فنان خلق لفلسطين ذاكرة بصرية.. تشييع "شيخ الفنانين الفلسطينيين" في بيرزيت واستعادة تجربة كرّست الفن لحراسة الأرض والهوية والذاكرة
افراسيانت - شيّع فنانون ومسؤولون فلسطينيون، الأربعاء، جثمان الفنان التشكيلي والنحّات سليمان منصور في مسقط رأسه بلدة بيرزيت وسط الضفة الغربية المحتلة، في جنازة استعاد خلالها المشيعون سيرة فنان تجاوزت تجربته حدود اللوحة، ليصبح أحد أبرز الأصوات البصرية التي صاغت صورة فلسطين في الفن المعاصر، وحفظت تفاصيل أرضها وذاكرتها وتراثها في مواجهة محاولات الطمس والنسيان.
وتوفي منصور، مساء الاثنين، في مستشفى المقاصد بالقدس الشرقية، عن عمر ناهز 79 عامًا، بعد مسيرة فنية امتدت لأكثر من خمسة عقود، رسّخ خلالها مكانته واحدًا من أبرز الفنانين الفلسطينيين المعاصرين، ومن أكثرهم ارتباطًا بالهوية الوطنية ومفرداتها البصرية. ولم يكن حضور الأرض في أعماله مجرد موضوع تشكيلي، بل كان جوهرًا لتجربة فنية جعلت من الزيتون والقدس والقرية والثوب والتراث والإنسان الفلسطيني عناصر متكررة في بناء عالمه الفني.
وسار المشيعون خلف سيارة سوداء حملت نعشه من منزل عائلته في بيرزيت إلى الكنيسة الإنجيلية الأسقفية وسط البلدة، فيما تقدّم الموكب مطارنة ورجال دين، قبل أن تغص الكنيسة بالحاضرين، وتُنقل مراسم الجنازة عبر مكبر صوت إلى المشيعين في باحتها.
وزُيّن النعش بأغصان الزيتون، في إشارة ذات دلالة إلى شجرة حضرت بكثافة في أعمال منصور، وتحولت في تجربته إلى أكثر من عنصر من عناصر الطبيعة؛ فهي رمز للأرض والتجذر والصمود، وواحدة من العلامات التي أسهمت في تكوين قاموسه البصري الخاص.
وقال الفنان خالد حوراني إن فلسطين بدت، منذ انتشار خبر وفاة منصور، وكأنها "تلبس ثوب حداد"، معتبرًا أن رحيله "فقد كبير للثقافة الفلسطينية، وكأن عصرا كاملا قد انتهى".
ويطلق الفنانون الفلسطينيون على منصور لقبي "الملك" و"شيخ الفنانين"، وفق حوراني، الذي رأى أن إرثه سيبقى من خلال تأثيره الكبير في الفن والفنانين الفلسطينيين، ومساهمته في "رسم ملامح فلسطين وتشكيلها".
فلسطين التي تُرى من خلال الريشة
خلال مراسم الجنازة، قال مطران الكنيسة الإنجيلية اللوثرية في الأردن والأراضي المقدسة عماد حداد إن كثيرين عرفوا لوحات منصور وألوانه ورموزه، وإن كثيرين "رأوا فلسطين من خلال عينيه وريشته".
ولعل هذه العبارة تختصر جانبًا أساسيًا من تجربة منصور؛ فقد كان الفنان ينظر إلى فلسطين باعتبارها مكانًا وذاكرة في الوقت نفسه. وفي أعماله، لا تظهر الأرض بوصفها مشهدًا طبيعيًا محايدًا، بل باعتبارها حاملة للإنسان والتاريخ والحكاية. وتتحول الأشياء اليومية إلى إشارات كثيفة: شجرة الزيتون تستدعي الجذور، والثوب يستحضر الهوية، والقدس تستدعي التاريخ والاقتلاع، فيما يحضر الإنسان الفلسطيني بوصفه حاملًا لذاكرته ومصيره.
وقال حداد في كلمته إن منصور "جسّد في فنه علاقة الإنسان بأرضه"، ورسم الإنسان "بألمه وحزنه وفرحه وثقافته وتراثه وذاكرته"، مضيفًا أن الفنان يعود اليوم إلى الأرض التي "أخذ منها الكثير وأعطاها الكثير"، الأرض التي أحبها وحفظها في قلبه وفنه.
وهذه العلاقة العضوية بين الفنان ومكانه هي التي جعلت أعمال منصور تتجاوز وظيفتها الجمالية لتصبح جزءًا من الذاكرة البصرية الفلسطينية. فالفن عنده لم يكن منفصلًا عن الواقع السياسي والاجتماعي، لكنه في الوقت ذاته لم يختزل في الخطاب السياسي المباشر. لقد بحث عن لغة قادرة على تحويل التجربة الفلسطينية إلى رموز وصور يمكن أن تستمر وتتوارثها الأجيال.
"جمل المحامل".. حكاية شعب
ومن أشهر أعمال منصور لوحة «جمل المحامل» التي رسمها في سبعينيات القرن الماضي، وتحولت مع مرور الوقت إلى واحدة من أشهر الصور الفنية في الوعي الفلسطيني، وإلى أيقونة تتجاوز حدود الفن التشكيلي إلى المجال الوطني والثقافي الأوسع.
وتصور اللوحة حمّالًا فلسطينيًا مسنًا يحمل مدينة القدس على ظهره، في تكثيف بصري لحكاية شعب يحمل وطنه وتاريخه وذاكرته. وقد أسهمت قوة الصورة وبساطة رموزها في منحها قدرة استثنائية على التداول والاستمرار، بحيث باتت جزءًا من المخيال الفلسطيني الحديث.
وترى وزارة الثقافة الفلسطينية أن أعمال منصور ظلت تستحضر الأرض والقدس والتراث والثوب الفلسطيني والزيتون، لتكون "شاهدة على التاريخ الفلسطيني وحارسة للهوية".
وتكشف «جمل المحامل» عن إحدى أهم خصائص تجربة منصور: القدرة على إنتاج صورة تبدو بسيطة في عناصرها، لكنها شديدة الكثافة في دلالاتها. فالرجل في اللوحة ليس مجرد شخصية، والقدس ليست مجرد مدينة، والحمل ليس فعلًا جسديًا فحسب؛ إنما تتجمع هذه العناصر لتصنع استعارة عن شعب يتحمل أثقال تاريخه ويحمل مدنه وذاكرته معه.
ومن هنا اكتسب منصور موقعه بوصفه أحد الفنانين الذين أسهموا في تأسيس ما يمكن تسميته بالذاكرة البصرية الفلسطينية الحديثة. فقد استطاع أن يجعل من مفردات محلية، مرتبطة بالحياة اليومية والريف والمدينة والتراث، علامات فنية قابلة للقراءة خارج حدود المكان أيضًا.
أكثر من نصف قرن في خدمة الذاكرة
لا تنبع أهمية سليمان منصور من شهرة لوحة واحدة، مهما بلغت مكانتها، وإنما من مسار طويل تداخل فيه الفن مع سؤال الهوية الفلسطينية. وعلى امتداد أكثر من خمسين عامًا، ظل منصور وفيًا لمفرداته الأساسية، من الأرض والزيتون والقدس إلى الإنسان الفلسطيني وتراثه وذاكرته، محولًا هذه العناصر إلى مادة فنية متجددة.
وقد أتاح له هذا الاستمرار أن يصبح جزءًا من تاريخ الحركة التشكيلية الفلسطينية المعاصرة، وأن يؤثر في أجيال من الفنانين الذين جاءوا بعده. فالفنان الذي يكرس تجربته لقضية المكان لا يحفظ صور المكان فحسب، بل يساهم أيضًا في تحديد الطريقة التي يُنظر بها إليه.
وقال الفنان التشكيلي محمد صالح خليل، خلال مشاركته في الجنازة، إن رحيل منصور "خسارة كبيرة للثقافة الفلسطينية"، معتبرًا أن الفنان كرس حياته "لصون الهوية الفلسطينية بالسياسة وبعيدًا عن السياسة"، ومن خلال التراث الفلسطيني والزيتون والأرض.
وأضاف خليل أن منصور لم يترك لغة بصرية تخدم رسالته الوطنية إلا واستخدمها، مؤكدًا أنه "كرّس فنه كله لخدمة الهوية الأصيلة للفلسطينيين".
وهنا تكمن خصوصية تجربة منصور: لم يكن يبحث عن الشعارات بقدر ما كان يبحث عن الصورة التي تبقى بعد زوال الشعار. لقد أدرك أن الذاكرة تحتاج إلى أشكال ورموز وصور كي تستمر، وأن اللوحة تستطيع أن تحفظ ما قد تعجز الوثيقة السياسية وحدها عن حفظه: هيئة الإنسان، لون الأرض، شكل القرية، تفاصيل الثوب، حضور الزيتون، وملامح القدس في المخيال الجمعي.
فنان في قلب الحركة التشكيلية الفلسطينية
وبوفاة منصور، تفقد الحركة التشكيلية الفلسطينية أحد أبرز أعمدتها وأكثرها حضورًا وتأثيرًا. فقد كان من جيل الفنانين الذين أسهموا في بناء خطاب تشكيلي فلسطيني واضح الملامح، يقوم على تحويل التجربة الوطنية إلى مادة جمالية، من دون فصل الفن عن محيطه التاريخي والاجتماعي.
وبعد الجنازة في الكنيسة، نُقل جثمان منصور إلى مقبرة البلدة، حيث ووري الثرى وسط حضور عائلته وأصدقائه وفنانين وشخصيات ثقافية ورسمية، ووُضعت أكاليل الورود على قبره .
في بيرزيت، عاد سليمان منصور إلى الأرض التي كانت مصدرًا أساسيًا لعالمه التشكيلي. غير أن رحيله لا يعني غياب الصورة التي صنعها عن فلسطين؛ فلوحاته، وفي مقدمتها «جمل المحامل»، ستواصل حمل الذاكرة في الاتجاه المعاكس للنسيان. وإذا كان الفنان قد أمضى حياته يرسم أرضًا تحمل أبناءها ويحملونها، فإن أعماله باتت اليوم تحمل صورته هو أيضًا، بوصفه واحدًا من الذين منحوا فلسطين لغة بصرية بقيت حاضرة في الفن والوجدان.
________________
