كل أسبوع

ثلاثة سيناريوهات تحسم مآلات حرب أمريكا وإسرائيل على إيران وخريطة الشرق الأوسط الجديدة بعد "سراب التهدئة" 

ثلاثة سيناريوهات تحسم مآلات حرب أمريكا وإسرائيل على إيران وخريطة الشرق الأوسط الجديدة بعد "سراب التهدئة" 

افراسيانت - سليمان حاج إبراهيم - بات التساؤل حول مصير الشرق الأوسط ومآلاته المستقبلية، وسقف إنهاء الأزمة، الشاغل الأول لكبار المحللين في دوائر الاستخبارات ومراكز صنع القرار، ولدى بيوت الخبرة والاستشراف عبر العالم. وفي وقت تتصاعد فيه هذه التساؤلات، ومعها تتعاظم رغبة الجمهور لفهم ما يجري، تنتشر تحذيرات عاجلة من اتساع رقعة الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، وانفلات شراراتها لتشمل الإقليم بأسره، وصولاً إلى ارتداداتها المباشرة على دول الجوار حتى تعم مناطق قصية.


وتؤكد خلاصات مراكز التفكير الاستراتيجي أننا لسنا أمام جولات تصعيد عابرة، بل نعيش مخاضاً جيوسياسياً يعيد صياغة المشهد بالكامل. ومن هنا، تبتعد القراءات الاستشرافية الرصينة عن السرد الإخباري السطحي، لتغوص عميقاً في التحولات البنيوية المعقدة: من حرب الاستنزاف التي تنهك اقتصادات عواصم متعددة، إلى صعود تحالفات إقليمية جديدة تعيد كتابة قواعد الاشتباك وتوازنات الردع، وصولا لمخاطر وجودية تهدد العديد من الدول.


بوابة التاريخ لفهم الحاضر واستشراف المستقبل


تجلت مؤخراً مفارقة لافتة، إذ لم يكتفِ عدد من المفكرين والمنظرين الاستراتيجيين بقراءة الحاضر بأدواته المباشرة، بل عادوا إلى التاريخ بوصفه مختبراً لفهم ما يجري واستشراف مآلاته، مستحضرين نماذج كلاسيكية تفسر ديناميات الصراع الراهن.


يبرز في هذا السياق غراهام أليسون، صاحب أطروحة فخ ثوسيديدس. ويحلل أصحاب هذا التوجه ويستحضرون نموذج حرب البيلوبونيز وسلوك إسرائيل، تأكيدا على خوف القوة القائمة من تنامي القوة الصاعدة وكسر تفوقها النوعي نحو تبني خيار الحرب الاستباقية لتفادي انقلاب الموازين.


كما يستدعي جون ميرشايمر، منظر الواقعية الهجومية، دورات توازن القوى الكلاسيكية ومفاهيم الحصار الجيوسياسي لما قبل عام 1914. وتبيّن هذه النظريات كيف تدفع الفوضى الدولية الدول لمراكمة القوة وتأمين أطرافها، ويعضهم يحذر من مخاطر تورط واشنطن في حروب استنزاف تخدم خصومها الدوليين في بكين وموسكو.


وينضم إلى هذه القراءات استدعاء عمل المؤرخ كريستوفر كلارك حول متلازمة السير نياماً في صيف 1914. وفي هذا السياق يفسر أصحاب النظرية كيفية انزلاق القوى الكبرى نحو كارثة شاملة لم يخطط أحد لحجمها الكامل نتيجة التزامات أمنية غير مرنة وضغوط أطراف إقليمية تابعة، فضلاً عن استحضار إرث حرب القرم وتوازن القوى الهش حين تندفع التحالفات لاحتواء أي تمدد يسعى لملء الفراغات الإقليمية وإعادة رسم الخرائط الجيوسياسية بصورة منفردة.


لكن إسقاطات التاريخ، على أهميتها، لا تغني عن تشريح وقائع الميدان، إذ يكشف تتبع مسار الأحداث عن منعطفات حاسمة بدأت منذ الصدام العسكري الأول، لتؤسس لحرب ثانية غير معلنة باسمها أعادت رسم قواعد الاشتباك. فالصورة الرائجة التي تختزل المواجهة في جولة تصعيد عابرة أعقبها إعلان تهدئة، تتجاهل حقيقة أن المنطقة شهدت حربين منفصلتين لا حرباً واحدة ومناوشات مستمرة ومتواصلة بدون توقف.


بدأت أولى حلقات هذا الصدام في 13 حزيران/يونيو 2025، حين شنت إسرائيل ضربات أحادية على منشآت نووية ومنظومات صاروخية إيرانية، أعقبها تدخل أمريكي عسكري مباشر بقصف مجمعات فوردو وأصفهان ونطنز. ردت طهران باستهداف قاعدة العديد الأمريكية في قطر، قبل أن يعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وقفاً لإطلاق النار في 23 حزيران/يونيو، لينهي ما عُرف بحرب الـ12 التي لم تكن في الواقع سوى تمهيد لجولة أوسع وأشد عنفاً. ومن كان يستشرف الأمور، أدرك لحظتها أن الأسوء قادم. بعد إجهاض جولة المفاوضات النووية في عُمان وجنيف خلال شباط/فبراير 2026، حين شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل، حملة قصف كبرى استهدفت نحو 500 هدف عسكري إيراني بأكثر من 1200 قنبلة دقيقة خلال 24 ساعة، ترافقت مع هجوم سيبراني عطّل الإنترنت الإيراني لأكثر من 60 ساعة. وكان اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في تلك الضربات، نقطة مفصلية كشفت أوراق التحالف الأمريكي الإسرائيلي وبينت نيته وهي الإجهاز على نظام «الملالي» في طهران والدفع بشخصيات إيرانية معارضة تلقى القبول في العواصم الغربية.


هذه الحرب الثانية، الأوسع والأخطر من سابقتها، غيّرت طبيعة الصراع ونقلته إلى طور المواجهة الشاملة، وهو ما عقد من محاولات استشراف مآلات الأمور دون فهم المشهد الكامل.


سراب جنيف والحقيقة الغائبة


يتحدث مفكرون ومحللون عن سراب جنيف، في الإشارة إلى تحليل تفاصيل ما درج على تسميته اتفاق طهران مع الولايات المتحدة الأمريكية، وهنا تكمن واحدة من أكثر نقاط اللبس شيوعًا في التغطيات الإعلامية. في قمة الدول السبع الكبرى بفرنسا منتصف حزيران/يونيو 2026، صرّح ترامب بلهجة احتفالية: «أنا سعيد جدًا لأقول إنه موقّع، موقّع تمامًا. الاتفاق كله موقّع، والمضيق مفتوح جزئيًا بالفعل». وأضاف أن إيران وافقت على الامتناع عن امتلاك سلاح نووي وقبول الرقابة الدولية، مشيرًا إلى حفل توقيع رسمي في جنيف. غير أن طهران كانت قد نفت رسميًا قبل ذلك توقيع اتفاق. لم تتضمن الوثائق الرسمية أي اتفاق نهائي باسم «اتفاق جنيف»، ما جرى فعليًا كان توقيع «مذكرة تفاهم إسلام آباد»، المكونة من 14 بندًا تشمل إعادة فتح مضيق هرمز، ورفع الحصار عن الموانئ وتراخيص تصدير النفط الإيراني، وخطة إعادة إعمار بقيمة 300 مليار دولار، مع مهلة تفاوض نهائي مدتها 60 يومًا.


انهيار التوافقات الظرفية


حتى الآن يفشل الخبراء في تحديد الجهة المسؤولة أساسا عن انهيار التوافقات الظرفية التي تمتص الأزمة وتنزع فتيلها، وتارة تكون واشنطن، ومرات تل أبيب، وأحيانا طهران، حد وصف البعض الأمر بتبادل العواصم الثلاث دور الشرير.


انهارت مذكرة إسلام أباد بهجوم إيران بثلاث سفن تجارية في مضيق هرمز، فردّت واشنطن بإلغاء تراخيص تصدير النفط، ليعلن ترامب في قمة الناتو أن الاتفاق «انتهى»، ونفّذت القوات الأمريكية موجة ضربات استهدفت 90 موقعًا. وبعدها بأيام هاجمت إيران قاعدة أمريكية في الأردن أسفرت عن سقوط قتلى عسكريين أمريكيين. ومع انقضاء مهلة الستين يومًا في 17 آب/أغسطس بدون اتفاق، أعلن ترامب أنه «لا عجلة لديه» لإبرام صفقة، بينما أعلن رئيس البرلمان الإيراني ما قال إنه «نصر سياسي وعسكري»، ونفى الحرس الثوري وجود قنوات تفاوضية سرية معلنًا انتهاء مسار التهدئة.


صقور واشنطن وطهران: تقاطع المصالح واستدامة التوتر


أمام عجلة التوتر وزيادة منسوب الخوف من انفلات الوضع، حاول العديد من المحللين التوصل لرسم المشهد ومعرفة الأطراف التي تعمل ضد خيار التوافق على التهدئة، وكانت النتائج تصب في خانة وجود شبكتين متقابلتين من الفاعلين ذوي المصلحة في إبقاء المواجهة مشتعلة، تحاول تهميش الدوائر السلمية الساعية لحلول تنهي الأزمة.


في واشنطن: مثّل وزير الخارجية ماركو روبيو والسيناتور توم كوتن، إلى جانب السيناتور الراحل ليندسي غراهام، رأس الحربة في الدعوة لتغيير النظام بدلًا من مجرد كبح قدراته النووية. حيث صرّح روبيو في 2 آب/أغسطس 2026 أن النظام يجب أن يتغير. وإن كان هذا الحلف المتشدد شهد تحولًا بوفاة غراهام الذي سبق أن دعا إلى تسليح المدنيين الإيرانيين ووصف خامنئي الأب بأنه «هتلر العصر الحديث»، إلا أن التيار ما يزال يعمل خلف الكواليس لتحقيق الهدف وهو إسقاط النظام. ويكشف هذا الانقسام صراعًا داخل الإدارة نفسها بين فريق الحسم وفريق الاحتواء الذي يمثله نائب الرئيس فانس ومدير الاستخبارات المركزية جون راتكليف، اللذان أبديا تحفظات على خطط دفع انتفاضة داخلية فورية معتبرين إياها غير واقعية.


في طهران: يشكل الحرس الثوري، الذي فرض مجتبى خامنئي مرشدًا أعلى، بحسب تحليلات المتابعين للشأن الإيراني، والتيار المتشدد بقيادة سعيد جليلي، جبهة الرفض لأي تنازل، معتبرين المفاوضات استسلامًا يقود لتكرار سيناريوهات انهيار أنظمة أخرى. في المقابل، يدفع الرئيس مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي، بدعم من الرئيس الأسبق محمد خاتمي، نحو استئناف الحوار لإنقاذ الاقتصاد المنهك.


وفي هذا السياق يصف روبرت مالي من مجموعة الأزمات الدولية هذا الانقسام بأنه صراع بين تيار يريد استثمار ما تحقق عسكريًا في الدبلوماسية، وتيار يرى أن وقف النار جاء قبل أن تُلحق إيران ألمًا كافيًا بخصومها.


استراتيجية «الغضب الاقتصادي»


ترى مراكز أبحاث، أن صقور الحرب يحاولون إيجاد بدائل تسند القوة العسكرية، وهناك مخطط تنفذه واشنطن منذ منتصف آب/أغسطس 2026، يتجه نحو خيار الإنهاك الاقتصادي المبرمج بدلًا من التورط في حرب برية، عبر استراتيجية رسمية سُميت «الغضب الاقتصادي».


وصرّح وزير الخزانة سكوت بيسنت أن الأمر سينجح في إيران، وسنُسقط هذا النظام. إنها ضربة مزدوجة: لدينا الحصار، وستكون لدينا أقسى عقوبات في التاريخ.


يتلاقى هذا التوجه مع تحليل نشره معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى حول «الصبر الاستراتيجي» كبديل للضربات غير المجدية، وما كشفته مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات لتوسيع الشروخ الداخلية في طهران عبر الحصار الشامل. وحسب مصادر كثيرة تواصلت معها «القدس العربي»، فإن دعاة خنق رئة النظام الإيراني وتجفيف منابعه، هي استراتيجية يسعى صقور البيت الأبيض لانتهاجها، حتى إنهاك النظام، وتجديد خطة إسقاط الحكم من الداخل عبر فوضى شاملة تكون توفرت لديها أسباب النجاح، رغم خيبتهم من فشل المحاولة الأولى بعد اغتيال المرشد السابق. وبحسب الفكرة التي تتردد في أروقة البيت الأبيض، فإن طهران ستستسلم، نتيجة تآكل الاحتياطيات النقدية، وتجاوز التضخم 40 في المئة، والعملة في أدنى مستوياتها التاريخية في مسار وصفته مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات بـ«الكارثة الاقتصادية».


غير أن هذه الحرب الاقتصادية تترتب عنها فواتير باهظة على جميع الأطراف، منها المستهلك الأمريكي، بعدما أظهرت بيانات مشروع «تكاليف الحرب» في معهد واتسون بجامعة براون أن كلفة الوقود الإضافية على المستهلك الأمريكي تجاوزت 40 مليار دولار بحلول منتصف 2026، أي أكثر من 300 دولار للأسرة الواحدة. وأيضا الاقتصاد الإسرائيلي، بعدما رفعت تل أبيب موازنة الدفاع لعام 2026 إلى نحو 144 مليار شيكل مع بقاء الإنفاق العسكري قرب 8 في المئة من الناتج المحلي، وارتفاع نسبة الدين إلى الناتج من 60 إلى 69 في المئة، وزيادة ضريبة القيمة المضافة إلى 18 في المئة، وفق أبحاث غالي إنغبر المنشورة في «جيروزاليم بوست».


لماذا يتحدث المحللون عن خريف 2026؟


يربط المحللون بين توقيت العمليات العسكرية الكبرى ومواعيد الاستحقاقات السياسية على ضفتي الأطلسي: واشنطن تشرين الثاني/نوفمبر 2026، وجادل الكاتب الإسرائيلي رون بن يشعاي في موقع «واينت» أن ترامب يسعى لتفادي أزمة طاقة عالمية وقفزة في أسعار الوقود قبل انتخابات التجديد النصفي، مع استغلال التهدئة الحالية لتسريع إنتاج الذخائر، ما يجعل المواجهة بعد الانتخابات خيارًا مرجحًا. وفي المقابل، توقع الباحث جوليان سبنسر-تشرشل في «موديرن دبلوماسي» ضربة استباقية قبل ذلك لتوظيفها انتخابيًا.

وفي تل أبيب 27 تشرين الأول/اكتوبر 2026: يواجه نتنياهو محاكمة الفساد التي أنهى شهادته فيها بعد 98 جلسة، في مسار قد يمتد حتى 2028. يرى معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، ومركز أرب سنتر، أن نتنياهو يجد في استمرار الحرب الوسيلة الوحيدة للحفاظ على تحالفه مع اليمين المتطرف سموتريتش وبن غفير، وتفادي المحاسبة القضائية والشعبية، رغم معارضة 61 في المئة من الإسرائيليين للهدنة، وتحذير 550 مسؤولًا أمنيًا سابقًا في حركة «قادة من أجل أمن إسرائيل» من استنزاف الجيش دون أفق استراتيجي.


دول الخليج ومأزق الجغرافيا


غيّرت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، واستهداف طهران جيرانها بالصواريخ والمسيرات، وغلق مضيق هرمز جزئيًا إثر تعثر مذكرة إسلام آباد، واقع دول مجلس التعاون الخليجي الست، وإن كان الأمر بتفاوت بين العواصم.


وصفت مؤسسة كارنيغي، في تحليل لفريدريك ويري وتشارلز جونسون، ما جرى بـ«اختبار إجهاد» كشف هشاشة الاعتماد الخارجي. ولخّصت ورقة بحثية في مجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية المشهد بأن «الأمن لا يمكن التعاقد عليه من الباطن»، منبهًا إلى أن مذكرة إسلام آباد أغفلت أمن الخليج كليًا. دفع هذا التحول دول مجلس التعاون، بحسب يوئيل غوزنسكي في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي والباحثة آنا جاكوبس، إلى تبني «نهج هجين» يجمع بين الإبقاء على قنوات الحوار مع طهران وبناء شبكات ردع ذاتية، وتعميق الشراكات الاقتصادية مع الصين، ترسيخًا لموقعها كـ«قوى متوسطة مستقلة استراتيجيًا» تحمي خطط التحول التنموي بعيدًا عن الاستقطاب الأحادي.


وحسب أوراق بحثية فإن دول الخليج أصبحت تعيد جميعا حساباتها وتبني مقارباتها المستقبلية بعدما وجدت نفسها في خضم حرب تجري حولها وتستهدف أراضيها من دون أن تكون طرفا فيها أو مبادرا لها، وهو ما لخصته درسات بالحديث عن تعقيدات الجغرافيا لتلك العواصم، التي راكمت عبر عقود ثروات معتبرة، ووظفتها لتعزيز حضورها والتأكيد على مناعتها الأمنية.


حلف مكة والتنافس التركي-الإسرائيلي


وأفرز الصراع ترتيبات أمنية جديدة أعادت تشكيل التوازنات الإقليمية، وجاء في السياق إعلان حلف مكة الثلاثي، الذي سبقه توقيع اتفاقية الدفاع المشترك بين السعودية وباكستان في 19 أيلول/سبتمبر 2025، حتى توسعت رسميًا بانضمام تركيا في 7 آب/أغسطس 2026 في مكة المكرمة.


ويرى ستيفن كوك في مجلس العلاقات الخارجية، وتحليلات بلومبرغ، أن الحلف يؤسس لنظام إقليمي ما بعد الهيمنة الأمريكية، لكنه ليس ناتو إسلاميا شاملا، فالحديث عن مظلة نووية باكستانية للحلف محكوم بعقيدة ردع مصممة حصرًا تجاه الهند، ولا يمثل درعًا نوويًا تلقائيًا للإقليم بحسب تقييم مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية. وربطت تحليلات استراتيجية دخول أنقرة الحلف، والعلاقة المضطربة التي تحكمها مع تل أبيب، على ضوء التنافس التركي-الإسرائيلي في سوريا.


وكان المؤشر الأبرز في منحى علاقة أنقرة تل أبيب ما جرى في آب/اغسطس 2026، واستهداف إسرائيل قاعدة أبو الظهور في إدلب لمنع تموضع تركي مفترض، ما استدعى وساطة أمريكية لإنشاء آلية فض اشتباك. يصف معهد واشنطن ومجموعة الأزمات الدولية هذا التوتر بأنه «تنافس تكتيكي على النفوذ في سوريا» قابل للإدارة، لا صراعًا وجوديًا كما تصفه بعض العناوين المتحمسة.


وتحاول قراءات استشرافية عند تفكيك المشهد الشامل جمع المقاطع جميعها لتشكيل الصورة الكاملة، لفهم أبعاد الحرب الانشطارية التي بدأتها وشنطن وتل أبيب وتكاد تلتهم نيرانها المنطقة على أوسع نطاق.


مستفيدون خلف الستار


تذهب التحليلات لتفكيك المشهد أبعد من إطار حدود النيران الحالية، للوصول نحو الأطراف خلف الستائر، حيث يطرح الاستنزاف الأمريكي في المنطقة تساؤلًا حول المستفيدين على رقعة الشطرنج الدولية. وترى قراءات كثيرة أن روسيا من أكبر المستفيدين من هذه الدوامة. وقدّر تحليل إيلينا ريباكوفا وأليسيا غارسيا-هيريرو في معهد بيترسون للاقتصاد الدولي أن موسكو تجني ما بين 45 و151 مليار دولار كعائدات إضافية خلال 2026 بفعل قفزات أسعار النفط من 70 إلى أكثر من 120 دولارًا للبرميل. وتوثق تغطية لشبكة «بي بي إس» الأمريكية، بعدًا ملموسًا لهذا الاستنزاف الموازي، واستنزاف معظم قدراتها الدفاعية في المنطقة دون وجود قدرة على تعويض المخزون، وهو ما يسهم في تعزيز قدرات موسكو في حربها على أوكرانيا التي جفت عنها خزائن الناتو.


الأدميرال الأمريكي المتقاعد روبرت موريت لخّص الأمر بقوله إن البيت الأبيض بات «مشتتًا بالكامل بسبب إيران». وغير بعيد عن موسكو، توجد الصين، التي تراقب العمليات البحرية الأمريكية واعتراض الصواريخ في الخليج بدقة للاستفادة منها استخباراتيًا في ملف تايوان، فيما استغلت طهران أزمة هرمز لدفع تسويات نفطية باليوان كوسيلة للالتفاف على العقوبات. غير أن روبرت غرين، في تحليل لمؤسسة كارنيغي يحذر من المبالغة في قراءة هذا التحول: فشركات وسيطة مرتبطة بإيران «حوّلت بانتظام عائدات اليوان إلى دولارات ويوروهات»، بينما تبقى أسواق المشتقات المالية باليوان «محدودة العمق للغاية»، ما يجعل أي تحدٍّ فعلي لهيمنة الدولار في تجارة الطاقة مقيّدًا ببنية مالية صينية لم تنضج بعد.


جادل الباحث عمر عزيز في مجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية بأن الضربات الأمريكية على إيران استهدفت تفكيك الرابط الجغرافي بين «الحزام والطريق» الصيني وممر «شمال-جنوب» الروسي، لكنه لاحظ في المقابل أن بكين وموسكو امتنعتا عن تقديم أي التزامات أمنية ملموسة لطهران، بل تضرر أمن الطاقة الصيني نفسه بإغلاق هرمز، مما يفضح حدود التحالفات المناهضة للغرب.


مخاض النظام الدولي الجديد


تُظهر المؤشرات المجمّعة هنا، من فواتير مئات المليارات، وتآكل شرعية الحكم في طهران وتل أبيب، والضغط الانتخابي في واشنطن، أن المنطقة تقترب تدريجيًا من منعطف حاسم. بناءً على تقاطعات الميدان وحسابات مراكز التفكير الاستراتيجي، يقف المشهد الإقليمي أمام ثلاثة مسارات رئيسية ترسم مآلات المرحلة المقبلة:


سيناريو الانفجار الكبير المؤجل (الحرب الشاملة بعد تشرين الثاني/نوفمبر 2026):

يفترض لجوء واشنطن وتل أبيب إلى حسم عسكري واسع النطاق عقب انقضاء انتخابات التجديد النصفي الأمريكية ومرور الانتخابات الإسرائيلية في خريف 2026، مستفيدين من تراجع الضغوط الانتخابية وتراكم مخزونات الذخائر والاستفادة من ثمرات الحصار العسكري والاقتصادي والعقوبات المفروضة على طهران. ويهدف هذا الخيار إلى شل قدرات الردع الإيرانية ومحاولة إسقاط النظام، وتكمن خطورته في إشعال حرب إقليمية شاملة تجر ممرات الطاقة والمنشآت الحيوية في الخليج إلى قلب النيران.


أما سيناريو الإنهاك المبرمج والتآكل من الداخل:

يستند إلى استراتيجية «الغضب الاقتصادي» والحصار المالي والبحري الخانق كبديل عن الحرب المفتوحة، والمراهنة على تفاقم الأزمات المعيشية وتعميق الشروخ الداخلية في طهران في ظل مرحلة القيادة الجديدة، مع الاكتفاء بضربات جراحية استخباراتية وسيبرانية لردع أي تقدم نووي أو صاروخي.


وسيناريو «الجمود المؤلم» ونضوج التسوية الواقعية:

ينطلق من إدراك الأطراف جميعها استحالة الحسم العسكري وارتفاع كلفة الاستنزاف المالي والسياسي فوق طاقة التحمل، مما يدفع الوسطاء الإقليميين والدوليين إلى فرض مسار تفاوضي واقعي جديد يؤسس لتوازن رعب متبادل وتنازلات متبادلة، على غرار سيناريو إنهاء الحرب العراقية-الإيرانية عام 1988.


وطوّر عالم التفاوض الأمريكي وليام زارتمان مفهوم «الجمود المؤلم المتبادل» ليصف اللحظة التي يدرك فيها أطراف الصراع أن كلفة الاستمرار فيه تفوق أي مكسب محتمل، ما يجعلهم مضطرين للتسوية. غير أن التجارب التاريخية، كسباق التسلح الهندي-الباكستاني الذي استقر في النهاية على توازن رعب متبادل بدلًا من الحرب الشاملة، تؤكد أن الجمود المؤلم قد يطول لسنوات، متخللًا جولات تصعيد خطرة قبل نضوج أي تسوية كبرى.


ومع تبلور هذه السيناريوهات، يتأكد أن الشرق الأوسط لم يعد مجرد ساحة اشتباك بالوكالة، بل بات المختبر الحقيقي الذي يُعاد فيه اختبار نظريات الردع، وتُدشن فيه توازنات نظام إقليمي ودولي جديد لن تكون قواعده شبيهة بما سبقه.

________________

المصدر : القدس العربي

________________

 

أفراسيانت

الباحثون عن العدالة، الحرية، وحقوق الإنسان.!


 
  • عدد الزيارات 12711591
Please fill the required field.