رسم جدارية لناجي العلي في مخيم برج البراجنة يحمل معنى يتجاوز فكرة تكريم فنان راحل. إنها إعادة ناجي إلى المكان الذي ينتمي إليه فنّه: المخيم.
افراسيانت - هشام العيساوي - في المخيم، لا تكون الجدران مجرد إسمنت وحجارة؛ فهي تحمل ذاكرة الناس، وأسماء الشهداء، وصور الوطن، وشعارات الأجيال التي وُلدت وهي تحمل فلسطين في ذاكرتها ووجدانها.
ومن هنا تأتي مبادرة مركز فلسطين الدولي برسم جدارية للفنان الفلسطيني ناجي العلي في مخيم برج البراجنة، لتكون تحيةً لفنان جعل من الجدار والورقة والصورة مساحةً للدفاع عن الإنسان الفلسطيني وحقه في وطنه.
ومن مخيم عين الحلوة بدأت رحلة ناجي العلي نحو الصحافة والكاريكاتير، بعدما لفتت رسوماته انتباه الأديب والصحافي الفلسطيني غسان كنفاني، الذي أسهم في نشر إحدى رسوماته في مجلة «الحرية». ومنذ ذلك الوقت، تحوّلت ريشة ناجي إلى صوتٍ واسع الانتشار، يعبّر عن الفلسطينيين واللاجئين والفقراء، وكل من لا يملك منبرًا للتعبير.
من عين الحلوة إلى برج البراجنة
إن رسم جدارية لناجي العلي في مخيم برج البراجنة يحمل معنى يتجاوز فكرة تكريم فنان راحل. إنها إعادة ناجي إلى المكان الذي ينتمي إليه فنّه: المخيم.
ناجي العلي لم يرَ المخيم مجرد مكان للعيش، بل مساحةً تختزن الذاكرة الفلسطينية. ولذلك، فإن وضع صورته على أحد جدران مخيم برج البراجنة يعني أن تتحوّل إحدى مساحات المخيم إلى صفحة مفتوحة تستعيد سيرته ورسوماته ورموزه، وتربط الأجيال الجديدة بتاريخ الفن الفلسطيني.
واليوم، حين تُرسم جدارية لناجي العلي في مخيم برج البراجنة، فإنها لا تكون مجرد صورة على حائط. إنها رسالة أراد مركز فلسطين الدولي تأكيدها: أن الفن يحفظ الذاكرة، وأن جدران المخيم يمكن أن تتحدث، وأن فلسطين ستظل تنتقل عبر أجيال التحرير حتى العودة.
رحلة "حنظلة" مع ناجي العلي و"الكرامة العربية"
حنظلة كما أراده أبوه: طفل في العاشرة يهتف "بلادي بلادي" وُلد عام 1969 في جريدة "السياسة" الكويتية وأدار ظهره للعالم بعد 1973.
هو رسام كاريكاتير وأحد أهم الفنانين الفلسطينيين الذين عملوا على ريادة التغيير السياسي باستخدام الفن، اشتهر بوعيه الناقد واللاذع الذي جسده في نحو 40 ألف رسم كاريكاتيري. ولد عام 1937 في فلسطين ونشأ بلبنان، وبدأ رحلته مع الرسم داخل زنزانة المعتقل، وارتبط اسمه بشخصية "حنظلة" التي أصبحت رمزاً عالمياً للقضية الفلسطينية.
ورحلت ريشة العلي في 29 أغسطس/آب 1987 إثر عملية اغتيال لصاحبها في العاصمة البريطانية لندن يوم 22 يوليو/تموز من العام ذاته.
خلّف ناجي العلي نحو أربعين ألف لوحة، وفي هذا الألبوم عشرٌ منها لرواية الحكاية كاملة، من الزهرة التي مدّها لبيروت المحاصرة عبر فجوة قذيفة، إلى فاطمة التي نعاها قبل رحيله بأشهر وكأنه يودّع عائلته المرسومة، إلى الحجر الصغير الذي أربك في لوحاته جنوداً مدججين قبل أن يملأ شوارع الانتفاضة الأولى، وصولاً إلى "فشروا"، كلمة الرفض التي لازمت ريشته حتى النهاية.
يقف حنظلة في زاوية كل لوحة، طفلاً بقي في العاشرة، عاقداً يديه خلف ظهره، مديراً وجهه عنّا منذ 1973. وحين سُئل ناجي متى نرى وجهه، أجاب إن ذلك يكون "يوم تصبح الكرامة العربية غير مهدَّدة".
39 عاماً مرّت، والطفل واقف في مكانه، فمتى يلتفت؟
سخرية سوداء أمضى من ألف بيان في ذكرى مجزرة سبتمبر/أيلول 1982 علّق ناجي لافتة "ممنوع الإزعاج" على نوم العالم..
موقفه من التسويات في كلمتين مكررتين كوصية.. اللوحة التي تشرح لماذا عقد حنظلة يديه خلف ظهره منذ 1973 ولم يفكّهما..!
________________
