رأي

كيف تصاغ المصالح بين مزاج البيت الأبيض ومغامرات نتنياهو؟

كيف تصاغ المصالح بين مزاج البيت الأبيض ومغامرات نتنياهو؟

افراسيانت - يونس الديدي - يواجه "العقل الخليجي" اليوم أصعب اختباراته التاريخية؛ لا في القدرة على بناء ناطحات السحاب أو قيادة أسواق الطاقة، بل في القدرة على فك تشابك الخيوط التي يحاول بنيامين نتنياهو حياكتها حول المنطقة.


إن هذا العقل، الذي انتقل من "رد الفعل" إلى "هندسة المستقبل"، يدرك الآن أن الدخان المتصاعد في الأفق ليس مجرد عرض جانبي لصراع إقليمي، بل هو نتاج محاولة مدروسة لتحويل عواصم الخليج إلى "دروع سياسية" في حرب استنزاف كبرى.


في هذه اللحظة الفارقة، يدرك العقل الخليجي أن ساكن البيت الأبيض ضيف يرحل، وأن نتنياهو مقامر يبحث عن طوق نجاة، بينما تظل الجغرافيا هي الحقيقة الوحيدة التي لا تقبل القسمة على اثنين.


اليوم، يرتفع "الدخان" فوق الخليج، لا بسبب صواريخ عابرة أو تهديدات بحرية فقط، بل نتيجة تصادم مرير بين طموحات التنمية الخليجية وبين واقع جيوسياسي متفجر.


لماذا يبدو بنيامين نتنياهو وكأنه يجد راحته الكبرى وسط حطام الاستقرار الإقليمي؟ بالنسبة لرئيس وزراء قضى عقودا في إتقان فن البقاء السياسي، فإن "الفوضى" ليست مجرد أثر جانبي للحرب، بل هي "الأكسجين" الذي يتنفسه. في تل أبيب، تعد الفوضى وسيلة لتأجيل الحساب الداخلي، وفي العواصم الكبرى هي أداة لفرض أجندات أحادية.


ولكن بالنسبة لدول الخليج، فإن هذه الفوضى التي يسعى نتنياهو لتعميمها ليست سوى "فخ استنزاف" مصمم بعناية لإعادة المنطقة عقودا إلى الوراء، تحت ذريعة حماية الأمن المشترك.


اليوم، يرتفع "الدخان" فوق الخليج، لا بسبب صواريخ عابرة أو تهديدات بحرية فقط، بل نتيجة تصادم مرير بين طموحات التنمية الخليجية وبين واقع جيوسياسي متفجر.


لقد انخرطت بعض دول المنطقة، بوعي أو بدونه، في مسارات صراعية قد تكون لها أبعاد زلزالية، والسؤال الحارق الذي يجب أن يطرحه العقل السياسي العربي: هل نشتري أمنا مؤقتا على حساب استقرارنا الوجودي؟


فخ الاستنزاف: لعبة نتنياهو الكبرى


يسعى نتنياهو اليوم لجر دول الخليج إلى "حرب استنزاف" طويلة الأمد ضد خصومه الإقليميين، وإستراتيجيته واضحة: تحويل الخليج من "واحة للاستثمار والنمو" إلى "طرف في صراع" يستهلك ثرواتها السيادية وقدراتها العسكرية.


إن إضعاف المنطقة بجعلها ساحة خلفية للصراع الإسرائيلي-الإيراني لا يخدم سوى هدف واحد؛ وهو ضمان ألا تخرج أي قوة إقليمية قادرة على فرض توازن حقيقي بعيدا عن الرؤية الإسرائيلية. إنها دعوة للمشاركة في حريق، يدعي مشعلوه أنهم يملكون وحدهم سر إطفائه.


يجب أن يتذكر العقل الخليجي أن "الدخان" إذا ازداد، فإنه سيحجب رؤية المشاريع التنموية الكبرى التي يتم العمل عليها، وإن حماية "الرؤى" الوطنية تتطلب تصفير الصراعات


الجغرافيا لا ترحل والبيوت البيضاء تتبدل


المعضلة الكبرى في الوعي السياسي التقليدي هي الارتهان لتقلبات "الشارع في واشنطن".. لذا على الجميع أن يتذكروا الحقيقة التي لا تخطئها العين: الرؤساء في الولايات المتحدة يجيئون ويذهبون بلمحة بصر في عمر الدول، وقد تجد المنطقة نفسها اليوم تحت حماية إدارة تعد بالكثير، لتستيقظ غدا على إدارة تنكفئ على ذاتها أو تغير بوصلتها نحو المحيط الهادئ.


إن "العمق الجغرافي" يتطلب من الخليج بناء بنية أمنية مستقلة، لا تقوم على التحالفات الآنية الهشة، بل على "الواقعية الجغرافية" التي تدرك أن السلام مع الجوار الصعب، المبني على الندية والاحترام المتبادل، هو أرخص وأبقى من الحرب بالوكالة.


من "مسار الأحداث" إلى "مسار الاستقرار"


إن "إخماد الدخان" في الخليج يتطلب شجاعة استثنائية في اتخاذ القرار، والشجاعة هنا لا تعني خوض الحروب، بل تعني رفض الانجرار إليها. يتطلب الأمر الانتقال من "رد الفعل" تجاه أزمات نتنياهو، إلى "الفعل" عبر فتح قنوات حوار مباشرة ورصينة مع طهران، تضع النقاط على الحروف في ملفات السيادة والتدخلات، ولكنها ترفض تحويل المنطقة إلى وقود لمحرقة لا ناقة للخليج فيها ولا جمل.


إن دول الخليج اليوم، بما تملكه من ثقل اقتصادي ودبلوماسي، قادرة على أن تكون "المهندس" لا "المقاول". والمهندس يبني جسورا من المصالح المتبادلة تمنع الانفجار، بينما المقاول يرفض تنفيذ مشاريع حروب الآخرين على أرضه.


يجب أن يتذكر العقل الخليجي أن "الدخان" إذا ازداد، فإنه سيحجب رؤية المشاريع التنموية الكبرى التي يتم العمل عليها، وإن حماية "الرؤى" الوطنية تتطلب تصفير الصراعات، لا استيرادها. نتنياهو يحب الفوضى لأنها بقاؤه، أما الخليج فيحتاج الاستقرار لأنه مستقبله.


لقد آن الأوان لإبعاد "الارتهان للحظة"، والتحول إلى "الاستثمار في الجغرافيا"، وبناء تحالفات صلبة مع الجميع تضمن ألا يبقى الخليج رهينة لمزاج ساكن البيت الأبيض، أو لمقامرات سياسي في تل أبيب يرى في الحريق خلاصا شخصيا له.

 

أفراسيانت
الباحثون عن العدالة، الحرية، وحقوق الإنسان.!

 
  • عدد الزيارات 12389691
Please fill the required field.