الصراعات الداخلية غير المحسومة لا تزال قادرة على استدراج أطراف خارجية
افراسيانت - حققت السلطات في سوريا مكاسب ملحوظة على صعيد السياسة الخارجية. فقد نجحت حكومة الرئيس أحمد الشرع في استعادة العلاقات الدبلوماسية، وتخفيف العقوبات، وعزل البلاد عن التداعيات العسكرية للحرب على إيران. إلا أن التطورات الأخيرة كشفت حدود هذه الاستراتيجية القائمة على الاستقرار الخارجي.
وفي 19 مارس، نفذت إسرائيل غارة جوية استهدفت قوات حكومية في السويداء، عقب اشتباكات بين هذه القوات وفصائل درزية، ما أظهر أن الصراعات الداخلية غير المحسومة لا تزال قادرة على استدراج أطراف خارجية.
وبدلاً من معالجة جذور النزاع في السويداء عبر عملية داخلية، سعت السلطات إلى احتوائه من خلال اتفاقات مع دول أخرى.
وقد ينجح هذا النهج أحيانًا في الحد من التصعيد، لكنه يترك التوترات الأساسية قائمة.
ويرى المحلل حايد حايد في تقرير نشره معهد تشاتم هاوس أنه من دون عملية وطنية موثوقة لمعالجة الانقسامات الداخلية، ستظل المرحلة الانتقالية في سوريا هشة وعرضة لتدخلات متكررة.
وتُعد سوريا اليوم حالة لافتة في الشرق الأوسط. ففي وقت تتورط فيه دول الجوار بشكل متزايد في تداعيات الحرب مع إيران، نجحت سوريا حتى الآن في تجنب الانخراط المباشر، وبقيت إلى حد كبير بمنأى عن آثارها.
ويُعد هذا التحول لافتًا بالنظر إلى تاريخ البلاد الحديث، حيث كانت على مدى أكثر من عقد ساحة رئيسية لصراعات إقليمية ودولية. وأما اليوم، فقد أعادت تموضعها كفاعل أكثر حيادًا.
ويرجع ذلك إلى سياسة خارجية فعالة انتهجتها حكومة الشرع منذ سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، حيث أعادت ضبط علاقاتها الخارجية، وعززت التواصل مع الأطراف الإقليمية، وقلّصت حضور الشبكات المسلحة المرتبطة بقوى خارجية. وأسهمت هذه الخطوات في تقليل مخاطر انزلاق سوريا مجددًا إلى صراعات أوسع.
وأكد الرئيس الشرع ذلك في خطابه بعد صلاة عيد الفطر في 20 مارس، معتبرًا أن الموقع الجديد لسوريا يعكس إدارة أكثر كفاءة للعلاقات الإقليمية والدولية، وأن السياسة الخارجية أصبحت ركيزة أساسية لتحقيق الاستقرار.
لكن أحداث السويداء الأخيرة أظهرت حدود هذه الاستراتيجية. فقد تصاعد العنف في يوليو 2025 عندما أرسلت دمشق قوات إلى المحافظة، مبررة ذلك بمحاولة استعادة الأمن بعد اشتباكات بين مجموعات درزية وبدوية.
غير أن هذه الخطوة فُسرت محليًا على أنها محاولة لفرض السيطرة المركزية بعد أشهر من تعثر المفاوضات بشأن ترتيبات الحكم والأمن، ما أدى إلى تعميق انعدام الثقة بين السكان والسلطات.
وبدلاً من اعتماد حوار محلي شامل، اختارت الحكومة احتواء الأزمة عبر اتفاقات خارجية، بما في ذلك خارطة طريق مع الأردن والولايات المتحدة في سبتمبر 2025، إلى جانب جهود موازية للحد من التدخل الإسرائيلي.
لكن هذه المقاربة لم تنجح في حل الأزمة. فقد تعثر تنفيذ الاتفاق، ورفضته السلطات المحلية التي لم تُشرك في صياغته، ما أدى إلى استمرار التوترات واندلاع أعمال عنف متكررة، وهو ما يفتح الباب أمام تدخلات خارجية جديدة.
وقد جاءت الغارات الإسرائيلية في 19 مارس بعد اشتباكات مزعومة بين القوات الحكومية ومجموعة مسلحة درزية، حيث بررت إسرائيل الهجوم بحماية الطائفة الدرزية، بينما اعتبرته دمشق تدخلاً في الشؤون الداخلية يهدف إلى زعزعة الاستقرار.
وتكمن المشكلة الأساسية في أن قضايا السويداء ليست محلية فقط، بل ترتبط بأسئلة وطنية أوسع، مثل الحكم وتقاسم السلطة والتمثيل السياسي وهوية الدولة. ومعالجة هذه القضايا عبر صفقات مغلقة، سواء داخلية أو خارجية، قد يؤدي إلى نتائج تفتقر إلى الشرعية والاستدامة.
وكان الحوار الوطني الذي أُطلق في فبراير 2025 يهدف إلى معالجة هذه القضايا، لكنه جاء محدودًا وغير شامل، ولم تُنشر نتائجه حتى الآن، ما خلق فجوة متزايدة بين السلطات والمجتمع.
ومن دون إطار وطني شامل، ستظل القوى السياسية تتعامل مع المفاوضات باعتبارها لعبة صفرية، حيث يُنظر إلى أي تنازل على أنه خسارة. ولتغيير هذا النهج، يجب توسيع المشاركة لتشمل المجتمع المدني والنازحين واللاجئين والشتات.
ولا يزال من الممكن إطلاق عملية جديدة أكثر شمولًا وشفافية، يمكن أن تمهد الطريق لحل سلمي للقضايا الأساسية، وبناء توافق وطني يمنع احتكار التمثيل من قبل أطراف محدودة.
كما يجب أن يتناول أي حوار جديد القضايا الجوهرية مثل الحكم، وتقاسم السلطة، والعدالة، والإصلاح الاقتصادي، ودور المؤسسات الأمنية، مع ربط النقاش بآليات تنفيذ واضحة.
ورغم نجاح السياسة الخارجية لسوريا، فإنها وحدها لا تكفي لتحقيق الاستقرار. فمرحلة انتقالية تقوم على التموضع الخارجي دون تماسك داخلي ستظل هشة بطبيعتها.
ويعتمد الاستقرار الدائم على قدرة الدولة على حل نزاعاتها الداخلية، وبناء رؤية وطنية مشتركة، وإرساء نظام سياسي يحظى بالشرعية.
ومن دون ذلك، ستستمر التوترات الداخلية، وستظل البلاد عرضة لتدخلات خارجية تقوض سيادتها. وفي هذا السياق، تكمن أكبر نقاط ضعف سوريا ليس على حدودها، بل في داخلها.
وعليه، فإن الاختبار الحقيقي للمرحلة الانتقالية لا يكمن في تجنب الصراعات الإقليمية، بل في القدرة على بناء أسس داخلية قوية قادرة على الصمود في وجهها.

