افراسيانت - عبدالحليم قنديل - لم يعد عاقل ولا مجنون يتساءل عن سبب إطاحة واختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، فقد أراحهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، من عبء اختلاط التفسيرات والصور، وأعلن بنفسه على الهواء وعلى منصته الاجتماعية الشخصية “تروث سوشيال”، أنه أمر الحاكمة الجديدة في “كاراكاس” الرئيسة المؤقتة ديلسى رودرجيز، وكانت نائبة معينة ـ لا منتخبة ـ للرئيس المختطف، ووزيرة البترول في الوقت ذاته، ووافقت على طلب ترامب بتوريد قرابة 50 مليون برميل بترول فنزويلي إلى معامل التكرير الأمريكية فورا، على أن تتولى الإدارة الأمريكية بيعها في السوق، وبقيمة تقارب 275 مليار دولار، يشرف الرئيس الأمريكي على كيفية توزيع عوائدها المالية لصالح الولايات المتحدة والشعب الفنزويلي، كما قال.
ولا حاجة لأحد أن يتساءل عن نصيب الشعب الفنزويلي من الغنيمة الأمريكية، فهي صفر أو أزيد قليلا على الصفر، وقد تذهب غالبا كما دلت تجارب السرقات الأمريكية لثروات الشعوب، إما إلى جيوب المتعاونين الفنزويليين، أو إلى شراء أسلحة أمريكية من مخازن “الخردة”، في حين تذهب أغلب الأموال إلى الخزانة الأمريكية مباشرة، أو إلى شركات البترول الأمريكية الكبرى، تحت عنوان التعويضات، وكدفعة أولى إلى شركة “شيفرون” بالذات، التي استثنتها وحدها وزارة الخزانة الأمريكية من قرارات حظر استلام البترول الفنزويلي الخاضع للعقوبات الأمريكية، وربما تضيف إلى الاستثناء الوحيد سماحا لشركة “إكسون موبيل” الأمريكية أيضا، التي تحتكر بترول “جوايانا” المجاورة لفنزويلا، مع بقاء الحظر ساريا على شركات البترول الأوروبية، التي لها مصالح في فنزويلا، وأولها شركتا “إينى” الإيطالية وشركة “ريبسول” الإسبانية، والشركتان معا تملكان حقل غاز “بيرلا” على السواحل الفنزويلية، وكانتا تزودان فنزويلا بالغاز اللازم لتوليد ثلث احتياجاتها من الكهرباء، وبمادة “النفتا” لتخفيف كثافة البترول الثقيل، ولهما 6 مليارات دولار ديونا على فنزويلا، كانتا تتقاضيانه في صورة أقساط مجانية من شحنات البترول، تماما كما كانت تفعل الصين الدائنة لفنزويلا بأكثر من 15 مليار دولار.
ولا حاجة لأحد للبحث عن وصف لما جرى ويجري، فهو سرقة علنية مباشرة وبالإكراه و”عينى عينك”، ومقطوعة الصلة بأي ادعاء عن قانون دولي، أو حتى قانون أمريكي، ولا بأي ادعاء عن تورط مادورو وزوجته المختطفين في تجارة المخدرات و”الكوكايين” و”الفنتانيل”، ولا بدعوى اعتقال ومحاكمة مادورو كطريد هارب من العدالة، وترامب نفسه يحتقر ما يسميه بالعدالة الأمريكية، وقد أصدر عفوا لنفسه عن إدانات جنائية صدرت بحقه من المحاكم الأمريكية، وأوقف سريان محاكماته عندما صار رئيسا للمرة الثانية، وبينما تتحدث الإدارة الأمريكية عن مادورو كرئيس غير شرعي، جاء ـ بزعمهم ـ بانتخابات مزورة، فإن ترامب نفسه وصف الانتخابات الأمريكية عام 2020 بأنها مزورة، ولم يحاكم سلفه بايدن الرئيس غير الشرعي في رأيه، اللهم إلا بالسباب والشتائم السوقية، بينما يحصل بايدن على معاش تقاعدي من أموال دافعي الضرائب قيمته 413 ألف دولار سنويا، أي أكثر من راتب الرئيس الحالي المقدر بنحو 400 ألف دولار سنويا، ويغرف لنفسه وعائلته المليارات من اتصالاته ومعارفه الأجانب كرئيس، ويبدو كزعيم لعصابة مافيا آل كابونى، على النحو الذي ظهر عليه في لقاءاته المتلفزة عقب اختطاف مادورو، وترديد الدعاوى عن الحرص على سلامة الأمريكيين والأمن القومي الأمريكي، بينما لا يعتقل أحدا من تجار المخدرات الأمريكيين، وكأن “الكوكايين” يصل إلى أنوف “الشمامين” الأمريكيين بغير وسيط محلي عامل في عصابات المخدرات الموصوفة بالإرهاب، بينما يستخدم اتهام المخدرات لتبرير القرصنة والاستيلاء على مقدرات الآخرين.
وقد لا تكون مزاعم ترامب جديدة تماما على تاريخ السياسة الأمريكية، فقد اختطفوا وحاكموا نورييغا رئيس بنما قبل 36 سنة، وحتى اتهام مادورو بتجارة المخدرات سبق رئاسة ترامب الثانية الحالية، وقد أعلنت كامالا هاريس نائبة الرئيس السابق، أن إدارة بايدن سبقت إلى مطاردة الرئيس الفنزويلي المختطف، وأقرت أنها وضعت مكافأة بقيمة 25 مليون دولار على رأس مادورو، وإن ادعت معارضتها لغزوة ترامب الهمجية المحتقرة لقواعد القانون الدولي، ولم يكن اختطاف مادورو ليتم على النحو الذي جرى عليه، إلا أن يكون إغراء المكافأة الأمريكية المرصودة قد لعب دوره، وبالذات بعد أن زادتها الإدارة الحالية إلى خمسين مليون دولار، يدعي ترامب أنه لم يصرف منها سنتا واحدا، وأن عملية الاختطاف من إنجازات وأساطير “قوة دلتا” الأمريكية عالية التدريب، التي لم تواجه بمقاومة فنزويلية تذكر، وما من تفسير لغياب حراسة مادورو عن باب غرفة نومه المحصنة، إلا أن يكون جنرالات كبار قد خانوه في مأمنه، وقد لا يعرف أحد بالضبط من الذي خان؟ فأعمال المخابرات المركزية الأمريكية “سي. آي. أيه” ظلت جارية في سنوات حصار فنزويلا الطويل الممتد لعشرين سنة، وليس فقط كما أعلن منذ أغسطس 2025، وجرى عبرها تجنيد آلاف الجواسيس في بيئة مجتمع محاصر مفقر مختنق اقتصاديا واجتماعيا، رغم ثروة فنزويلا الأعلى عالميا في احتياطات البترول (303 مليارات برميل)، إضافة لثروات الذهب والمعادن النادرة، وقد احترق الجواسيس المعلنون، وأولهم ماريا كورينا ماشادو، التي أعطوها “جائزة نوبل”، واتصلت بترامب هاتفيا في أكتوبر 2025، وأعلنت عن تأييدها لغزو أمريكي في فنزويلا، يطيح بنظام مادورو، وكان جزاء خيانتها العلنية ظاهرا، فقد قرر ترامب، أن “يدير فنزويلا” بنفسه بعد خطف رئيسها، وسألوه عن دور ماشادو، وكان جوابه أنها لا تحظى باحترام ولا بشعبية في فنزويلا، وفضل الاعتماد على رؤوس نظام مادورو نفسه، وعلى السيدة رودرجيز وفلاديمير لوبيز وزير الدفاع وآخرين، كلهم قيادات بارزة في حزب مادورو، وبهدف أن تجري عمليات النهب الأمريكية بسلاسة، وبأقل قدر من التكاليف العسكرية الأمريكية، فالرئيس الأمريكي يدرك، أن احتلال فنزويلا لن يكون مهمة سهلة ولا مأمونة العواقب، وأن استنفار مقاومة فنزويلية حقيقية سوف يسقط الأقنعة عن خونة مادورو الكبار، إضافة لتكاليف دم أمريكية، لا يريد ترامب أن يدفعها فينقلب عليه الداخل الأمريكي.
إنها السرقة المعلنة إذن، وبأقل مخاطرة ممكنة، يسعى الرئيس الأمريكي إلى تجنب المزيد منها، فهو يعرف وتعرف إدارته يقينا، أن كل غزو أمريكي مباشر معلن، ليس له من مصير إلا الخروج المخزي، وعلى طريقة كل حروب أمريكا الخارجية من فيتنام إلى أفغانستان، ولن تنفعه وقتها أساطير “قوة دلتا” السينمائية، وقد سبق لهذه القوة أن لقيت هزائم مذلة، ليس في غزة وحدها، بل في الصومال الممزقة الفقيرة عام 1993 زمن رئاسة بيل كلينتون، ففي عملية “مقديشو” الشهيرة، سقط 18 جنديا أمريكيا من “دلتا” ومشاة البحرية الأمريكية، واضطرت القوات الأمريكية الخاصة للهروب المذعور، بعد فشل مهمة اختطاف محمد فرح عيديد قائد “التحالف الوطني الصومالي” وقتها.
ويخطئ من يظن أن قصة فنزويلا انتهت، وأن الدور قادم حتما على أنظمة كوبا وكولومبيا والمكسيك، وربما البرازيل ذاتها، وكلها أهداف معلنة من قبل ترامب وعصابته، التي تسعى إلى تصفية حركات وأنظمة “اليسار اللاتيني”، وهو يسار يمتاز بطابع المزج بين التحرير الوطني والتحرير الاجتماعي، وبينما يظن ترامب وصحبه، أن القوة الأمريكية قادرة على تحقيق “مبدأ مونرو” لعام 1823، الذي ينسبه ترامب اليوم لنفسه، ويعدل تسميته إلى “مبدأ دونرو”، ويعتقد أن بإمكانه جعل نصف الكرة الغربي البعيد حكرا خاصا لواشنطن، وبعيدا عن قلب العالم المحتقن بالغضب من الهمجية الأمريكية، وينسى أو لا يعرف التاريخ الخاص لحركات اليسار اللاتيني، الذي يستند إلى مواريث القائد اللاتيني سيمون بوليفار، وقد ولد في كاراكاس، وأفنى عمره القصير (47 سنة) في الكفاح ضد استعمار الامبراطورية الإسبانية، وكما يستدعي ترامب مبدأ مونرو، ويعود إلى ما قبل قرنين من الزمان، فإن شعوب أمريكا اللاتينية بوسعها العودة إلى مغزى ما كان، وإلى وصايا بوليفار المتوفى عام 1830، خصوصا أن الشعوب اللاتينية عانت من عشرات الانقلابات التي دبرتها واشنطن، وقد سبق أن كتبت هنا مقالا منشورا في 6 ديسمبر 2025، أي قبل نحو شهر من اختطاف مادورو وإطاحته في 3 يناير 2026، كان المقال بعنوان “غزوة ترامب الفنزويلية”، وقلت في نهايته نصا أن “الانقلاب على مادورو حتى لو نجح، فقد لا يعنى فوزا أمريكيا قابلا لاستقرار ولا لدوام، خصوصا مع وعي شعوب أمريكا اللاتينية بالطبيعة الطاغوتية للدور الأمريكي وانقلاباته المصنوعة، التي أفنت عشرات الملايين من أبنائها، وسرقت ثرواتها ومواردها الطبيعية الغنية، ولا تزال تفعل عيني عينك “.

