افراسيانت - القدس العربي - واجه العاملون الأوائل على التجارب النووية معضلة كبيرة تمثّلت بمسألة “الكتلة الحرجة” التي تحدد الكمية الأدنى من اليورانيوم (أو البلاتينيوم ونظرائه) التي تبدأ بعدها سلسلة تفاعلات نووية مستدامة. استخدم العلم الناتج في انفجار القنبلة النووية في هيروشيما عام 1945، لكنه فتح الباب للاستخدام السلمي للطاقة ومنها المفاعلات التي تنتج كهرباء بتكلفة أقل، وهو ما أعطى مثالا ساطعا على أن العلم سلاح ذو حدين.
لتفسير سبب فشل جولة مفاوضات إسلام آباد لوقف الحرب، قدّمت التصريحات التي أطلقها الطرفان، الأمريكي والإيراني، مثالا مشابها لفكرة “الكتلة الحرجة” آنفة الذكر، فحسب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، توصل الطرفان إلى اتفاق على أمور عديدة، لكن هناك أمرا واحدا فقط هو المهم، حسب تعبيره، وهو أن “إيران غير مستعدة للتخلي عن طموحاتها النووية”. النقاط الأخرى، كما يقول ترامب، “لا تساوي شيئا مقارنة بالسماح بأن تكون القوة النووية” في يد إيران!
أما محمد باقر قاليباف، رئيس مجلس الشورى الإيراني الذي رأس وفد بلاده للمفاوضات، فاعتبر أن واشنطن “لم تكسب ثقة طهران”، وهو ما كررته الخارجية الإيرانية التي رأت أن المفاوضات جرت في أجواء من “سوء الظن وعدم الثقة”.
إضافة إلى طلب الوفد الأمريكي من إيران تسليم كل كمية اليورانيوم المخصّب الموجودة بحوزتها، كشفت مصادر إيرانية وغربية لاحقا عن قضيتين “جوهريتين” أخريين كانتا السبب في فشل جولة المفاوضات، الأولى كانت طلب أمريكا من إيران فتح مضيق هرمز فورا، والثانية طلب إيران تعويضات عن الحرب تبدأ بالإفراج عن أصولها المحتجزة والمجمدة في دول عديدة بينها العراق وتركيا ولوكسمبورغ والبحرين واليابان وألمانيا.
ربطت طهران مطلب فتح مضيق هرمز بالتوصل إلى اتفاق نهائيّ يوقف الحرب، وردّت على مطلب تسليم اليورانيوم المخصّب بعرض مضاد رفضته الولايات المتحدة، فيما رفض الوفد الأمريكي، بدوره، الإفراج عن الأصول الإيرانية المحتجزة والمجمدة.
يثير تشديد الرئيس الأمريكي على موضوع المشروع النووي بالتحديد التساؤل عن سبب إعطاء الإدارة الأمريكية هذه الأولوية القصوى لدفن أي إمكانيات نووية إيرانية بالمطلق، بما في ذلك إمكانيات الاستخدام السلمي للطاقة النووية المراقبة دوليا، والتي كان الاتفاق الأمريكي – الإيراني السابق قد تمكن من تحقيقها.
لا يتعلّق الأمر هنا، في الواقع بأولويات أمريكا فعلا التي تبعد آلاف الكيلومترات عن إيران، بل بأولويات إسرائيل التي تتجاوز في أحلامها إخضاع منطقة الشرق الأوسط إلى التحوّل إلى “قوة عظمى”، كما قال بنيامين نتنياهو، وهو أمر لم تخفه إسرائيل بل وتم الإعلان عنه بأكثر الصور غطرسة وفظاظة، في مقال لافت في صحيفة عبرية تحدّث عن تحالف جديد سينشأ بعد الحرب على إيران، ويضم إسرائيل، و”إيران الجديدة” المؤيدة لإسرائيل، والهند، وهو تحالف سيقوم بمكافحة ما سمّاه “الإسلام السياسي”، والمقصود الضمنيّ فيه باكستان والسعودية وتركيا ومصر!
بدلا من اللجوء إلى حلول دبلوماسية ممكنة، قرّر الرئيس الأمريكي بدء حصار بحري على إيران، وهو أمر يمكن أن يتطوّر مجددا لاستئناف الحرب، إضافة إلى كونه لا يحلّ مشكلة المضيق بل يعقّد المسائل بشكل سيؤثّر بشكل خطير على الاقتصاد العالمي، وعلى دول المنطقة العربية، وعلى مجمل الشرق الأوسط.
الأقرب للمنطق كان وصول الطرفين إلى حل معادلة “الكتلة الحرجة” بينهما، عبر حلول وسط لا تعتبر كسرا للمفاوضات ولا تؤدي لانفجار جديد، وحتى وصول إدارة ترامب إلى هذه القناعة، يبدو أن العالم سيتعرّض لهزّات خطيرة.

