ثقافة

من تحت الركام إلى ضحكة طفل: كيف نعيش حين لا تنتهي الحكايات؟ 

من تحت الركام إلى ضحكة طفل: كيف نعيش حين لا تنتهي الحكايات؟ 

افراسيانت - مريم مشتاوي - في الحروب، لا يكون الموت دائماً هو الخاتمة الأكثر قسوة. أحياناً تكمن القسوة في بقاء النهاية معلّقة، وفي تحوّل الغياب إلى حالة انتظار مفتوح، لا يحسم بالحياة ولا يختتم بالموت.


في عين المريسة، حيث ما زالت آثار الدمار حاضرة، يقف علي عبود أمام الركام، لا بوصفه شاهداً على ما حدث فحسب، إنما كجزء من حكاية لم تكتمل بعد. بصوت هادئ، يكاد يخلو من الانفعال، يقول: هيدا أصعب من الموت!


ليست الجملة توصيفاً عابراً، إنما خلاصة تجربة تعيشها عائلة منذ أيام. فمنذ الأربعاء الماضي، فقدت زهراء عبود 26 عاماً، عقب الغارة التي استهدفت مبنى في المنطقة. وحتى الآن، لم يعثر لها على أثر.


عمليات البحث لم تتوقف. تم تقليب الركام مراراً، من جهة إلى أخرى، على أمل العثور على أي دليل. وبين الحجارة والأنقاض، عثر على بعض مقتنياتها الشخصية، حقيبتها، جواز سفرها، وأغراض أخرى تؤكد وجودها في المكان. لكن، رغم ذلك، بقي العنصر الأهم مفقودًا، زهراء نفسها.


هذا النقص في اليقين هو ما يجعل التجربة أكثر قسوة. فالعائلة لا تواجه خبر وفاة يمكن التعامل معه، بل تعيش حالة انتظار معلّقة، تتأرجح بين الأمل والخوف.


يقول علي عبود: «قلّبنا الركام خمس أو ست مرات، من ميلي لميل، بس بعد ما لقينا شي»!


في موازاة البحث الميداني، تم إجراء فحص الحمض النووي، على أمل أن يقدّم إجابة حاسمة، إلا أن النتائج لم تصدر بعد، ما يضيف طبقة جديدة من الانتظار إلى واقع مثقل أساساً بالقلق.


«عملنا فحص الحمض النووي… بس بعد ما بيّن شي»، يقول علي، متوقفاً قليلًا قبل أن يضيف: «إذا طلع شي… يمكن نرتاح.»


الراحة هنا لا تعني نهاية سعيدة، إنما نهاية واضحة. ففي مثل هذه الحالات، يصبح اليقين، مهما كان موجعاً، أقل قسوة من الاستمرار في المجهول.


في الحروب، تختصر الأحداث غالباً بأرقام، عدد الضحايا، حجم الدمار، تواريخ الضربات. لكن ما لا يظهر في هذه الأرقام هو ما يحدث بعد ذلك، ما تعيشه العائلات حين تنتهي اللحظة الأولى، وتبدأ مواجهة التفاصيل اليومية للفقدان.


الهاتف الذي لا يرن، الأماكن التي تبقى كما هي.


زهراء عبود، ليست مجرد اسم في قائمة مفقودين. هي قصة عائلة تنتظر، وقصة مدينة اعتادت أن تكمل حياتها، رغم كل ما ينكسر فيها.


يقول شقيقها: «الأصعب، لما تفقد حدا وما تلاقي جثة لِتدفنه.»


جملة تختصر حجم المعاناة، وتكشف عن جوهر هذه التجربة، إنه غياب بلا خاتمة.


في عين المريسة، ما زال الركام قائماً، وما زالت عمليات البحث مستمرة. وبين الأمل في العثور على إجابة، والخوف من الحقيقة، تبقى عائلة زهراء عبود معلّقة في لحظة لم تنته بعد.


لحظة يصبح فيها الغياب، أثقل من الموت!


كيف تقاوم الطفولة قسوة الواقع؟


في غزة، لا تبدأ الحكايات بصوت مرتفع، تبدأ غالباً من همسة. من تفصيل صغير يبدو عابراً، لكنه في الحقيقة يحمل ما يفوق قدرته على الاحتمال. في أحد المشاهد التي انتشرت أخيراً، تجلس طفلة تحمل كوباً زجاجياً صغيراً من الشاي، بينما يقف خلفها طفل يشاركها الغناء. لا شيء في الصورة يوحي بالاستثنائية للوهلة الأولى، طفلان، كوب شاي، وضحكة. ومع ذلك، يكفي أن تتأمل قليلاً لتدرك أن ما يحدث يتجاوز البساطة بكثير.


تغنّي الطفلة: «إزاي إزاي إزاي… أوصفلك يا حبيبي الشاي»، كلمات مقتبسة من أغنية أم كلثوم، لكنها هنا تخرج من سياقها الفني لتتحول إلى تعبير عفوي عن محاولة فهم العالم. ليس الشاي هو المقصود بحد ذاته، بل القدرة على وصف شيء جميل في مكان تزداد فيه صعوبة الوصف يوماً بعد يوم.


في المخيمات، حيث تتقاطع الحياة اليومية مع واقع قاس، لا يعيش الأطفال طفولتهم كما يفترض. لا مقاعد مدرسية ثابتة، ولا مساحات آمنة للعب، ولا إيقاع منتظم للأيام. ومع ذلك، يبتكرون طرقهم الخاصة للبقاء. الغناء، في هذا السياق، ليس ترفاً ولا مجرد تسلية، هو وسيلة دفاع ناعمة، محاولة لإعادة ترتيب العالم ولو للحظات قصيرة.


الكوب الذي تمسكه الطفلة لا يعود مجرد وعاء للشاي. يصبح رمزاً بسيطاً للدفء، لشعور مؤقت بالأمان، لشيء يمكن الإمساك به في عالمٍ تتفلّت فيه الأشياء بسرعة. وفي هذا المشهد، يبدو كأن الطفولة نفسها تحاول أن تتشبث بما تبقى من تفاصيلها الصغيرة، كنكهة النعناع، وحلاوة السكر، ودفء لحظة مشتركة.


أما الطفل الذي يضحك خلفها، فلا يمكن قراءة ضحكته على أنها براءة خالصة أو غفلة عن الواقع. هي أقرب إلى موقف. ضحكة تختار أن تستمر رغم كل شيء، كأنها تقول إن القدرة على الفرح، ولو بشكل مؤقت، هي بحد ذاتها شكل من أشكال الصمود.


في مشهد آخر، يجتمع عدد من الأطفال، يصفقون ويغنّون معاً. لا مسرح، ولا جمهور في المعنى التقليدي، لكن هناك حضورا كثيفاً للحياة. يحاولون، بطريقتهم الخاصة، صناعة لحظة سعادة، وكأنهم يقتطعونها من زمن لا يمنحهم الكثير من الفرص. في هذه اللحظات، لا يعود الغناء مجرد نشاط جماعي، إنما يتحول إلى مساحة مشتركة يتقاسمون فيها القدرة على الاحتمال.


ما يلفت في هذه المشاهد، ليس فقط عفويتها، إنما ما تحمله من مفارقة عميقة. أطفال يعيشون ظروفاً قاسية، ومع ذلك يصرّون على إنتاج لحظات خفيفة. هنا، لا تعود الطفولة مجرد مرحلة عمرية، تتحول إلى موقف إنساني. أن تكون طفلاً في مثل هذا الواقع، يعني أن تحمل التناقضات كلها في آنٍ واحد. أن تضحك وأنت تعرف، أن تلعب وأنت ترى، وأن تغنّي وأنت تدرك أن العالم من حولك لا يشبه الأغاني.


يتكرر السؤال في الأغنية: «إزاي إزاي إزاي…»، لكنه يتجاوز معناه المباشر. لا يعود سؤالاً عن الشاي، بل عن كل ما يصعب تفسيره. كيف يمكن وصف واقع معقّد بكلمات بسيطة؟ كيف يمكن للطفولة أن تبقى حاضرة في مكان يضغط عليها بكل ثقله؟ وكيف يمكن للصوت الصغير أن يستمر، رغم الضجيج الأكبر من حوله؟


لا تقدّم هذه المشاهد إجابات واضحة، لكنها تكشف عن شيء أساسي، الأطفال لا ينتظرون تفسيراً كاملاً لما يحدث. هم يبتكرون طرقهم الخاصة للتعامل معه. في الغناء، يؤجّلون الخوف، وفي الضحك، يخفّفون وطأة الواقع، وفي المشاركة، يجدون شكلاً من أشكال التوازن.


في النهاية، قد يبدو المشهد بسيطاً، طفلان، كوب شاي، وأغنية. لكن خلف هذه البساطة، تقف طبقات من المعنى يصعب تجاهلها. إنه تعبير عن قدرة إنسانية عميقة على التكيّف، وعلى إيجاد مساحة للحياة، حتى في أكثر الظروف قسوة.


في غزة، حين يغنّي طفل، لا يكون ذلك تفصيلاً صغيراً يمكن المرور عليه بسهولة. إنه في حد ذاته حدث.


كاتبة لبنانية

 

أفراسيانت
الباحثون عن العدالة، الحرية، وحقوق الإنسان.!

 
  • عدد الزيارات 12356510
Please fill the required field.