رأي

سيف الإسلام القذافي.. رحيل يطوي ملفات أسرار محلية ودولية 

سيف الإسلام القذافي.. رحيل يطوي ملفات أسرار محلية ودولية 

افراسيانت - ليبيا بعد سيف الإسلام قد تبدو أقل تعقيدا من الناحية الأيديولوجية لكنها ستظل غارقة في انقساماتها، والفراغ الذي خلّفه لن يملأه مشروع وطني جامع بل سيتوزع بين مصالح وتحالفات متفرقة.

 

نهاية مشروع العودة إلى الماضي


لعقود طويلة ظل سيف الإسلام القذافي شخصية تتأرجح بين صورة الوريث الذي يحمل إرث والده الثقيل وصورة الإصلاحي الذي حاول أن يقدّم نفسه للغرب بوصفه وجها مقبولا. اغتياله في الزنتان في الثالث من فبراير 2026 أغلق صفحة طويلة من الجدل، لكنه فتح في المقابل بابا واسعا للتساؤلات حول مستقبل ليبيا، وحول طبيعة الفراغ الذي تركه في الداخل، وما إذا كان هذا الغياب سيعيد ترتيب موازين القوى على نحو يفضي إلى استقرار أو يكرّس دورة جديدة من الصراع.


لقد كان سيف الإسلام في مرحلة ما الرجل الأقوى في ليبيا بعد والده، رغم أنه لم يشغل منصبا رسميا. لعب أدوارا بارزة في صياغة السياسات، وتوسط في ملفات دبلوماسية حساسة، من التخلي عن أسلحة الدمار الشامل إلى دفع تعويضات لعائلات ضحايا لوكربي. حاول أن يقدّم نفسه مصلحاً، داعيا إلى دستور واحترام حقوق الإنسان، مستفيدا من تعليمه في كلية لندن للاقتصاد وإجادته الإنجليزية، وهو ما جعله مقرباً من حكومات غربية كانت تبحث عن بوابة للتعامل مع ليبيا. لكن لحظة الثورة عام 2011 كشفت الوجه الآخر، إذ اختار الولاء للعائلة والعشيرة، واصفا المعارضين بـ”الفئران”، ومهددا بأن أنهارا من الدماء ستسيل دفاعاً عن النظام. هذا التناقض بين الإصلاحي والوريث، بين صورة رجل الدولة وصورة ابن القبيلة، ظل يلاحقه حتى النهاية، وجعل منه رمزا متناقضا يجمع بين الأمل في الاستقرار والذاكرة المثقلة بالعنف.


رحيل سيف الإسلام أغلق صفحة طويلة من تاريخ ليبيا، لكنه لم يغلق أسئلة المستقبل. لقد طوى ملفات أسرار دولية، وأزال رمزا كان يثير الانقسام، لكنه ترك وراءه بلدا يبحث عن هوية جديدة.


بعد سقوط النظام، حكم عليه القضاء الليبي بالإعدام قبل أن يتمتع بالعفو، لكنه ظل مطلوبا لدى المحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية. قضى سنوات طويلة محتجزا في الزنتان، بعيدا عن حياة الترف التي عاشها في عهد والده، ثم عاد إلى الواجهة بإعلان ترشحه للرئاسة عام 2021، وهي خطوة ساهمت في تعقيد المسار الانتخابي وأثارت جدلا واسعا. كان ترشحه بالنسبة لأنصار النظام السابق بمثابة “بطاقة ضمان” أخيرة ضد مجهول المستقبل، وراية يمكن أن تتجمع تحتها القبائل والعائلات التي شعرت بالإقصاء بعد 2011. لكن بالنسبة لخصومه المحليين والدوليين، كان تهديدا لمسار التسوية، إذ اعتبروا أن عودته ستعيد إنتاج الماضي وتفشل أي محاولة لبناء دولة جديدة.


اغتياله أنهى عمليا أي أمل في إعادة إنتاج النظام القديم عبر شخصية تحمل الإرث والاسم والشبكات القديمة. القبائل الموالية في سرت ووادي الشاطئ ومناطق الجنوب ستجد نفسها بلا قيادة سياسية موحدة، تتنازعها ولاءات محلية ومصالح آنية.


في الشرق، سيقرأ خليفة حفتر الحدث كفرصة تاريخية. غياب سيف الإسلام أزال منافسا رمزيا كان يمكن أن يتحول، تحت ظروف معينة، إلى منافس فعلي على ولاء القبائل والجهات المحايدة. بالنسبة لحفتر، يمنح هذا الغياب مساحة أوسع ليقدّم نفسه القائد العسكري الوحيد القادر على فرض النظام وإعادة بناء الدولة. ببراغماتيته اللافتة، يمكن أن يستثمر هذا الفراغ في تعزيز صورته الدولية، وأن يجذب ولاءات القبائل الموالية سابقا للقذافي، محولا ولاءاتها من إطار أيديولوجي – تاريخي إلى إطار براغماتي – أمني. هذا التحول سيعزز عمق حفتر الاجتماعي، ويمنحه قاعدة أوسع في ترتيبات ما بعد الصراع.


في الغرب، سيقرأ عبدالحميد الدبيبة الحدث بطريقة مختلفة ولكنها متقاطعة في النتيجة النهائية. غياب سيف الإسلام سيعزز من شرعية حكومته باعتبارها السلطة التنفيذية الوحيدة المعترف بها دوليا، ويزيل تهديدا محتملا كان يمكن أن يشكله أي تحالف بين سيف الإسلام وخصومه المحليين. هذا سيسمح للدبيبة بتركيز جهوده على تعزيز سلطة الحكومة وتوسيع نفوذها الاقتصادي. في المقابل، قد تتجه القبائل الموالية للقذافي في الغرب إلى الاندماج في تحالفات حكومة الدبيبة مقابل ضمانات سياسية واقتصادية، مما يوسع قاعدة الدبيبة الاجتماعية ويضعف احتمالية ظهور معارضة قبلية موحدة.


اغتياله أنهى عمليا أي أمل في إعادة إنتاج النظام القديم عبر شخصية تحمل الإرث والاسم. القبائل الموالية ستجد نفسها بلا قيادة موحدة، تتنازعها ولاءات محلية ومصالح آنية.


على المستوى الدولي، يُتوقع أن يفتح غياب سيف الإسلام الباب أمام مقاربة أكثر مرونة تجاه ليبيا. اختفاء شخصية مثيرة للجدل ومطلوبة قضائيا يزيل إحدى العقبات النفسية والدبلوماسية التي كانت تعرقل انخراط بعض القوى الدولية، مما قد يسمح بتعامل أكثر انسيابية مع الأطراف الليبية القائمة. ومن المرجح أن يشهد المشهد الليبي دخول قوى جديدة تبحث عن موطئ قدم في شمال أفريقيا. الهند وباكستان، على سبيل المثال، قد تستمران في تحويل ليبيا إلى ساحة تنافس ناعم، حيث يرسخ الشرق علاقاته الأمنية والعسكرية مع باكستان، فيما يوسع الغرب شراكاته الاقتصادية والتقنية مع الهند. هذا التوازن الجديد قد يمنح الأطراف الليبية خيارات أوسع، لكنه في الوقت نفسه قد يفتح الباب أمام تنافس إقليمي طويل الأمد على النفوذ. أما القوى الغربية، وخاصة الولايات المتحدة والدول الأوروبية، فمن المرجح أن تجد في غياب سيف الإسلام فرصة لتسريع جهود التسوية السياسية، إذ لم تعد هناك خشية من عودة شخصية مثيرة للجدل قد تربك التفاهمات، مما قد يدفع هذه القوى إلى التعامل مع حفتر والدبيبة كطرفين رئيسيين في المعادلة الليبية.


لكن السؤال الأكبر يبقى معلقا: هل سيتحول هذا الفراغ الداخلي والانفتاح الخارجي إلى استقرار دائم، أم أنه سيقود إلى إعادة ترتيب جديدة لرقعة الصراع؟ من المرجح أن يشهد المشهد الليبي تبدلات في شكل التحالفات أكثر من تغييرات في جوهر الأزمة، إذ ستظل المشكلات البنيوية – من ضعف مؤسسات الدولة إلى اعتماد الاقتصاد على الريع، مرورا بالتوزيع غير العادل للثروة – قائمة ما لم تُطرح حلول جذرية. ليبيا بعد سيف الإسلام قد تبدو أقل تعقيدا من الناحية الأيديولوجية، لكنها ستظل غارقة في انقساماتها البنيوية. الفراغ الذي خلّفه الرمز القديم لن يملأه مشروع وطني جامع، بل سيتوزّع بين مصالح متفرقة وتحالفات متغيرة. والانفتاح الخارجي، رغم ما قد يحمله من فرص، ينطوي أيضا على خطر تحويل البلاد إلى ساحة تنافسات جديدة، بدلا من أن يكون جسرا نحو الاستقرار.


رحيل سيف الإسلام القذافي أغلق صفحة طويلة من تاريخ ليبيا، لكنه لم يغلق أسئلة المستقبل. لقد طوى ملفات أسرار دولية، وأزال رمزا كان يثير الانقسام، لكنه ترك وراءه بلدا يبحث عن هوية جديدة وسط صراع على السلطة والنفوذ. المستقبل وحده سيكشف إن كان هذا الغياب بداية لمسار مصالحة وطنية طال انتظارها، أم مجرد محطة عابرة في مسلسل الصراع الليبي المستمر.

 

أفراسيانت
الباحثون عن العدالة، الحرية، وحقوق الإنسان.!

 
  • عدد الزيارات 12389704
Please fill the required field.