افراسيانت - كثف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي جهوده الدبلوماسية مع دول الخليج سعيًا لتأمين قدرات جوية حيوية، بما في ذلك منظومات صواريخ باتريوت، في ظل توسع نطاق حرب الطائرات المسيّرة خارج أوكرانيا إلى الشرق الأوسط.
وفقا لتقرير تليجراف، تعكس استراتيجية كييف حالة من الاستعجال وفرصة سانحة: فبينما لا تزال أوكرانيا تواجه هجمات جوية روسية متواصلة، تواجه دول الخليج الآن تهديدات مماثلة من طائرات مسيّرة إيرانية الصنع، مما يخلق تحديًا أمنيًا مشتركًا.
حرب الطائرات المسيّرة تتوسع عبر المناطق
لسنوات، خاضت أوكرانيا معركة ضد هجمات روسية واسعة النطاق بالطائرات المسيّرة والصواريخ، حيث واجهت في كثير من الأحيان وابلًا ليليًا من أكثر من 100 طائرة مسيّرة تستهدف البنية التحتية الحيوية. لم يعد هذا التهديد محصورًا في أوروبا الشرقية..واذا كانت الطائرات المسيرة الاوكرانية بهذه الفعالية التي يصفها بعض الاعلام ؟ فلماذا لا تستطبع هذه الطائرات اعتراض الطائرات المسيرة الروسية ؟
يحاول زيلينسكي ترسّيخ مكانة أوكرانيا كشريك أمني ومزود للدعم. وخلال زيارة إلى قطر، وقّع اتفاقية دفاعية تركز على التعاون التكنولوجي والاستثمار المشترك والخبرات في مجال مكافحة الطائرات المسيّرة.
كما نشرت أوكرانيا نحو 200 متخصص في دول من بينها السعودية وقطر والإمارات والكويت لتبادل الخبرات العملياتية في مواجهة هجمات الطائرات المسيّرة.
يشير هذا التواصل إلى نية كييف في تحويل خبراتها الميدانية إلى رصيد دبلوماسي، ما قد يتيح لها الوصول إلى أنظمة متطورة مثل صواريخ باتريوت الاعتراضية.
عدم التوازن في التكاليف يحفز الابتكار
يُعدّ عدم التوازن الاقتصادي أحد أبرز التحديات في حرب الطائرات المسيّرة الحديثة. تُقدّر تكلفة طائرات شاهد الإيرانية المسيّرة ما بين 30000 و50000 دولار أمريكي، بينما يُشكّل اعتراضها بصواريخ باتريوت - التي تُقدّر قيمتها بحوالي مليون دولار أمريكي للصاروخ الواحد - تكلفة باهظة وغير مستدامة.
مقايضة محتملة: تكنولوجيا مقابل صواريخ
ألمح زيلينسكي إلى إمكانية تبادل محتمل: تكنولوجيا الطائرات المسيّرة الأوكرانية وخبرتها الميدانية مقابل حصوله على أنظمة صواريخ باتريوت من دول الخليج.
فعلى سبيل المثال، طلبت السعودية مؤخرًا 730 صاروخ باتريوت اعتراضي من الولايات المتحدة في صفقة بلغت قيمتها 9 مليارات دولار، ما يجعلها مصدرًا محتملًا لكييف.
الدبلوماسية تتجاوز الدفاع
إلى جانب التعاون العسكري، يبحث زيلينسكي أيضًا دورًا دبلوماسيًا لدول الخليج في الوساطة لحل النزاع المتعثر مع فلاديمير بوتين.
مع تعثر جهود وقف إطلاق النار بقيادة الولايات المتحدة، ترى أوكرانيا في دول الخليج المحايدة وسيطًا محتملًا قادرًا على حث روسيا على إعادة النظر في شروطها، ولا سيما مطالبها بتنازلات إقليمية.
أشار زيلينسكي إلى أن قادة الخليج بإمكانهم المساعدة في تيسير وقف إطلاق النار، وهو ما قد يُعيد تشكيل مسار الحرب.
سواء أثمر هذا النهج أنظمة باتريوت، أو اختراقات دبلوماسية، أو علاقات دفاعية أعمق، فإنه يُؤكد تحولًا أوسع: لم تعد الحرب الحديثة محصورة في حدود جغرافية، وكذلك التحالفات المُشكَّلة لمواجهتها.
في كل الاحوال ورغم الضجيج الاعلامي الكبير الذي رافق جولة الرئيس الاوكراني الى منطقة الشرق الاوسط فانه لم يستطع اخفاء الطلب على الأسلحة الروسية؛ بل من المرجح أن يعتبر المسؤولون في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أي اتفاق جزئي أو مؤقت بشأن أوكرانيا بمثابة ضوء أخضر للإسراع في الاستفادة من سلاسل التوريد الجديدة لموسكو، لذا يتعيّن على واشنطن أن تتهيأ لذلك.
تحاوب لبعديد من وسائل الاعلام المحسوبة على الغرب الايحاء بان علاقات روسيا الدفاعية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تضررت بشكل كبير نتيجة حربها في أوكرانيا. ومع ذلك، فإنّ التوصّل إلى اتفاق سلام، أو تخفيف العقوبات، أو حتى التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق نار طويل الأمد، قد يوفر لروسيا فرصة لاستئناف مبيعات الأسلحة وتقديم الدعم الأمني إلى الشرق الأوسط وأفريقيا ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ.
وقد يُفاجَأ الغرب بمدى السرعة التي قد يسعى بها شركاؤه التقليديون في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى إعادة تطبيع العلاقات مع روسيا. وهذا ما ئؤرق واشنطن التي تريد ان تتهيأ مسبقاً لمنع عودة روسيا المحتملة.
الشرق الأوسط لا يزال مهتماً
قبل غزو أوكرانيا في عام 2022، كانت موسكو تحتل المرتبة الثانية بين أكبر مورّدي الأسلحة إلى الشرق الأوسط، غير أنها باتت الآن في المرتبة الثالثة. وقد واجهت روسيا عدداً من القيود التي أثّرت في قدرتها على تصدير الأسلحة، من بينها العقوبات الغربية، والرقابة على الصادرات، واستبعادها من نظام الدفع الدولي "سويفت"، فضلاً عن تحول أولوياتها الداخلية نحو دعم قواتها في أوكرانيا.
ونتيجة لذلك، وفي ظل منطقة تشهد في الأساس تنوعاً في مصادر شراء الأسلحة من قوى دولية متعددة، باتت دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تتجه بشكل متزايد نحو البحث عن مورّدين بديلين للتجهيزات الدفاعية المصنوعة في روسيا. كما أسهم سقوط نظام بشار الأسد في سوريا في كانون الأول/ديسمبر الماضي في تراجع مبيعات الأسلحة الروسية في المنطقة .
ومع ذلك، لا تزال دول المنطقة تبدي اهتماماً ملموساً بالأسلحة الروسية. ويُشير عدد من كبار المسؤولين في المنطقة، خلال أحاديث خاصة، إلى أن العقوبات الغربية وعجز روسيا عن تنفيذ العقود القائمة هما السبب الرئيسي وراء انخفاض صادراتها من الأسلحة. بعبارة أخرى، لم ينخفض الطلب على الأسلحة الروسية، وهنا يرى البعض أن أداء هذه الأسلحة كان فاعلا في أوكرانيا، كذلك فأن الأنظمة التي تُصدّرها روسيا إلى المنطقة - وخصوصاً الطائرات، ومحركات الطائرات، والصواريخ - لا تزال تؤدي بشكل جيد، أو على الأقل بما يتناسب مع تكلفتها.
قاعدة الصناعات الدفاعية الروسية لا تزال قوية
يُوجَّه الاقتصاد الروسي بالكامل في الوقت الراهن نحو الإنتاج العسكري. ويُقِر المسؤولون الغربيون، في الأوساط الخاصة، بأن روسيا تُنتج حالياً ذخائر أكثر من مجموع ما تنتجه جميع دول حلف شمال الأطلسي. على مدى العامين الماضيين، أنشأت الصناعات الدفاعية الروسية سلاسل إمداد جديدة بالكامل بهدف تجاوز العقوبات خلال فترة الصراع. فقد وجهت روسيا إنتاجها إلى الداخل، لزيادة إنتاج الطائرات المسيرة والذخائر الموجهة بدقة، مثل "جيران-2" و"جيران-3 "، التي تُهاجم أوكرانيا الآن بالمئات يومياً. ورغم أن العقوبات ألحقت ضرراً بالاقتصاد الروسي، إلا أنها لم تكن كافية لدفع الكرملين إلى تقديم تنازلات تنهي الحرب.
يستمر تدريب الجنود الروس على خطوط القتال وتزويدهم بالمعدات، بدعم من مجموعة واسعة من معدات الاتصالات، كما تتم حمايتهم من هجمات الطائرات المسيرة باستخدام أنظمة الحرب الإلكترونية. ولا تزال غالبية القوات المسلحة الروسية بمنأى نسبياً عن المشاركة المباشرة في القتال، وقد استخلصت دروساً ثمينة - وإن كانت باهظة الثمن - من الحملة العسكرية، يُرجّح أن تُطبَّق في الحروب المستقبلية. كذلك فإن البحرية الروسية ما تزال تحتفظ بقدراتها العملياتية، بل تواصل إنتاج سفن جديدة وتحديث أسطولها، حتى في خضم الصراع القائم.
روسيا ستكون قادرة على تقديم المزيد بعد الحرب
تتمتع روسيا بفرصة حقيقية للخروج من الحرب في أوكرانيا بينما تمتلك مجموعة أوسع من العروض للمشترين المحتملين للأسلحة في الشرق الأوسط، مقارنة بما كانت عليه قبل اندلاع النزاع. كما ستحظى بقاعدة صناعية دفاعية قوية موجهة نحو التصدير. وفي سيناريو ما بعد الحرب، من المرجح أن تصبح روسيا واحدة من الدول الرائدة عالمياً في مجال الطائرات المسيّرة الهجومية أحادية الاتجاه والذخائر عالية الدقة، بفضل صناعتها الدفاعية الآخذة في النمو، وتعطشها لعقود تسليح جديدة في الخارج بعد سنوات من الحرب المستمرة، وما صاحبها من توسع في قطاع الدفاع لتعزيز الطاقة الإنتاجية.
علاوة على ذلك، لن يستمر التراجع في مبيعات الأسلحة الروسية على الصعيد العالمي بمجرد انتهاء القتال أو توقفه مؤقتاً. وبناءً على معدلات الإنتاج خلال العامين الماضيين من الحرب، أصبحت قاعدة الصناعة الدفاعية الروسية أقوى، وهي الآن قادرة على إنتاج أنظمة أسلحة معينة بمعدلات أعلى مما كانت عليه قبل الحرب، مع تطوير أنواع جديدة تماماً من الأسلحة لدعم العمليات العسكرية الروسية.
على سبيل المثال، أصبحت روسيا الآن تنتج صواريخ أكثر مما كانت تنتجه قبل الحرب، وكذلك دبابات بأعداد تفوق تلك التي تُستهلك في القتال. كما قامت روسيا بتحويل الطائرات المسيّرة الإيرانية أحادية الاتجاه إلى طائرات "جران 2" والآن "جران 3" بسرعة فائقة. علاوة على ذلك، يتم تعديل مجموعة متنوعة من أنظمة الأسلحة الروسية التي فشلت خلال المراحل الأولى من الحرب بشكل مستمر، بهدف تحسين فعاليتها في القتال.
وقد لاحظ المشترون المحتملون للأسلحة في المنطقة ذلك بوضوح، حيث تواصل العديد من الدول الأفريقية دراسة توسيع علاقاتها مع روسيا، فيما ستظل دول مثل الجزائر تعتمد على روسيا لصيانة معداتها العسكرية المزودة روسياً إلى حد كبير.
على مدار العام الماضي، غالباً ما صورت المشاهد التي تناقلتها وسائل الإعلام والتقارير الإخبارية من أوكرانيا حرباً تشبه صراعات أخرى من منتصف القرن الماضي. حيث تنتشر دبابات وطائرات مقاتلة وسفن حربية ومركبات برمائية وطائرات عمودية هجومية. وفي المقابل، توجد الأسلحة المضادة للدبابات وقاذفات القنابل والصواريخ المضادة للطائرات. هذا هو مقدار الحرب الذي يظهر على الأرض.
ولكن هناك جانب آخر للصراع - ساحة معركة حديثة للغاية حيث تؤدي الطائرات دون طيار والروبوتات القاتلة دوراً مهماً في مهام المراقبة والاستطلاع والقتال. وقد تنذر هذه التقنيات بعالم تجري فيه النزاعات المسلحة إلى حد كبير عن طريق التحكم عن بعد، وربما في يوم من الأيام عن طريق الذكاء الاصطناعي، ويطلق البعض عليها حرب الخوارزميات أو الحروب الإلكترونية.
أصبحت الحرب في أوكرانيا مختبراً للحروب المستقبلية، حيث يؤدي الابتكار بقيادة المدنيين والعسكريين دوراً حيوياً في ساحة المعركة. ويتناول هذا التحليل تصنيفاً لأهم الأسلحة التي أثبتت نجاح دمج التكنولوجيا مع الأسلحة أو ما يُعرف "بتسليح التكنولوجيا" في حرب أوكرانيا على مدار العام الماضي، وإلى أي مدى يمكن أن يغير شكل المعركة والأسلحة المتوقع استخدامها في الفترة المقبلة.
أنماط تسليح التكنولوجيا: الطائرات دون طيار
يعد تكييف التقنيات للاستخدام العسكري واستخدامها بطرق مبتكرة وجديدة في ساحة المعركة، سمة رئيسية للحرب الروسية الأوكرانية، فقد استخدم كلا الجانبين مجموعة واسعة من المركبات الجوية غير المأهولة "UAVs" - أو الطائرات دون طيار - لأغراض الاستطلاع والهجوم.
في البداية، كان يُنظر إلى الطائرات العسكرية دون طيار الرئيسية في أوكرانيا من طراز "Bayraktar TB2"، على أنها تغير قواعد اللعبة، حيث ساعدت في تدمير العديد من أنظمة المدفعية الروسية والعربات المدرعة. ويبلغ سعرها التقديري 2.8 مليون دولار، وهو - رغم أنه لا يزال باهظاً – يُعد أرخص بكثير من الطائرات القتالية التقليدية دون طيار المستخدمة في صراعات أخرى، مثل "ريبر" الأمريكية البالغة 32 مليون دولار.
لكن الحرب الحديثة كشفت عن نقاط ضعف الطائرات دون طيار الأكبر والمكلفة، حيث من المحتمل أن يتم إسقاطها بواسطة أنظمة الدفاع الجوي المتقدمة. وتقول جوليا مورافسكا، محللة الدفاع في المملكة المتحدة: "الطائرات دون طيار بطبيعتها معرضة لهجمات العدو وتضيع بشكل روتيني في ساحة المعركة، ولهذا السبب فإن استخدام طائرات دون طيار رخيصة ومتاحة تجارياً لتنفيذ المهام العسكرية أمر ضروري للغاية، وهناك حاجة لكميات هائلة منها".
على الجانب الروسي، ظهرت الطائرات دون طيار الإيرانية الصنع "شاهد –136" "كاميكازي" كسلاح روسيا المفضل في سبتمبر من العام الماضي، حيث استخدمت موسكو أسراباً منها، ويصل وزن تلك الطائرات إلى 50 كيلوغراماً، ويبلغ طول جناحيها حوالي 2.5 متر، وتبلغ تكلفتها أقل من 20 ألف دولار ويمكنها الطيران على ارتفاع منخفض بدرجة كافية بحيث لا يتم اكتشافها في كثير من الأحيان.
وتشير بعض التقديرات إلى أن روسيا أرسلت 400 طائرة مسيرة هجومية إيرانية الصنع منذ أغسطس 2022. وعلى الرغم من أن هذا رقم صغير مقارنة بآلاف الصواريخ التي تقصف بها روسيا أوكرانيا، إلا أن اعتراض الطائرات دون طيار التي تحلق في مجموعات قد يكون أكثر صعوبة. كما أن تكلفة تصنيع الطائرات دون طيار أقل ويمكن إرسالها بأعداد متزايدة باستمرار.
على الرغم من ادعاء كييف أنها تمكنت من إسقاط نسبة كبيرة من طائرات "شاهد -136" في أواخر العام الماضي، إلا أنها نجحت بما يكفي في إلحاق أضرار جسيمة بمحطات الطاقة الأوكرانية.
وقال وزير الدفاع أوليكسي ريزنيكوف إن الجيش الأوكرانى يعتزم إنفاق ما يقرب من 550 مليون دولار على طائرات دون طيار في عام 2023، وقد تم بالفعل توقيع 16 صفقة توريد مع الشركات المصنعة الأوكرانية. وقال أيضاً إن البلاد تخطط لتطوير قتال جو-جو "طائرات دون طيار متفجرة".
في الحرب الروسية الأوكرانية، يُعد اعتراض "الذخائر المتسكعة" والمعروفة أيضاً باسم "الطائرات دون طيار الانتحارية" أكثر تكلفة بكثير من نشرها. إن استخدام مقاتلات "MiG-29" النفاثة وصواريخ "كروز" وغيرها من أسلحة حقبة الحرب الباردة لإيقاف هذه الطائرات دون طيار يتجاوز بكثير تكلفة إنتاج تلك الطائرات الروبوتية التي يمكن التخلص منها. ويمكن أن تصبح معارك الاستنزاف الجديدة عالية التقنية سمة منتظمة للصراعات المستقبلية، حيث يحاول كل جانب استنفاد موارد عدوه.
الطائرات الموجهة عن بعد
فئة أخرى من الطائرات دون طيار تشمل تلك القادرة على الطيران لمسافات أطول - 124 ميلاً "200 كيلومتر" أو أكثر - وعلى ارتفاعات أعلى - 2.5 إلى 5 أميال "4 إلى 8 كيلومترات" - من تلك المذكورة أعلاه. كما يمكن أن تكون مسلحة بصواريخ موجهة بالليزر، مما يزيد من قدرتها على الفتك. وفي الحرب الأوكرانية، تشمل هذه الطائرات المقاتلة الموجهة عن بعد "الطائرة التركية Bayraktar TB2"، التي حصل الجيش الأوكراني على عشرات منها، بتكلفة تبلغ حوالي 5 ملايين دولار لكل منها.
دور الشركات التكنولوجية متعددة الجنسيات:
إلى جانب تكنولوجيا التسليح المذكورة سالفاً، اتضح خلال الحرب الروسية الأوكرانية مدى خطورة الأدوار التي تؤديها شركات التكنولوجيا متعددة الجنسيات في الجغرافيا السياسية للحرب الحالية، حيث تم جر شركات التكنولوجيا إلى الصراعات، كما تقوم تلك الشركات بشكل مستقل بتشكيل الحرب في الوقت الفعلي من خلال تحديد القدرات التي يجب توفيرها، وما هي المقاومة التي تكون على استعداد لتحملها.
هذا يقود إلى واقع عالمي جديد. هو أنه لم يعد بإمكان أي دولة (أو مجموعة) لديها طموحات جيوسياسية أن تخطط فقط لكيفية استجابة الدول، ولكن يجب عليها أيضاً التفكير في كيفية استجابة شركات التكنولوجيا.
الإنترنت هو مثال ساطع. عندما بدأت الحرب، تحركت القوات الروسية لشل أوكرانيا من خلال السيطرة على البنية التحتية الحيوية - مثل محطات الطاقة النووية. فعلى سبيل المثال، محطة الطاقة النووية في زاباروجيا، التي سيطرت عليها روسيا، تولد خمس الكهرباء في أوكرانيا. لكن لم تنجح هذه الاستراتيجية مع الإنترنت. فبعد أيام قليلة من اندلاع الحرب، بدأت شركة "SpaceX" التي تتخذ من الولايات المتحدة مقراً لها، في تزويد الحكومة الأوكرانية بخدمة الإنترنت عبر الأقمار الاصطناعية " ستارلينك.
وتُعد صور الأقمار الاصطناعية حاسمة في الحرب الدائرة، لذا عطلت "Google" وظائف حركة المرور المباشرة في أوكرانيا، وهي ميزة يمكن أن تمنح روسيا نظرة ثاقبة على مواقع القوات الأوكرانية. وكانت روسيا فقط هي التي لديها "عيون" على أوكرانيا، من خلال صور الأقمار الاصطناعية، لأن روسيا كانت واحدة من الدول القليلة ذات القدرات الفضائية العالية.
حروب المستقبل:
بعد استمرار حرب أوكرانيا، توصف الحرب بأنها "إرساء مبادئ للقرن الحادي والعشرين". من نواحٍ عديدة، ويُنظر إلى هذا الصراع على أنه حالة اختبار لحروب المستقبل. في حين أنه من السابق لأوانه استخلاص دروس محددة، فقد ظهرت بالفعل بعض الأفكار المهمة.
التطور التدريجى للتحولات التكنولوجية في تلك الحرب: إحداها أن الحرب لا تشهد التحولات التكنولوجية البراقة التي توقعها بعض المستقبليين. بدلاً من ذلك، تكون التغييرات تدريجية ومركزة. ويجري تعديل التكنولوجيا لإتاحة مزيد من الوصول إلى المعلومات وتقاسمها؛ حيث ظهرت التقنيات القائمة على أجهزة الاستشعار في مجموعة متنوعة من الإعدادات؛ والبيانات التشغيلية التي يتم جمعها واستخدامها لتدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي (AI).
الاستخدام المزدوج للتطور التكنولوجي: وصفت الحرب في أوكرانيا أيضاً بأنها "حرب الهواتف الذكية"، حيث أسهم العديد من المراقبين، بمن فيهم الجنود على الأرض، في رواية القتال الدائر عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وتم التقاط لقطات أخرى بواسطة أقمار اصطناعية تجارية وطائرات دون طيار. ويُعد توفير لقطات محدثة إحدى الطرق التي تستخدمها الجيوش لمواجهة المعلومات المضللة.
ويوضح الاستخدام العسكري للهواتف الذكية والطائرات التجارية دون طيار طبيعة الاستخدام المزدوج للتطور التكنولوجي، حيث يتم بعد ذلك استخدام التكنولوجيا المطورة للاستخدام المدني في الحرب. بعبارة أخرى، قد تؤدي التطورات في التقنيات التجارية إلى تشكيل ما يظهر في ساحة المعركة.
ستكون حروب المستقبل حول الحد الأقصى من الطائرات دون طيار والحد الأدنى من البشر: أثبتت ساحة الحرب بأوكرانيا التفوق الاستراتيجي للطائرات دون طيار على باقي الأسلحة.
استخدام تقنيات الأسراب: توقع الاستراتيجيون العسكريون وصول ما يسمى "سرب" الطائرات دون طيار، وهي مجموعة كبيرة من آلات الطيران الصغيرة التي ستعلن عن حقبة جديدة من الحرب الذكية.
وستكون آلاف الطائرات الروبوتية صغيرة الحجم غير المرئية عند انتشارها، لكنها قادرة على الاندماج على الفور في سحابة مظلمة. ويقول عنها صمويل بينديت، خبير الأسلحة الروسية في مركز التحليلات البحرية: "في سرب - تماماً كما هو الحال في سرب الحشرات، في سرب الطيور - تفكر كل طائرة دون طيار بنفسها، وتتواصل مع الآخرين، وتشارك المعلومات حول موقعها في السرب، والتهديدات المحتملة القادمة، وماذا تفعل حيال ذلك، خاصة عندما يتعلق الأمر بالتغييرات في الاتجاه أو التغييرات في تكوين السرب".
ولا تزال الأسلحة التي نشرها الجانبان الروسي والأوكراني بعيدة عن هذا الكابوس الكامن المحتمل. وسيستخدم السرب الذكاء الاصطناعي للسماح للطائرات الفردية دون طيار بالتصرف بشكل مستقل مع تسخير حكمة المجموعة أيضاً. وأفاد ديفيد هامبلينج، في كتابه الصادر عام 2015، Swarm Troopers""، بأن مهندسي البرمجيات تمكنوا بالفعل من محاكاة تلك الأسراب الكبيرة في الطبيعة عن طريق برمجة طائرات دون طيار بـ3 تعليمات بسيطة: فصل، أو الحفاظ على مسافة دنيا معينة من الآخرين؛ محاذاة، أو البقاء على نفس المسار مع جيرانك؛ وتماسك، أو محاولة التحرك نحو متوسط موضع جارك.
وبناءً على التعليمات، ستتحرك أسراب الطائرات دون طيار في السحب التي تعمل ككيان واحد، ربما يكون منتشراً على نطاق واسع في البداية، لإخفائها عن الرادار، فقط لتلتقي على هدف في اللحظة الأخيرة. سيكون السرب قادراً على الرد على التهديدات دون تدخل بشري - تغيير المسار أو السرعة أو الارتفاع، والمناورة حول مساحات جوية محمية بشدة - ويمكن أن يمتص خسائر فادحة دون توقف، وتدميره للأهداف شديد للغاية.
من خلال جعل أي هدف تقريباً غير قابل للدفاع، يتخيل الخبراء العسكريون، أن مثل هذه الأسراب – أو ما يطلقون عليها "عصابات الحصى" - ستجعل الحرب "مستحيلة". ومن المتصور أن تنقلنا أسراب الطائرات دون طيار إلى عصر الحرب بين جيوش الروبوت المتنافسة. وقد يؤدي ظهورها أيضاً إلى دخول ساحات معارك الذكاء الاصطناعي بشكل كامل، حيث يجب اتخاذ قرار إطلاق النار أو الانفجار بشكل أسرع مما يمكن أن يتفاعل معه البشر.
يمكن القول إن روسيا والغرب لن يتخلوا عن تحقيق ما يمكن وصفه بأنه انتصار في حربهما "الوجودية". هذا يعني أن الحرب ستستمر. لذلك، لن تكون هذه الحرب الهجينة بمثابة اختبار جيد للتقنيات الحالية فحسب، بل ستكون أيضاً مبرراً لتطوير التقنيات العسكرية المتقدمة. ومع عدم وجود نهاية تلوح في الأفق للحرب في أوكرانيا، فإن المسرح مهيأ لشركات التكنولوجيا الأخرى لاتخاذ إجراءات أكثر جرأة، ومع اندفاع أبحاث الأسلحة المستقلة إلى الأمام، تلوح في الأفق إمكانية نشوب حرب روبوتية.
في المحصلة , هنالك شكوك كثيرة في ان باستطاعة تكنولوجيا الطائرات المسيرة الاوكرانية مواجهة واعتراض التكنولوجيا الروسية للطائرات المسيرة والامثلة واضحة للعيان من خلال عمل الظائرات الروسية الحالي فوق الاراضي الاوكرانية كما ان هنالك شكوكا متزايدة حول قدرة اوكرانيا بالنجاح في تهجين النموذج الشرقي اي السلاح السوفياتي التي تمتلكه اوكرانيا بالنموذج الغربي الذي تلقته اوكرانيا سواء من الولايات المتحدة الامريكية او من اوربا , ومن الواضح هنا ان جولة زيلينسكي في منطقة الشرق الاوسط قد بولغ بنتائجها.

