصالات الفضائية الأوروبية، ومن بينها شركة "سبيس إكس" الأمريكية المملوكة لـإيلون ماسك.
ويأتي التحذير على خلفية اقتراح للمفوضية الأوروبية يقضي بتخصيص جزء من نطاق الترددات اللاسلكية، الذي يتيح للهواتف الذكية الاتصال مباشرة بالأقمار الصناعية، للشركات الأوروبية.
ومن شأن ذلك الحد من نطاق الترددات المتاحة للشركات الأمريكية والصينية، في إطار مساعي الاتحاد الأوروبي لتعزيز استقلاله التكنولوجي وتقليل اعتماده على الموردين الأجانب في القطاعات الإستراتيجية.
وقال بوزدر إن الشركات الأوروبية ينبغي أن تتحسب لاحتمال تعرضها لرد أمريكي، محذرا من أن العواقب ستكون شديدة بالنظر إلى حجم السوق الأمريكية.
وانتقد ما اعتبره توجها أوروبيا لاستخدام التشريعات لتعزيز الشركات المحلية على حساب المنافسين الأمريكيين، مؤكدا أن جعل الشركات الأمريكية أقل قدرة على المنافسة لا يجعل نظيراتها الأوروبية أكثر كفاءة.
هذا وطالب وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بتوخي الحذر في تصريحاته "المتهورة" وغير الصحيحة التي اتهم فيها الجانب الأمريكي بالتسبب في إبطاء الخدمة.
السيادة التكنولوجية
يتجاوز الخلاف قضية ستارلينك إلى سياسات الاتحاد الأوروبي لتنظيم قطاع التكنولوجيا، بما في ذلك قانون الأسواق الرقمية والغرامات المفروضة على شركات أمريكية كبرى.
كما يمتد إلى خطط أوروبية لفرض متطلبات تتعلق بالسيادة التكنولوجية على مقدمي الخدمات السحابية الحساسة، وتطوير بدائل أوروبية في مجالي الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية.
ويرى السفير الأمريكي أن واشنطن وبروكسل ينبغي أن تتعاونا لمنافسة الصين في سباق الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية، بدلا من استنزاف جهودهما في النزاع التنظيمي.
في المقابل، تقول المفوضية الأوروبية إن مقترحها يهدف إلى تشجيع دخول موردين أوروبيين جدد وتنويع مصادر الخدمة، مع إبقاء السوق مفتوحة أمام الشركات غير الأوروبية.
اتهامات بشأن تعطيل الخدمة في أوكرانيا
وفي موازاة هذا النزاع بين واشنطن وبروكسل، تصاعد الجدل بشأن اضطرابات طالت خدمة "ستارلينك"، التي تعتمد عليها القوات الأوكرانية على نطاق واسع في اتصالاتها العسكرية وتشغيل الطائرات المسيّرة.
ونقلت صحيفة "ذا هيل" عن وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت قوله إن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي ينبغي أن يتوخى الحذر في تصريحاته التي اتهم فيها الجانب الأمريكي بالتسبب في إبطاء الخدمة، واصفا هذه الاتهامات بأنها متهورة وغير صحيحة.
وكان زيلينسكي قد قال، في مقابلة مع شبكة "إن بي سي" التلفزيونية الأمريكية، إن قرار تقييد سرعة "ستارلينك" جاء من الحكومة الأمريكية، مستندًا إلى تقدير القيادة الأوكرانية، لكنه أقر بأنه لا يعرف الجهة التي أصدرت القرار.
ونفى الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أن يكون هو أو إيلون ماسك قد تسببا في انقطاع الخدمة، فيما أكد وزير الخارجية ماركو روبيو، بحسب وكالة الأنباء الألمانية، أنه لم يصدر أي أمر من البيت الأبيض بإبطاء خدمة الإنترنت الفضائي أو تقييدها لمنع استخدامها في تشغيل طائرات مسيّرة معينة.
"ستارشيلد" ليس متاحًا لأوكرانيا
وقال روبيو إن اضطرابات في الخدمة حدثت بالفعل، وإنها استُعيدت لاحقا، من دون أن يوضح أسبابها. لكنه شدد على ضرورة التمييز بين "ستارلينك" ونظام "ستارشيلد" العسكري، موضحًا أن الأخير يعمل بموجب عقد مع الجيش الأمريكي، ولا تستخدمه أوكرانيا.
وأضاف أن كييف طلبت الوصول إلى "ستارشيلد" لتنفيذ ضربات بعيدة المدى داخل روسيا، لكنها لم تحصل عليه.
وبحسب مصدر مطلع نقلت عنه "ذا هيل"، شملت القيود خلال الأسبوع منصات تتحرك بسرعة تتجاوز 100 ميل في الساعة، أي نحو 160 كيلومترًا، مما أثر في طائرات مسيّرة وطائرات ومروحيات أوكرانية. غير أن المسؤولين الأمريكيين نفوا تعمُّد تعطيل الخدمة، ولم تحدد المواد المنشورة بصورة حاسمة سبب الاضطرابات.
وتكتسب القضية أهمية عسكرية كبيرة، لأن "ستارلينك" توفر اتصالات أساسية للقوات الأوكرانية، كما تُستخدم أجهزتها ضمن أنظمة توجيه طائرات مسيّرة تنفذ ضربات على أهداف روسية وتساعد في التصدي لمسيّرات تطلقها موسكو.
اشتباه في تخريب روسي لمنشآت الشبكة
وفي تطور آخر، أعلنت السلطات الليتوانية إحباط محاولة لإضرام النار في محطة أرضية لخدمة ستارلينك قرب العاصمة فيلنيوس، في حادثة أثارت مخاوف من استهداف البنية التحتية للاتصالات التي تعتمد عليها أوكرانيا.
وقال رئيس الوزراء الليتواني ميندوجاس سينكيفيسيوس إن الحادث يبدو جزءا من حرب هجينة تستهدف تقويض القدرات الأوكرانية، زاعما احتمال وقوف روسيا وراءه.
وعُثر، بحسب تصريحاته، على سوائل قابلة للاشتعال وحاويات قرب المنشأة، التي توفر الاتصال لـ9 هوائيات تابعة للخدمة المستخدمة في أوكرانيا.
وأكد مسؤولون ليتوانيون أن الحريق أُخمد بسرعة، ولم يتسبب إلا في أضرار مادية طفيفة، فيما استمر التحقيق لتحديد هوية المشتبه بهم والجهة التي تقف وراء المحاولة. ولم تعلن السلطات نتائج نهائية تثبت المسؤولية الروسية، في حين تنفي موسكو اتهامات مماثلة وتصفها بأنها بلا أساس.
وتأتي الواقعة بعد حوادث استهدفت منشآت أو معدات مرتبطة بستارلينك في بولندا وبلغاريا، حيث اشتبهت السلطات في أعمال حرق متعمد. وترى ليتوانيا أن هذه الحوادث قد تكون مترابطة وتهدف إلى تعطيل الخدمة التي تلعب دورا مهما في الدفاع الأوكراني.
وبينما تتواصل الاتهامات بشأن اضطرابات الخدمة والاشتباه في عمليات التخريب، يبقى التحدي الأوسع أمام أوروبا وأوكرانيا هو ضمان استمرار الاتصالات الحيوية، في وقت تتزايد فيه المخاطر التي تجعل التكنولوجيا نفسها سلاحا في الصراع، وأداة ضغط في العلاقات الدولية.
________________

