كل أسبوع

الشرق الاوسط وسقوط قواعد النظام الدولي القائم: الامن الجماعي وحده الكفيل بالوقوف امام التحديات المستمرة !!

الشرق الاوسط وسقوط قواعد النظام الدولي القائم: الامن الجماعي وحده الكفيل بالوقوف امام التحديات المستمرة !!

افراسيانت - زهير الشرمان - لا حل للمنطقة خاصة الاقطار العربية سوى التوجه لتكريس الامن الجماعي , اذ لم يعد من المقبول اتكال الدول العربية خاصة الخليجية منها على الولايات المتحدة لضمان امنها , هذا مااثبتته الحرب على تيران .


كذلك ينسحب الامر على الوضع الاقتصادي .


في هذا الصدد يكتب الاستاذ زهير الشرمان : لم يعد الشرق الاوسط يعيش ضمن نظام دولي واضح القواعد كما كان يعتقد بعد نهاية الحرب الباردة، بل اصبح جزءا من عالم يتجه نحو تعددية قطبية مضطربة، تتنافس فيها القوى الكبرى اقتصاديا وتكنولوجيا وعسكريا، وتستخدم فيها التجارة والطاقة والتمويل وسلاسل التوريد كادوات نفوذ لا تقل اهمية عن الجيوش، وفي مثل هذا العالم لا تصبح الجغرافيا قدرا فقط، بل تصبح ايضا مخاطرة دائمة، خصوصا لمنطقة تقع في قلب طرق التجارة والطاقة والممرات البحرية والصراعات في آن واحد.


ما نشهده اليوم ليس مجرد تغير في موازين القوى، بل تراجع تدريجي في قواعد النظام الدولي القائم وربما بداية نهاية هذا النظام بالشكل الذي عرفه العالم منذ نهاية الحرب الباردة، القواعد لم تعد تطبق على الجميع بالدرجة نفسها حتى لو كان إعلاميا، والمؤسسات الدولية لم تعد دائما قادرة على فرضها، واصبح ميزان القوة الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية يلعب دورا اكبر من القواعد المكتوبة نفسها.


في هذا العالم تستطيع الدول الكبرى تحمل الصدمات وممارسة الضغوط واعادة تشكيل النظام بما يخدم مصالحها، لانها تملك الاسواق الضخمة والقدرة العسكرية والتكنولوجيا والعملات المؤثرة وشبكات التحالف، اما دول الشرق الاوسط، خصوصا الدول المتوسطة والصغيرة، فلا تملك رفاهية الصدام ولا رفاهية العزلة في الوقت نفسه، ولذلك تجد نفسها مضطرة الى ادارة التوازنات بدقة شديدة، ليس فقط داخل المنطقة، بل بين القوى العالمية المتنافسة.


خلال العقود الماضية اعتمدت معظم دول الشرق الاوسط على معادلة غير مكتوبة تقوم على الامن مقابل الاستقرار السياسي، والنفط او الموقع الجغرافي مقابل الحماية او الدعم الدولي، والانفتاح الاقتصادي مقابل الاندماج في النظام العالمي، هذه المعادلة وفرت قدرا من الاستقرار، لكنها كانت قائمة على افتراض ان النظام الدولي مستقر وان قواعده ثابتة نسبيا، وهذا الافتراض لم يعد صالحا اليوم.


العالم يتجه الان نحو ما يمكن تسميته بعالم تقليل المخاطر لا عالم العولمة الكاملة، لم تعد الدول الكبرى تبحث فقط عن الكفاءة الاقتصادية، بل عن الامان الاستراتيجي، لم تعد تبحث عن ارخص مورد، بل عن المورد الذي لا يمكن ان يتحول الى اداة ضغط، ولم تعد تبحث عن اسرع سلسلة توريد، بل عن سلسلة توريد يمكن السيطرة عليها وقت الازمات، هذا التحول سيؤثر بشكل مباشر على الشرق الاوسط خلال العقود القادمة.


بالنسبة لدول الخليج فان التحدي الاكبر لن يكون في اسعار النفط فقط، بل في موقع النفط نفسه في الاقتصاد العالمي، فالعالم سيحاول تنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على منطقة واحدة، وهذا يعني ان دول الخليج تتحرك في الاتجاه الصحيح عندما تستثمر في الصناعة والسياحة والخدمات اللوجستية والتكنولوجيا والطاقة المتجددة، لان القوة في العالم القادم لن تقاس فقط بما تحت الارض، بل بما ينتج فوقها من معرفة وصناعة وتكنولوجيا وخدمات.


اما دول مثل الاردن فتمتلك نوعا مختلفا من الاهمية، فهي ليست دولا نفطية ولا قوى عسكرية كبرى، لكنها تقع في مواقع جغرافية شديدة الاهمية بين الخليج والعراق وسوريا وفلسطين ومصر، اي في قلب شبكة الازمات وطرق التجارة في الوقت نفسه، في العالم الجديد يمكن للدول التي تقع على طرق التجارة والطاقة والاتصالات ان تتحول الى دول عبور لوجستي ومالي وتكنولوجي اذا احسنت استغلال موقعها، لكن ذلك يتطلب اقتصادا منتجا ومؤسسات فعالة وتعليما جيدا وبيئة استثمار مستقرة.


المشكلة الاساسية في كثير من دول الشرق الاوسط ليست نقص الموارد فقط، بل ضعف الانتاجية الاقتصادية، الدول التي لا تنتج تكنولوجيا او صناعة او معرفة ستبقى دائما في موقع التابع في النظام العالمي مهما كانت تحالفاتها السياسية، في العالم الحديث الاستقلال السياسي لا يتحقق بالشعارات فقط، بل يتحقق بالاقتصاد والانتاج والتكنولوجيا والتعليم والقدرة على تمويل الذات.


هناك ايضا تحول مهم في مفهوم السيادة، في الماضي كانت السيادة تعني السيطرة على الحدود، اما اليوم فالسيادة تعني القدرة على الصمود الاقتصادي، الدولة التي يمكن الضغط عليها بقطع الطاقة او التمويل او الاسواق او التكنولوجيا ليست دولة ذات سيادة كاملة مهما كان خطابها السياسي قويا، السيادة في القرن الحادي والعشرين اصبحت مرتبطة بالطاقة والغذاء والتكنولوجيا وسلاسل التوريد والتمويل اكثر مما هي مرتبطة بالحدود فقط.


الشرق الاوسط اليوم يقف امام خيار تاريخي، اما ان يبقى ساحة تنافس للقوى الكبرى، او ان يتحول الى منطقة تعاون اقتصادي ولوجستي وصناعي مترابطة، فالتجارب الدولية تشير الى ان المناطق التي تتاجر مع بعضها وتستثمر مع بعضها وتربط بنيتها التحتية ببعضها تصبح اقل عرضة للحروب واكثر قدرة على التفاوض مع القوى الكبرى.


مستقبل المنطقة لن يكون لمن يملك النفط فقط ولا لمن يملك السلاح فقط، بل لمن يملك اقتصادا منتجا وتعليما جيدا ومؤسسات مستقرة وعلاقات متوازنة وقدرة على التكيف مع عالم يتغير بسرعة، فالعالم الجديد لا يسال الدول ان كانت كبيرة او صغيرة، بل يسالها سؤالا واحدا فقط، هل تستطيع ان تعتمد على نفسها عندما تتغير القواعد، الدول التي تستطيع الاجابة بنعم ستبقى مستقرة ومؤثرة، اما الدول التي لا تستطيع فستبقى دائما خائفة من اي تغيير في العالم.

 

أفراسيانت
الباحثون عن العدالة، الحرية، وحقوق الإنسان.!

 
  • عدد الزيارات 12356558
Please fill the required field.