رأي

أمريكا: إدمان الحرب وعقدة ماركو روبيو

أمريكا: إدمان الحرب وعقدة ماركو روبيو

افراسيانت - د. مدى الفاتح - من المريح كيل الاتهامات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب وتحميله وزر الفوضى، التي تقوم بها بلاده في أكثر من مكان، بما في ذلك الحرب الأخيرة على إيران، لكن هل يعبر ذلك عن الواقع فعلا؟ وهل سنشهد سياسة أمريكية أكثر عقلانية في حال تم استبدال ترامب بأي اسم آخر؟


الحقيقة التي لا تنكر هي أن أسلوب ترامب وطريقته في الحديث، وفي التعبير عن أفكاره، وكذلك صراحته وهو يعبر عن احتقاره للمنظمات الدولية وللقانون الدولي، وحتى المؤسسات الأمريكية المحلية، كل هذا هو أمر فريد وخاص به، حيث يصعب علينا تخيل بايدن، أو أوباما، أو أي رئيس سابق وهو يوجّه الإهانة لغيره من الرؤساء، أو يستخدم كلمات بذيئة في محفل رسمي بالطريقة، التي رأيناها مع ترامب.

مع ذلك، فإنه يصعب تجاهل تاريخ الولايات المتحدة الطويل مع الحروب العبثية ورعاية الانقلابات ومحاولات نشر الفوضى، التي لم تكد تسلم منها أي قارة، بل إن التاريخ الأمريكي الحديث لم يكن سوى تاريخ التدخلات العسكرية والسياسية في البلدان.


إبان ترشح ترامب الأولى للرئاسة كان منافسه روبيو نفسه لنيل ترشيح الحزب الجمهوري. حينها كان يصف ترامب بأنه «محتال»، وأن حكومة تحت قيادته ستكون فوضى.


أما الحرب، فإن للولايات المتحدة معها قصة طويلة، فقد شبّ ذلك البلد الحديث عن الطوق وهو مهووس بمهمة إخضاع العالم وامتلاك القوة، في سبيل ذلك لم يكن السياسيون الأمريكيون يترددون في إظهار أعظم درجات القوة في لحظات التحدي والمواجهة.

ستيفان والت الأستاذ في جامعة هارفارد، كان سمى هذه الحالة في إحدى مقالاته بـ»إدمان الحرب» قائلا، إن الولايات المتحدة لا تملك التخلي عن هذا الإدمان، وعن ممارسة إشعال الحروب، على الرغم من إعلان كل رئيس في بداية فترة حكمه أن عهده سيكون عهد سلام.

في هذه القضية تختلف الولايات المتحدة عن غيرها من البلدان اختلافا جوهريا بسبب أنها، بعكس غيرها، لا تدفع في الغالب تكلفة حروبها، فيمكنها ببساطة أن تستدين، من دون أن يشعر مواطنوها بثقل هذا الدين، بسبب سيطرة واشنطن على الاقتصاد العالمي وتحكمها في مفاصله. هذا يجعل من السهل أن يصف الرؤساء الأمريكيون غيرهم من الدول الحليفة بالتردد والضعف إزاء قرارات الحرب، والحقيقة هي أن ثقل هذه الحروب يقع بالدرجة الأولى على الدول الأخرى، أما الولايات المتحدة، فبسبب موقعها أولا وسيطرتها المالية، وكذلك بسبب ما تحصل عليه من استفادة غير مباشرة، عبر تمويل صناعتها العسكرية المزدهرة، فتبقى في مأمن.

هكذا يمكننا أن نرى الأمر في حجمه الطبيعي، فما كان يمكن للرئيس ترامب أن يفعل ما فعله في فنزويلا، ومن ثم إيران، لولا وجود دعم من مؤسسات الدولة، خاصة خبراء السياسة الخارجية والأمن. أما ما يظهر في الإعلام الأمريكي والعالمي من تحميله وزر كل القرارات، واعتباره المسؤول الوحيد، فيبدو أشبه بتكنيك تجهيز كبش فداء في حال باءت الخطط بالفشل، أو لم تسر الأمور كما كان معدا لها، بالإيحاء بأن كل ذلك هو خطأ فردي لرئيس متهور لا علاقة للدولة الأمريكية به.


في فريق المقربين من ترامب تبرز أسماء كثيرة لا يقل تأثيرها على المشهد الدولي من تأثيره، كصهره جاريد كوشنر وصديقه ستيف ويتكوف، اللذين يلعبان دور الوسطاء الدوليين وناقلي الرسائل الرفيعة، وكوزير الحرب بيت هيغسيث، الذي لا ينكر إعجابه بزمن الحروب الدينية، والذي يتعامل مع حرب إيران كحرب صليبية. مع أهمية هذه الأسماء يبرز اسم آخر يلعب أدوارا محورية في السياسة الخارجية ويسيطر فهمه للعالم على القرار الأمريكي، وهو ماركو روبيو وزير الخارجية الأمريكي.

روبيو ليس اسما جديدا على الساحة السياسية، فقد خدم في مجلس الشيوخ لأربعة عشر عاما، لكنه برز إلى دائرة الاهتمام العالمي إبان عملية فنزويلا، التي تم بها اختطاف الرئيس نيكولاس مادورو، ما أدى لتطويع البلد، الذي كان يبدو لعقود خارجا عن السيطرة. قيل حينها إن روبيو، الذي تعود أصوله إلى كوبا، والذي جربت أسرته مرارة العيش في ظل الشمولية الشيوعية، يملك رؤية كارهة لكل الأنظمة اليسارية، خاصة في أمريكا اللاتينية، ويدعو لإسقاطها وتغييرها، وأنه كان المحرك الرئيس لعملية كاراكاس، التي تمت بنجاح، ما جعل ترامب يفكر بتكرارها في دول أخرى كإيران وكوبا.

قصة عائلة روبيو المهاجرة، التي وصلت إلى الولايات المتحدة بلا مال وبلا لغة، ليعمل كل من والدته ووالده في أعمال بسيطة، كانت تمثل دليلا على قصص النجاح والاندماج، لكن المطلوب منها اليوم أن تكون هي ذاتها مصدر انطلاق لمعاقبة دول أخرى في ظل نظام يحاول تكريس العنصرية وكراهية المهاجرين.


العلاقة بين روبيو وترامب تبدو حاليا في أفضل حالاتها، حيث قال ترامب ذات مرة، إن روبيو ربما يستطيع حفر اسمه في التاريخ كأفضل وزير خارجية أمريكي. الطريف هنا هو أن الأمر لم يكن على الدوام كذلك، فإبان ترشح ترامب الأولى للرئاسة كان في منافسة مع روبيو نفسه لنيل ترشيح الحزب الجمهوري. حينها كان روبيو يصف ترامب بأنه «محتال»، وأن حكومة تحت قيادته ستكون «فوضى»، في حين كان ترامب يسميه «روبيو الصغير».


لم يكن ذلك هو التغير الوحيد في أفكار روبيو، الذي شبهته «إيكونومست» بالحرباء، التي تغير جلدها، بسبب أنه أراد أن يكون متماهيا مع رئيسه في توجهات كان يمتلك في السابق وجهة نظر مختلفة عنها، كمسألة الترحيل الجماعي للمهاجرين، وكالموقف من الحرب الأوكرانية، التي كان ينظر إليها في بدايتها نظرة أشبه بنظرة الأوروبيين المتعاطفين المطالبين بتسليح أوكرانيا لتمتلك القدرة على مواجهة روسيا.

حاليا يظهر روبيو بمظهر المفاوض المعتدل، الذي يمكنه إعادة لحمة العلاقات الأوروبية الأمريكية، التي تعرضت لتدمير كبير، خاصة بالمقارنة بنائب الرئيس المتشدد جي دي فانس. الطريف هو أن كثيرين، ومنهم الرئيس ترامب نفسه، يرون أن الرجلين يقدمان الرسالة نفسها، لكن بلغة مختلفة، حيث يميل فانس للخشونة والمباشرة، فيما يحتفظ روبيو بلغة أكثر دبلوماسية.


في المستقبل القريب ربما يكون الرجلان، روبيو وجي دي فانس، في تنافس على منصب الرئيس خلال الانتخابات القادمة، لذلك فإن الرجلين يتعاملان بحذر في مواجهة المواقف والتصريحات، التي يمكن أن يتم استدعاؤها، أو أن تستغل لاحقا في سياق التنافس الانتخابي، خاصة روبيو، الذي ظهر حذره هذا واضحا في تعامله مع الأزمات الدولية الحساسة كالحرب الإيرانية.


في الشرق الأوسط ينحاز روبيو لرؤية الحكومة الإسرائيلية ويدعم حربها على إيران، لكن أولويته، حتى وهو في منصب مستشار الأمن القومي، ظلت إعادة تشكيل أمريكا الجنوبية. روبيو، المصاب بالعقدة الكوبية، والذي يحمل النظام هناك وزر بقاء عائلته، وأعداد كبيرة من مواطنيه منفيين خارج بلادهم، يدعم تغييرا مماثلا لما حدث في فنزويلا في بلده الأصلي كوبا، بذريعة التخلص من الديكتاتورية ومن أجل إطلاق رصاصة الرحمة على النظام المتهالك هناك.


ربما لا يكون روبيو مسؤولا بشكل مباشر عن الأزمة الإيرانية، التي ورط فيها ترامب الجميع، لكن الأخير كان متأثرا بلا شك بتجربة كاراكاس، التي تم فيها، بتشجيع من روبيو، التخلص من رئيس مشاغب بشكل سلس، ما جعل فنزويلا تدخل حقبة جديدة. ما لم يحسب ترامب حسابه هو الاختلاف بين البلدين، وأن ظروف فنزويلا مختلفة عن طبيعة إيران.

 

أفراسيانت
الباحثون عن العدالة، الحرية، وحقوق الإنسان.!

 
  • عدد الزيارات 12356463
Please fill the required field.