الكاتب: فضائح إبستين ربما أوضحت في ظني أن "روما الجديدة" تعيد إنتاج ظروف انهيار الإمبراطورية الغابرة.
• كاليجولا على رمال الكاريبي.. حين يصبح الترف حصانة
افراسيانت - أيمن حامد بدر - إن مضاهاة الآباء المؤسسين للولايات المتحدة الأمريكية للهندسة المعمارية الرومانية في تشييد مبنى "الكابيتول"، وتبني مصطلحات سياسية مثل "مجلس الشيوخ"، لم يكن مجرد توجه جمالي أو محض صدفة، بل مثل إعلانا صريحا عن سعي واشنطن لتكون الوريث المؤسسي والسياسي لعظمة روما وقيمها الجمهورية.
بيد أن فضائح جيفري إبستين ربما أوضحت، في ظني، أن "روما الجديدة" تعيد إنتاج ظروف انهيار الإمبراطورية الغابرة، الذي لم يتم عبر الغزو الخارجي فقط، بل سبقه تآكل بنيوي في ضمير النخبة، عندما تحول وهم الاستثناء والقوة الغاشمة إلى غطاء لاستباحة القيم، واستحالت القوة المادية من أداة لحماية الدولة إلى وسيلة لتحصين الفساد ضد المساءلة.
نعم، أعتقد أن الوثائق التي تتوالى تفاصيلها المحزنة والمخزية أعادت تجسيد حقب الانحطاط الأخلاقي التي سادت قصور الأباطرة قديما، حين تتوغل السلطة المطلقة كأداة للتعالي على النظم القانونية، وتتحول الفضيلة إلى مجرد ستار لصراعات النفوذ والابتزاز السياسي.
أوضح تحليل الوثائق المسربة في القضية أننا لا نقف أمام مخالفات جنائية فردية، بل أمام مشهد يعيد إلى الأذهان حقب الانحطاط في روما القديمة جيفري.
إبستين.. تيبريوس الجديد!
قضية جيفري إبستين، الملياردير الأمريكي المدان بجرائم جنسية، الذي توفي في ظروف غامضة أثناء سجنه عام 2019، شهدت تطورات مفصلية مطلع العام الجاري عقب الكشف عن أرشيف ضخم من الوثائق المصنفة.
وبناء على مقتضيات قانون شفافية ملفات إبستين الذي أقر في أواخر عام 2025، أتاحت وزارة العدل الأمريكية في أوائل فبراير/شباط الجاري ما يقارب ثلاثة ملايين صفحة من الوثائق، مدعومة بآلاف الصور والمواد المرئية.
وتضمنت هذه الملفات سجلات ملاحة جوية، ومراسلات رقمية، وإفادات رسمية من ضحايا وشهود، كما وردت في الوثائق إشارات لشخصيات بارزة شملت رؤساء سابقين مثل بيل كلينتون وأوباما ودونالد ترمب، ورجال أعمال مثل بيل غيتس وإيلون ماسك، بالإضافة إلى أعضاء في عائلات ملكية ونخب أكاديمية.
من "كابري" إلى "ليتل سانت جيمس".. الفساد الأخلاقي كأداة سياسية!
أوضح تحليل الوثائق المسربة في القضية أننا لا نقف أمام مخالفات جنائية فردية، بل أمام مشهد يعيد إلى الأذهان حقب الانحطاط في روما القديمة. ويتجلى التشابه بين النخب المعاصرة والأرستقراطية القديمة في تحول النفوذ المطلق إلى حصانة ذاتية تجعل أصحابها يتجاوزون الأطر القانونية، وينسجون شبكات من التبعية القائمة على التورط، على غرار ما كان متبعا في قصور روما.
وتبدو جزيرة إبستين "ليتل سانت جيمس" على شواطئ البحر الكاريبي المعادل المعاصر لجزيرة "كابري"، التي اتخذها الإمبراطور تيبريوس مقرا لممارساته بعيدا عن الرقابة العامة، حيث تنتهك الكرامة وتُسخر الممارسات غير الأخلاقية كأدوات للضغط السياسي والابتزاز، لضمان ارتهان الشخصيات النافذة لمن يمتلك تلك السجلات السيادية. وتتبدى هذه الظاهرة بشكل أوضح عند استعراض عهود كاليجولا ونيرون، اللذين جسدا ذروة التعسف في استخدام السلطة.
قامت الجمهورية في روما على مبدأ "عادات الأسلاف" والنزاهة. وعندما بدأ القادة يفضلون مصالحهم الشخصية واللذات الحسية على المصلحة العامة، انهار العقد الاجتماعي.
"جينات الانحطاط": واشنطن تعيد إنتاج خطيئة روما الكبرى
ويمكن رؤية أوجه عديدة للشبه بين إبستين ووثائقه، وما كان يعرف في روما بـ"انحطاط النخبة"، هذا التشابه الذي يسبق عادة التحولات الكبرى أو الانهيارات التي يكون الفساد أول تجلياتها.
فوق القانون: الحصانة المكتسبة بالثروة
في روما كان الأرستقراطيون يمتلكون شبكات "رعاية". إذا ارتكب النبيل جرما، فإن علاقاته وثروته تجعلان ملاحقته قضائيا انتحارا سياسيا للقاضي.
وفي الحالة الحديثة، كشفت الوثائق كيف استطاع رجل واحد، عبر المال والابتزاز، أن يشتري صمت مؤسسات أمنية وسياسية لعقود، مما يخلق "طبقة نبلاء حديثة" لا تطالها القوانين التي تطبق على المواطن العادي.
حفلات باخوس والاستخدام السياسي
اشتهرت فترات الانحطاط، مثل عهود كاليجولا ونيرون، بالحفلات الماجنة التي كانت تستخدم لتوريط السياسيين أو إفسادهم لضمان ولائهم. فيما لم تكن الجزيرة الخاصة مجرد مكان للمتعة، بل كانت فخا للابتزاز. تصوير الشخصيات النافذة في أوضاع مخلة هو المعادل الحديث لاستخدام الفضائح الأخلاقية للسيطرة على مفاصل الدولة، تماما كما كان يدار القصر الإمبراطوري.
تآكل فضائل الجمهورية
قامت الجمهورية في روما على مبدأ "عادات الأسلاف" والنزاهة. وعندما بدأ القادة يفضلون مصالحهم الشخصية واللذات الحسية على المصلحة العامة، انهار العقد الاجتماعي.
وفي حالتنا يرى الكثيرون أن قضية إبستين دليل قاطع على أن النخبة الحاكمة فقدت بوصلتها الأخلاقية، ولم تعد تهتم بالقيم التي بنيت عليها الدولة، مما يؤدي إلى فقدان الإيمان بالمؤسسات، وهو بالضبط ما حدث قبل تحول روما من جمهورية إلى دكتاتورية إمبراطورية.
الخبز والألعاب
في روما كانت السلطة تلهي الشعب بالألعاب والقتال في "الكولوسيوم"، والاستمتاع بقتل الأبرياء القادمين من بقاع شتى، لتشتيت انتباههم عن الفساد السياسي. وفي الجزيرة المشبوهة، بدت الفضائح المسربة أحيانا كنوع من "الترفيه السياسي" أو الصدمات المتتالية التي تترك الجمهور في حالة ذهول وتشتت، بينما تستمر الصراعات الكبرى على النفوذ والمال بعيدا عن الأعين.
هل تدرك واشنطن أن وهم الاستثناء والتفرد هو ذروة الاغتراب عن السنن، وأنها بلغت لحظة الغروب المعنوي؟ أم ستمضي في أثر روما، سادرة في نرجسية القوة وبطشها، حتى يحيق بها القول ويطوى سجلها.
دور "الوشاة" والمحاكمات العلنية
في أواخر عهد الإمبراطورية، كثر المخبرون الذين كانوا يكشفون فضائح النبلاء للحصول على مكافآت أو لتصفية حسابات سياسية. وكم يشبه الإفراج الأخير عن الوثائق والشهادات المتتالية تلك المحاكمات الرومانية القديمة، التي كانت تهدف إلى تطهير النخبة أو استبدال نخبة بأخرى، عبر فضح المستور، للإيحاء بأنه لا أحد فوق القانون.
أرى أيضا أن الفضيحة الجديدة كشفت بوضوح أزمة ثقة بنيوية في النظام المؤسسي الأمريكي، ستتسع وتكبر مع الأيام والأحداث والاستقطاب الحاد في الداخل الأمريكي. ويمكن حصر تداعياتها الإستراتيجية في:
• تقويض الثقة في مبدأ العدالة الناجزة: كشفت القضية عن تباين في المعايير القانونية المطبقة على النخب مقارنة بعامة المواطنين، مما عزز الانطباع الشعبي بوجود نظام قضائي موازٍ يحمي ذوي النفوذ.
• الشك إزاء سلوك المؤسسات الأمنية: وضعت القضية مكتب التحقيقات الفدرالي ووزارة العدل أمام تساؤلات حرجة بشأن قصور الملاحقة القضائية في عام 2008، والملابسات التي أحاطت بوفاة إبستين داخل منشأة فدرالية عام 2019.
• توظيف القضية في الاستقطاب السياسي: تحولت "قوائم إبستين" إلى أداة للصراع الحزبي، حيث يتم استغلالها لتبادل الاتهامات بالفساد بين الأطراف السياسية، مما يؤدي إلى تفاقم الانقسام المجتمعي.
• التداعيات الدبلوماسية: إقحام أسماء قادة دول وشخصيات أجنبية جعل من هذا الملف قضية حساسة في السياسة الخارجية، ما يفتح المجال لاستخدامها كأوراق ضغط سياسي في العلاقات الدولية، أو ربما حدث هذا بالفعل.
• تنامي التفسيرات القائمة على نظريات المؤامرة: ساهم الغموض المحيط بمسارات القضية، لا سيما واقعة الوفاة أو الاغتيال، في توفير بيئة خصبة لترويج مفاهيم حول وجود "دولة عميقة" تدير شبكات غير قانونية، مما يصعب من مهمة الجهات الرسمية في استعادة السيطرة على السردية العامة.
وفي نهاية المطاف، ليست واشنطن وروما سوى تمثلات لنسق كوني يختصره القانون الإلهي: ﴿وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا﴾. هنا تكمن المعادلة؛ فحين تستحيل القوة إلى تأليه للذات، ويتحول الترف إلى حصانة ضد المساءلة، يبدأ التآكل الوجودي للدولة.
لكن هل تدرك واشنطن أن وهم الاستثناء والتفرد هو ذروة الاغتراب عن السنن، وأنها بلغت لحظة الغروب المعنوي؟ أم ستمضي في أثر روما، سادرة في نرجسية القوة وبطشها، حتى يحيق بها القول ويطوى سجلها، كأن لم تغنَ بالأمس؟
إنها حتمية ﴿وتلك الأيام نداولها بين الناس﴾، ذاك القانون الآخر الذي يؤكد أن القوة المادية ليست صكا للخلود. فالقوى العظمى التي تفقد مبررها الأخلاقي لا يتأخر جنازها المادي كثيرا.

