افراسيانت - جمال محمد تقي - صدّق البعض إدعاءات ترامب بأنه رجل سلام، وبحسن نية صدّق البعض الآخر، أنه يريد صناعة تاريخ يضاهي به كل رؤساء أمريكا السابقين في ميدان تصفير الحروب، وحل النزاعات حول العالم، وذهب البعض من جوقة الطبالين في طاقم إدارته أبعد من ذلك، عندما اعتبروا نيل ترامب لجائزة نوبل للسلام هو استحقاق مفروغ منه، وأن مجهوداته الفريدة وقدراته الخارقة في تسوية الأزمات المزمنة تستحق نيل نوبل أربع مرات، أي طيلة سنوات رئاسته، بمعدل نوبل كل عام. حتى صدّق الرجل نفسه، وما يدعيه، من أنه أوقف حقيقة ثماني حروب، أو اكثر، وقد قالها ترامب، بعد أن ضاع العد.
لم يفوت نتنياهو فرصة إظهار سعيه لنيل ترامب الاستحقاق النوبلي، على قاعدة إذا أخذها ترامب شبيهه بالملاحقات الجنائية، فسيكون هو ذاته ممن يستحقون نوبل للسلام ايضا، فترامب ليس أفضل من نتنياهو، خاصة أنه أصبح عضوا دائما في مجلس السلام الترامبي، وهو الشريك الأول لترامب في إيقاف حرب غزة، قدّم نتنياهو له أثناء جلسة رسمية، نسخة عن رسالة إلى لجنة نوبل النرويجية كان قد رشح بها ترامب لنيل الجائزة.
ويبدو أن الاثنين ترامب ونتنياهو كانا قد اطلعا مسبقا على ما ورد في أرشيف إبستين من مراسلات وصداقات بينه وبين أصحاب الكلمة في اللجنة النرويجية، وهذا ما يفسر سوقية تعاطي ترامب وقرينه نتنياهو مع لجنة نوبل واختياراتها. وعندما اختطف جنود ترامب الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته واقتادوهما إلى أمريكا، تبجح السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام، الذي يعتبر أكثر الجمهوريين ذيلية لترامب ونتنياهو، بالعملية واصفا إياها بأنها ذروة في المسالمة، حيث تحقيق الأهداف السامية، من دون حروب وحمامات دم، وهو ذاته من طالب الإدارة الأمريكية بتزويد إسرائيل بقنابل نووية لتنهي الحرب على غزة، مثلما فعلت أمريكا مع اليابان في قصفها النووي لمدينتي هيروشيما وناكازاكي، وهو عينه من يهدد الآن دول الخليج، وتحديدا السعودية، إذا لم يشاركوا بكامل قدراتهم مع أمريكا وإسرائيل في حربهما ضد إيران.
نتنياهو لا يرغب بأي علاقات طبيعية، بين أمريكا وإيران، باعتبار نظامها، تهديدا وجوديا لإسرائيل، ويجاهر بسعيه لتخريب أي جهود دبلوماسية جدية للتوصل لحلول وسط أو تفاهمات توافقية
قال ترامب بخطاب رسمي، إنه ومن خلال اتفاق إنهاء حرب غزة، الذي هو الوحيد القادر على تحقيقه، جلب السلام للشرق الأوسط، للمرة الأولى منذ ثلاثة آلاف عام! طبعا هو لا يفقه ما يقول، لأنه لم يكن هناك صراع يهودي عربي أصلا قبل نشوء الحركة الصهيونية، كوجه لمشروع استعماري استيطاني رحّل المشكلة اليهودية من أوروبا إلى بلاد العرب، بغية إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين برعاية غربية، ليكون قاعدة متقدمة لإجهاض أي مشروع منافس لأوروبا في عموم الشرق الأوسط، وحارسا أمينا للمصالح الغربية في واحدة من أهم مفاصل العالم. وبعد خفوت مستوى التصعيد في حرب الإبادة على غزة، التي فضحت الحقيقة العنصرية والفاشية للكيان الصهيوني، وازدواجية المعايير الغربية، جرى صرف الأنظار عنها، وعن عموم القضية الفلسطينية التي تشكل لب الصراع في الشرق الاوسط، وبتبادل تكاملي للأدوار بين نتنياهو وترامب شنت جولات عدوانية على إيران، كانت حرب الـ12 يوما جولة أولى مباشرة لها، على الرغم من دخول إيران وأمريكا جولة دبلوماسية أرادتها إيران بديلا عن المواجهة التي ستتحول حتما إلى تصادم إقليمي، وهذا ما يحصل فعلا اليوم. فالغدر الإسرائيلي الأمريكي الذي تصور أن سيناريو فنزويلا قابل للتكرار في إيران، بمجرد تصفية رأس النظام وقادة الصف الأول فيه، سيفرط عقده ويكون لقمة سائغة، للاحتكار الأمريكي لسوق الطاقة وثبات سيولته البترودولارية، لردع طموحات القطب الصيني من جهة وتحجيم الدور الروسي الواعد من جهة أخرى، أما غنيمة إسرائيل فستكون تسيدها للشرق الأوسط وبلا منازع، إلى حيث إسرائيل العظمى.
نتنياهو شخصيا لا يرغب بأي شكل من العلاقات الطبيعية، بين أمريكا وإيران، باعتبار نظامها، تهديدا وجوديا لإسرائيل، وهو لا يخفي خشيته من أي تقارب بينهما، ويجاهر بسعيه لتخريب أي جهود دبلوماسية جدية، للتوصل لحلول وسط أو تفاهمات توافقية حول الخلافات المستعصية بين البلدين، وفي المقدمة منها، البرنامج النووي الإيراني، وعنده الحرب وحدها هي الحل، والدلائل الداعمة لهذا الرأي كثيرة، من أهمها موقف نتنياهو المتشنج إزاء الاتفاق النووي متعدد الأطراف الذي أبرم مع إيران 2015 أيام رئاسة أوباما، حيث عمل نتنياهو، على تأليب الكونغرس لمنع أوباما من المضي بالمصادقة على الاتفاق، لكن سعيه وقتها لم يكن موفقا، وقد وصف أوباما الاتفاق، بأنه تاريخي، وقال بالنص «إذا احتالت إيران فإن العالم سيعلم، وإذا رأينا شيئا مثيرا للريبة فسنتحقق منه». وبعد مجيء ترامب، وأثناء ولايته الأولى، انسحب الأخير من الاتفاق النووي بمباركة نتنياهو وأنصار إسرائيل في واشنطن، وبعدها شدد ترامب على العقوبات القديمة والجديدة، ومن دون مراجعة الأطراف الأخرى، ما أثار حفيظة كل المشاركين في مخرجاته، لكنه أراح نتنياهو، الذي اعتبر الخروج الأمريكي، تصحيحا لخطأ تاريخي. وإذا عاينا قرارات ترامب كافة المتعلقة بالشرق الأوسط أثناء ولايته الأولى، سنجدها مستخفة بالحقوق العربية ومتجاهلة للقرارات الدولية، فالاعتراف الأمريكي بضم الجولان السوري، والقدس كعاصمة أبدية لإسرائيل مع نقل سفارة أمريكا إليها، وطرح مشروعه لتسوية القضية الفلسطينية، بما سمي وقتها بصفقة القرن، لتذويب الكيانية الفلسطينية، وجعل غزة والتجمعات الفلسطينية في الضفة، كانتونات معزولة ومنزوعة الهوية، وعندما لم يحض مشروعه بتجاوب من الفلسطينيين، قزّم بالتناغم مع نتنياهو السلطة الفلسطينية، وعمل على فصل موضوع التطبيع العربي مع إسرائيل بتحقيق هدف إقامة الدولة الفلسطينية، وبالمسار ذاته دفع باتجاه إهمال مشروع السلام العربي، وإحلال الاتفاقات الإبراهيمية محله، فالأرض والسلام لإسرائيل، وليس للعرب مقابل، غير التطبيع مع الأمر الواقع.
وفعلا تبنى بعض العرب الطرح الترامبي كبديل عن مقررات الإجماع الدولي والعربي وبالتالي الفلسطيني، ووقتها كانت رئاسة ترامب، فترة ذهبية لنتنياهو، وبالقدر نفسه كان ترامب ينتظر من أنصار إسرائيل في الدولة العميقة داخل أمريكا، دعما لولاية ثانية أمام منافسه المعروف بصهيونيته المزمنة، جو بايدن، لكن فوز الأخير، كان صدمة جعلته يعيد الكرة بالسعي لدمج جناحي الضغوط المتناقضة في الداخل الأمريكي، اليمين المسيحي الصهيوني، واليمين الانعزالي المحافظ (الماغا)، ومع تخبط إدارة بايدن أثناء حرب الإبادة على غزة، وعزوف الجناح التقدمي في الحزب الديمقراطي عن دعم سياسته الغارقة بتسليح جيش الإبادة في غزة، وشمول هذا العزوف، نائبته وبديلته في المنافسة الانتخابية كمالا هاريس، وقع المحذور وفاز ترامب مجددا، ليعيد مع قرينه نتنياهو حكاية الولاية الأولى، وهذه المرة من باب إيقاف الشكل الفاقع من الإبادة الفلسطينية، لمصلحة الإبادة المتدرجة والخافتة، بعد نزع أظفار كل المناوئين في الشرق الأوسط، من طهران إلى طنجة. وما صرعة نزع سلاح غزة ولبنان وسوريا واليمن، إلا خطوة بهذا الاتجاه، طبعا مع إخراج ايران من معادلة الصراع، للاستفراد بالبقية الباقية من عرب وعجم، وترك تحت راية إسرائيل الكبرى، وسلام ترامب الكاذب، المفروض بالقوة الغاشمة.

