- لا يمكن بناء شرعية مستدامة دون فتح المجال العام أمام القوى الحيّة في المجتمع للمساهمة في صنع القرار وتحمل المسؤولية.
- إعادة الاعتبار للمؤسسة بوصفها ضامناً للسيادة
افراسيانت - امجد اسماعيل الاغا - لا يمثّل التحديث السياسي في السياق السوري الراهن مجرد خيار من بين بدائل متاحة، بل هو استحقاق تُمليه ضرورة الانتقال إلى منطق بناء الدولة الوطنية، خاصةً أن الحدث السوري وطبيعة عناوينه الإشكالية يفترضان تحييد الأنماط التقليدية للحكم والرؤى السياسية.
إضافة إلى ذلك، كشف الواقع الراهن عن هوّة عميقة بين بنية السلطة القائمة وتطلعات المشروع الوطني العابر للاصطفافات؛ ومن هنا يبرز التحديث السياسي كضرورة وطنية في بنية العقل السياسي السوري، تهدف إلى إعادة الاعتبار للمؤسسة بوصفها ضامناً للسيادة، وللمواطنة بوصفها ركيزة للشرعية. وعليه، تنطلق هذه المقاربة من الحاجة الموضوعية إلى ترميم التصدعات في النسيج الوطني، وصياغة عقد اجتماعي جديد يحرّر المشروع الوطني من مأزق الارتهان، ويضعه في سياق الاستدامة المؤسساتية.
اتساقاً مع ما سبق، تقتضي القراءة المتأنية للمشهد السوري الراهن تجاوز المقاربات السطحية التي تؤطر الأزمة بعناوينها الحالية، والغوص في عمق البنية التأسيسية للدولة السورية، التي باتت في أمسّ الحاجة إلى عملية تحديث سياسي شاملة لا تقبل التأجيل. ومن ثم، تنبع الضرورة الوطنية لإعادة تقويم المسار من إدراك أن الاستمرار في النهج السياسي التقليدي لم يعد قادراً على احتواء التناقضات المجتمعية أو الاستجابة لمتطلبات المرحلة المعقدة.
فحالة الانسداد السياسي تجد جذورها في غياب المشروع الوطني الجامع، وهو الغياب الذي حوّل الحدث السوري من حراك نحو التغيير الشامل إلى حالة من التيه السياسي، حيث تلاشت العناوين الكبرى أمام صخب التفاصيل اليومية التي أرهقت السوريين، مما جعل القضية السورية تفتقر إلى بوصلة وطنية محلية قادرة على فرض إرادتها.
جوهر الحل يكمن في إطلاق مشروع وطني جامع يستمد شرعيته من قدرته على احتواء التعددية السورية داخل إطار مؤسسي صلب، يحمي الدولة من التفتت، والمجتمع من التهميش
في هذا السياق، يظهر بوضوح الشرخ العميق بين الخطاب الحكومي الرسمي وجوهر البعد السياسي للأزمة؛ فبينما يميل الخطاب الرسمي إلى التمسك بأدوات إدارية وسياسية كلاسيكية في التعاطي مع إشكالات الحدث السوري، يفرض الواقع استحقاقات وطنية تتجاوز منطق تسيير الأعمال إلى منطق صناعة السياسة.
ويلقي هذا التباين بظلال قاتمة على الشأن العام، حيث يفقد المواطن الثقة في قدرة المؤسسات القائمة على إحداث خرق حقيقي في أي مسار، ويتحوّل العمل السياسي إلى طقوس شكلية تفتقر إلى روح التشاركية الفاعلة. وعليه، فإن تعزيز التشاركية السياسية بمعناها الواسع هو صمام أمان لاستقرار الدولة، إذ لا يمكن بناء شرعية مستدامة دون فتح المجال العام أمام القوى الحيّة في المجتمع للمساهمة في صنع القرار وتحمل المسؤولية الوطنية. وهو ما يستدعي الانتقال إلى رحابة التعددية التي تؤمن بأن القوة تكمن في التنوع لا في النموذج الواحد.
بهذا المعنى، تفرض نظرية التحديث السياسي، في تجلياتها السورية، نفسها اليوم مدخلاً إلزامياً لإعادة تصويب الملف السوري برمّته؛ فهي تعني في جوهرها الانتقال من بنية السلطة القائمة على الولاءات الشخصية إلى بنية الدولة القائمة على المؤسسية والشرعية القانونية. وهنا يبرز الرهان الحقيقي؛ فإعادة بناء دولة حقيقية لا تبدأ بمجرد تبديل الوجوه أو إعادة تدوير النخب في مناصب السلطة، بل بقطيعة معرفية وسياسية مع المنطق الذي تُدار به هذه السلطة.
فالإشكال الجوهري ليس في من يحكم، بل في كيف يحكم، وفي المرجعية التي يستمد منها الحكم قوته. وفي المقابل، إذا استمر منطق الإدارة السياسية أداةً للهيمنة بدلاً من كونه وسيلة لتمثيل مصالح المجتمع وتدبير الخلافات سلمياً، فسنظل ندور في حلقة مفرغة من الأزمات المتلاحقة التي تستنزف مقدرات البلاد.
بناءً على ذلك، فإن أي مشروع جاد لبناء الدولة السورية المستقبلية يجب أن يُبنى على ركائز المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، والحياد الإيجابي لمؤسسات الدولة تجاه المكونات المجتمعية. وإلا فلن نكون أمام ولادة جديدة لسوريا، بل أمام إعادة تدوير للنموذج الشمولي الذي قاد البلاد إلى حافة الانهيار.
حالة الانسداد السياسي تجد جذورها في غياب المشروع الوطني الجامع، وهو الغياب الذي حوّل الحدث السوري من حراك نحو التغيير الشامل إلى حالة من التيه السياسي
كما أن تكرار الآليات ذاتها في إدارة الشأن السياسي مع انتظار نتائج مختلفة هو وهم تاريخي مكلف؛ فالدولة التي تُبنى على أساس إقصائي أو على منطق الغلبة تظل دولة هشة، مهما امتلكت من أدوات السيطرة والتحكم في مفاصل القرار.
لذا، فإن التحديث السياسي المنشود يكمن في صياغة عقد اجتماعي جديد يمنح السوريين الإيمان بأن الدولة هي بيت الجميع، وأن التغيير الحقيقي يمر عبر بوابة المؤسسات الراسخة التي تحمي الفرد من تغوّل السلطة، وتضمن للمجتمع مساراً آمناً نحو الاستقرار والنمو، بعيداً عن صدمات التحول العنيف أو الجمود القاتل الذي يمهّد لانفجارات قادمة.
ونتيجة لذلك، يظل التحديث السياسي الممر الإجباري لتجاوز حالة الاستعصاء التي وسمت المشهد السوري لسنوات. وبذلك، فإن جوهر الحل يكمن في إطلاق مشروع وطني جامع يستمد شرعيته من قدرته على احتواء التعددية السورية داخل إطار مؤسسي صلب، يحمي الدولة من التفتت، والمجتمع من التهميش.
خلاصة القول إن استعادة زمام المبادرة الوطنية، وترسيخ نظرية التحديث السياسي، يتوقفان بالدرجة الأولى على الجرأة في مراجعة أسس الحكم، والانتقال من شرعية مستندة إلى الغلبة إلى شرعية قائمة على الإنجاز والتشارك، خاصةً أن سوريا اليوم، في خضم مخاضها العسير، تقف أمام لحظة الحقيقة: إما التحديث السياسي الذي يعيد بناء الإنسان والدولة معاً، أو البقاء في دوامة المأزق الوطني التي تستنزف مقومات المستقبل.

