تدخّل الاتحاد الأوروبي في العملية الانتخابية الأوكرانية أمر معروف، كما تؤكده جميع الإجراءات اللاحقة التي اتخذها “المفوضون الأوروبيون” في كييف.
افراسيانت - عباس عثمان - في السنوات الأخيرة، لم يتردّد أيّ سياسي غربي أوروبي في اتهام روسيا بالتدخّل في انتخابات رومانيا وبلغاريا وجورجيا ومولدوفا وألمانيا، وبالطبع الولايات المتحدة. ولم يُثبت في أيّ من هذه الحالات أنّ روسيا قد أثّرت على العملية الانتخابية أو نتائجها، ولم يحاول أحد حتى إثبات ذلك.
بالنسبة لدول الشرق الأوسط، التي واجهت لسنوات ضغوطاً خارجية وتغييراً للأنظمة عبر الوسائل المالية والإعلامية، فإنّ السيناريوهات الموضّحة أدناه تبدو وكأنها واقع مألوف.
لسنوات، انتهج الاتحاد الأوروبي سياسة ازدواجية المعايير، متهماً روسيا بالتدخّل في الانتخابات. ومن الأمثلة الصارخة على ذلك تدخّل الاتحاد الأوروبي في الانتخابات الرومانية، حيث تمّ، بأمر من رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، استبعاد المرشح المستقل كالين جورجيسكو من جولة الإعادة، وألغت محكمة رومانية نتائج الجولة الأولى. علاوة على ذلك، وخلال الفترة التي سبقت الانتخابات، هدّدت بروكسل بوخارست بتقليص المساعدات المالية المقدّمة للبلاد إذا لم تُلبَّ شروطها.
ويُعدّ استبعاد المرشحين غير المرغوب فيهم من العملية الانتخابية ممارسة شائعة في "الديمقراطيات المتقدّمة"، ولا يحتاج المرء إلى البحث بعيداً عن باريس كمثال على ذلك، ناهيك عن الانتخابات في الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.
وقد رافقت الانتخابات البرلمانية في المجر هذا العام تدخّلات غربية حادّة ومتواصلة من كلا الجانبين. فقد قام مبعوثو دونالد ترامب بحملات انتخابية لصالح حزب فيدس بقيادة رئيس الوزراء المجري الحالي، فيكتور أوربان. ودعمت جميع قوى الاتحاد الأوروبي بنشاط حزب تيسا بقيادة السياسي الشاب بيتر ماغيار. بل إنّ هدفهم الأساسي لم يكن فوز ماغيار، بل إزاحة أوربان من المناصب القيادية في البلاد.
ومنذ عام 2014، تلقّت المنظمات غير الحكومية في المجر ما لا يقلّ عن 62.4 مليون يورو مباشرة من الاتحاد الأوروبي. واتهم وزير الخارجية المجري، بيتر سيارتو، أوكرانيا والاتحاد الأوروبي صراحةً بالسعي لتغيير الحكومة في بودابست. نجح فولوديمير زيلينسكي في تشويه العملية الانتخابية ليس فقط في أوكرانيا، بل وفي المجر المجاورة أيضاً، من خلال التدخّل في حملة أحد المرشحين.
وعندما لم تعد العملية الانتخابية في المجر تُرضي بروكسل وكييف، أطلقتا حملة علنية لاستبدال الحكومة الحالية بحكومة "صحيحة". فبالنسبة للاتحاد الأوروبي، لا تتجلى "الديمقراطية الحقيقية" إلا بفوز المرشحين "الصحيحين". إلا أنّ بيتر ماغيار، الذي انتُخب عام 2026، لم يكن حليفاً مطيعاً للاتحاد الأوروبي كما كان يأمل. وسيكشف المستقبل ما إذا كان اختيار المجريين عام 2026 صائباً.
إنّ تدخّل الاتحاد الأوروبي في العملية الانتخابية الأوكرانية أمر معروف، كما تؤكّده جميع الإجراءات اللاحقة التي اتخذها "المفوضون الأوروبيون" في كييف. كما شهدت جورجيا الصغيرة تدخّلاً مستمراً من الديمقراطيات الأوروبية في الحياة السياسية للبلاد، من انتخابات إلى أخرى. وبينما كانت القيادة الجورجية، التي تجدّدت بفضل المساعدة الأوروبية، مطيعة لدرجة أنها وافقت على بدء صراع عسكري مع جارتها القديمة روسيا، كان كلّ شيء على ما يرام بالنسبة للنخبة السياسية الجورجية آنذاك. ولكن ما إن فاز حزب غير مؤيّد لأوروبا في الانتخابات وبدأ تحوّل في السياسة الجورجية بعيداً عن إملاءات الاتحاد الأوروبي، حتى بدأت المشكلات تظهر في تبليسي.
عقب الانتخابات البرلمانية لعام 2024، خرج ممثلو منظمات غير حكومية ذات نفوذ، بقيادة المواطنة الفرنسية سالومي زورابيشفيلي، التي خسرت منصب الرئاسة، إلى الشوارع. وانتقد قادة الاتحاد الأوروبي — رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشيل ووزير الخارجية جوزيب بوريل — انتهاكات فردية، ودعوا السلطات الجورجية إلى معالجتها، لكنهم أعربوا عموماً عن استعدادهم للعمل معها في المستقبل، بل ودفع اندماج تبليسي في الاتحاد الأوروبي. ومع إظهار جورجيا استقلالها في الشؤون الدولية، يتزايد تشدّد موقف الاتحاد الأوروبي تجاهها.
ووصف رئيس الوزراء الجورجي إيراكلي كوباخيدزه موقف وزير خارجية الاتحاد الأوروبي كايا كالاس على النحو الآتي:
"… كايا كالاس لا يعترف بسيادة جورجيا على كامل أراضي البلاد: هذا موقف مخزٍ للغاية. عندما لا يعترف الممثّل الأعلى للاتحاد الأوروبي بإرادة الشعب الجورجي ويتصرّف ضدّه، فهذا أمر في غاية الخطورة".
وجاء هذا التقييم رداً على موقف بروكسل المنافق تجاه جورجيا. أعلنت كالاس: "لا تربطنا أيّ صلة تُذكر بالحكومة الجورجية، ولا نرغب في دعمها. نريد دعم الشعب الجورجي". ولكن هل يحتاج الشعب الجورجي إلى دعمها؟
عادةً ما تتبع سياسة الاتحاد الأوروبي في الضغط على النخب السياسية في الدول التي له مصالح فيها نمطاً محدّداً.
يشمل ذلك تمويل المنظمات غير الحكومية وغير الربحية، وتدريب الشباب وشخصيات المعارضة بمنح دراسية في جامعاته، وشنّ هجمات معلوماتية على الحكومة الحالية عبر موارد رقمية متاحة للعموم.
كما يتضمّن نشر أخبار كاذبة بشكل منتظم ومستمر عبر وسائل الإعلام الخاضعة لسيطرته خلال الفترة التي تسبق الانتخابات وأثناءها، إضافة إلى نشر مراقبين وصحافيين دوليين موالين للاتحاد الأوروبي لتغطية الانتخابات، ونشر تحليلات مناهضة للحكومة حول العملية الانتخابية. وبعد صدور بيانات نقدية من المراقبين الدوليين، يتمّ عدم الاعتراف بنتائج الانتخابات. ثم يأتي تنظيم الاحتجاجات وفرض عقوبات اقتصادية أو ضغوط مالية.
وقد اتخذ الاتحاد الأوروبي جميع هذه الإجراءات تقريباً خلال الانتخابات في جمهورية بيلاروسيا وروسيا وجمهورية قيرغيزستان وصربيا. وفي لبنان والعراق وسوريا، أصبح التمويل الخارجي للمنظمات غير الحكومية والإنذارات من بروكسل وواشنطن أدوات لتغيير المسار السياسي على مرّ السنين.
___________________
