افراسيانت - تصر الدول الاوربية خاصة المانيا وبريطانيا على مزاعم احتمالات الغزو اللاوسي الى بلدانها، وفي سياسة التصعيد الهستيرية تتطلع هذه الدول الى السيطرة على دول البلطيق واقحامها في صراعات مفترضة وتعمل على تواجد حلف الناتو فيها تواجه مولدوفا الصغيرة تحديات جيوسياسية كبرى جعلتها محط أنظار روسيا وحلف الناتو.
موقعها الحدودي مع أوكرانيا ورومانيا، وأزمة ترانسنيستريا المدعومة من موسكو، وضعاها في قلب الصراع. فهل تصبح الدولة الفقيرة اقتصادياً ساحة مواجهة جديدة بين الشرق والغرب؟
"قصة مرعبة".. مولدوفا تكشف سبب قرارها عدم الانضمام إلى حلف "الناتو"
لقد سبق وأعلن وزير الخارجية المولدوفي ميخاي بوبشوي أن بلاده لا تفكر بعد في الانضمام إلى حلف "الناتو" بسبب عدم وجود الدعم الكافي من السكان.
وأكد بوبشوي في مقابلة مع قناة RTVI أن غالبية السكان ينظرون إلى حلف "الناتو" على أنه "قصة مرعبة".
وأضاف: "في الوقت الحالي، لا يوجد حديث عن الانضمام أو أي تعاون أوثق بخلاف ما قمنا به حتى الآن".
مع عدد سكان لا يتجاوز 2.6 مليون نسمة واقتصاد من بين الأصغر في أوروبا، لا تكاد تلبي مولدوفا معظم مقاييس الاتحاد الأوروبي. ومع ذلك، فقد استقطبت الجمهورية السوفيتية السابقة الصغيرة الواقعة بين رومانيا العضو في الاتحاد الأوروبي وأوكرانيا التي مزقتها الحرب، اهتماماً كبيراً من القوى الديمقراطية ذات النفوذ في القارة من جهة.
ماذا يحدث بين مولدوفا وروسيا وأوروبا؟
أجرت حكومة مولدوفا الموالية لأوروبا استفتاءً على عضوية الاتحاد الأوروبي في 20 أكتوبر، مما يفتح الطريق أمامها للانضمام إلى التكتل. صوتت مولدوفا بالموافقة على الانضمام إلى الاتحاد بفارق ضئيل إذ بلغ المؤيدون 50.5% فقط.
تاريخ الصراع
كانت مولدوفا جمهورية في الاتحاد السوفيتي، وأقام شعبها روابط اجتماعية عميقة مع روسيا مستمرة حتى اليوم. يتحدث معظم سكان مولدوفا الرومانية، وهي اللغة الرسمية، والروسية. يتمثل الارتباط بشكل خاص في منطقتين من مولدوفا: جيب ترانسنيستريا الذي تسيطر عليه روسيا ومنطقة غاغاوزيا المتمتعة بالحكم الذاتي، والتي يقودها مسؤولون موالون لروسيا.
على مدى العقود الثلاثة الماضية، أخذت مولدوفا تراوح بين الاتحاد الأوروبي وروسيا، حيث حاول سياسيون مختلفون التأثير على الناخبين بوعود تحسين الظروف المعيشية في بلد يُصنف ضمن الأفقر في أوروبا.
أحرزت مولدوفا تقدماً كبيراً نحو الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وحصلت على وضع المرشح في عام 2022 وبدأت رسمياً محادثات الانضمام في عام 2024. وأسفر التحول عن نتائج؛ حيث توجه مولدوفا الآن أكثر من 90% من صادراتها إلى الاتحاد الأوروبي، معظمها منتجات زراعية.
قالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين في أكتوبر إن الاتحاد الأوروبي سيخصص مبلغاً قياسياً قدره 1.8 مليار يورو على مدى السنوات الثلاث المقبلة لدعم خطة البلاد للانضمام إلى التكتل.
لماذا مصير مولدوفا مهم للأمن الأوروبي؟
تقع مولدوفا عند مفترق طرق استراتيجي، وقد تعكف حكومة محتملة موالية لروسيا في البلاد على توسيع نفوذ روسيا إلى ما وراء أجزاء من أوكرانيا إلى الحدود مع رومانيا.
بالنسبة للاتحاد الأوروبي، فإن ضم مولدوفا إلى صفوفه من شأنه أن يبعث رسالة مفادها أن التكتل ما زال تحالفاً اقتصادياً ناجحاً ومتوسعاً، مما يشكل ردعاً للقوى القومية اليمينية المتطرفة الأوروبية التي تتنامى شعبيتها.
لماذا تهتم روسيا بترانسنيستريا؟
ترانسنيستريا، التي يبلغ عدد سكانها حوالي 400 ألف شخص، هي واحدة من عدة مناطق في الجمهوريات السوفيتية السابقة حيث لدى روسيا نفوذ قوي، مع مناطق أخرى تشمل شبه جزيرة القرم ومنطقتي دونيتسك ولوغانسك في أوكرانيا والمنطقتين الانفصاليتين أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا في جورجيا.
أعلن زعماء -نصبوا أنفسهم من جانب واحد قادة لترانسنيستريا- الاستقلال عن مولدوفا في 1990. وحتى الآن، لم يعترف أي من أعضاء الأمم المتحدة بتلك المطالبة بإقامة دولة، بما في ذلك روسيا. ولموسكو قوات في الجيب الناطق باللغة الروسية منذ أوائل التسعينيات، وتقول إن مهامها الرئيسية هي حفظ السلام وحماية مستودعات الذخيرة.
لم يعترف أي من أعضاء الأمم المتحدة باستقلال ترانسنيستريا، بما في ذلك روسيا رغم دعمها للمقاطعة الانفصالية.
تمنح ترانسنيستريا روسيا قدراً من النفوذ الاقتصادي على مولدوفا، ففي حين أنهت الأخيرة اعتمادها على الغاز الروسي بمساعدة دول الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك رومانيا المجاورة، فإنها تعتمد على ترانسنيستريا في تلبية حوالي 90% من احتياجاتها من الكهرباء.
تعهدت الرئيسة المؤيدة للاتحاد الأوروبي مايا ساندو بمضاعفة جهود مكافحة الفساد وتسريع الإصلاحات القضائية في الدولة في مواجهة التدخل الأجنبي. وإذا نجحت، فإن هذه التحركات ستعزز أيضاً آفاق انضمام مولدوفا إلى الاتحاد الأوروبي، إذ أن الانضمام إلى التكتل يتطلب أن تبرهن مولدوفا على أن لديها مؤسسات مستقرة ويمكنها ضمان الديمقراطية وسيادة القانون. يساعد الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة مولدوفا أيضاً في تعزيز أمنها السيبراني.
مولدوفا وأرمينيا... هل تستطيع جارتا روسيا الصغيرتان أن تحلما بالاستقلال الاقتصادي؟
قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ردا على سؤال أحد الصحافيين في ديسمبر/كانون الأول 2023، في مؤتمره الصحافي السنوي: "مولدوفا هي إحدى أفقر الدول في أوروبا، إذا كانت الدولة الأفقر في أوروبا، التي تحصل على طاقة رخيصة منا، تريد أن تحذو حذو ألمانيا وتحصل على الطاقة من الولايات المتحدة بسعر أعلى بمقدار 30 في المئة، فلها مطلق الحرية في ذلك.
أما بالنسبة إلى أرمينيا، فهناك عمليات معقدة... لا أعتقد أن من مصلحتها إنهاء عضويتها في رابطة الدول المستقلة والاتحاد الاقتصادي الأوراسي ومنظمة معاهدة الأمن الجماعي". وكان رده ينضح بالثقة – وذكر أن مولدوفا لم تقدم أي قيمة لعلاقاتهما الاقتصادية، وأن أرمينيا لن تعاني إلا إذا حاولت الانفصال.
هل الغاز هو نبيذ مولدوفا الجديد؟
طالما كانت الطاقة الورقة الرابحة في جعبة روسيا عندما يتعلق الأمر بليّ ذراع أوروبا. وفي حين أن العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا في سنة 2022 دفع العديد من الدول الأوروبية إلى إيجاد حلول بديلة، فإن مولدوفا اضطرت إلى ذلك مع اقتراب نهاية سنة 2024.
فقد أوقفت شركة "غازبروم" الروسية المملوكة للدولة إمدادها بالغاز عبر أوكرانيا بدءا من 1 يناير/كانون الثاني 2025، بعدما رفضت أوكرانيا تجديد عقد العبور. واختارت الشركة عدم التوريد عبر خط أنابيب الغاز "ترانس بلقان" من طريق تركيا، متذرعة بأن على مولدوفا دينا غير مدفوع بقيمة 11.1 مليار دولار أميركي، وهو ما تنفيه الحكومة المولدوفية.
لكن وضع الطاقة في مولدوفا أكثر تعقيدا من مجرد إمداد المنازل والشركات بالغاز. فمحطة "كوتشورغان" للطاقة موجودة في إقليم ترانسنيستريا ، الذي تدعمه روسيا.
وقد ظلت ترانسنيستريا تتلقى الغاز من "غازبروم" مجانا لمدة عشرين عاما تقريبا (أدرج دينها رسميا تحت حساب مولدوفا، وهو ما يفسر التناقض أعلاه) وكانت تستخدمه لتوليد الكهرباء التي تشتريها منها مولدوفا بأسعار أرخص من السوق الأوروبية.
لكن بانقطاع إمدادات الغاز، توقف العمل في محطة "كوتشورغان" للطاقة، وهو ما اضطر مولدوفا لشراء الكهرباء من رومانيا بأسعار أعلى بكثير تؤثر على اقتصادها.
تدخلت المفوضية الأوروبية بإستراتيجيا شاملة مدتها عامان وحزمة بقيمة 250 مليون يورو من أجل "فصل مولدوفا عن انعدام أمن الإمدادات الروسية للطاقة وإدماجها تماما في سوق الطاقة في الاتحاد الأوروبي".
وتهدف الإستراتيجيا إلى دعم الكهرباء المنزلية في سنة 2025 بموازنة قدرها 15 مليون يورو وتقديم مساعدة مالية وللشركات الزراعات الغذائية والشركات الصناعية، و50 مليون يورو للاستثمارات في الطاقة المستدامة. وتشمل أيضا عرضا بقيمة 60 مليون يورو لدعم ترانسنيستريا.
يجب أن يكون ذلك مألوفا لدى الكرملين لأن التاريخ يعيد نفسه. في سنة 2006، حظرت روسيا النبيذ المولدوفي لأسباب عدّها الكثيرون سياسية. بدا الأمر في ذلك الوقت ضربة قاصمة، لأن 80 في المئة من نبيذ البلاد يصدر إلى روسيا. وقد رفع الحظر في سنة 2007 ولكن أعيد فرضه لأسباب سياسية مرة أخرى على ما يبدو في سنة 2013.
لكن صانعي النبيذ المولدوفيين تعلموا الدرس، ففي هذه المرة، قطع 28 في المئة من صادرات النبيذ فحسب. واليوم، أصبح الاتحاد الأوروبي أكبر سوق للنبيذ المولدوفي ولا تشكل الصادرات إلى روسيا إلا 10في المئة تقريبا.
وقد عزز هذا التحول إنتاج النبيذ في البلاد. وأوضح خبير النبيذ جاستن كياي أن "الاضطرار إلى إيجاد مستهلكين جدد وأكثر انتقائية دفع إلى ارتفاع كبير في الجودة"، وأضاف أن نحو 20% من سكان البلاد يعملون الآن مباشرة أو غير مباشرة في هذه الصناعة.
عام الانتخابات والتحديات في مولدوفا
في عام الانتخابات البرلمانية الرئيسة في مولدوفا تشهد توترات بالنظر إلى مقدار تقارب النتائج في الانتخابات الرئاسية لسنة 2024، وإن أسفرت النتائج في النهاية عن استفتاء مؤيد لأوروبا وضمنت استمرار الرئيسة مايا ساندو في منصبها. وقد زعمت وزارة الخارجية المولدوفية أن روسيا "تدخلت بشكل غير قانوني ومتعمد" في تلك الانتخابات .
مع تزايد التوترات السياسية في أوروبا الشرقية، لم تعد العلاقات بين الدول تنعكس فقط على المواقف الدبلوماسية، بل باتت تظهر في تفاصيل الحياة اليومية، ومنها حركة السفر والتنقل، وفي هذا الإطار، تتكشف ملامح أزمة متصاعدة بين روسيا ومولدوفا، تعكس عمق الخلافات السياسية والجيوسياسية بين الجانبين.
تصاعد الأزمة بدأ مع إصدار وزارة الخارجية الروسية توصية رسمية تحث فيها المواطنين الروس على تجنب السفر إلى مولدوفا، مشيرة إلى ما قالت إنه تسجيل عدد متزايد من حالات التمييز والمضايقات غير المبررة وسوء المعاملة التي يتعرض لها مواطنون روس على يد السلطات المولدوفية.
وأوضحت أن المشكلات تبدأ منذ الوصول إلى مطار العاصمة كيشيناو، حيث يخضع حاملو جوازات السفر الروسية لإجراءات تفتيش وصفتها بـ"المهينة"، مضيفة أن السلطات المولدوفية تحتجز المواطنين الروس عمدا خلال عمليات التفتيش الأمني عند مغادرتهم كيشيناو، بما يضمن تفويتهم رحلاتهم الجوية.
خطاب تصادمي
ورغم الروابط التاريخية التي تجمع البلدين، فإن العلاقات الروسية المولدوفية تمر بأعمق أزمة لها منذ عام 1992، في ظل تصاعد التوترات على خلفية ما تعتبرها موسكو سياسات كيشيناو المنحازة للغرب ودعمها لأوكرانيا، فضلا عن ملف إقليم ترانسنيستريا والوجود العسكري الروسي فيه، إضافة إلى الخلافات المتراكمة في مجالي الطاقة والاقتصاد.
وتفاقمت هذه التوترات مع إعادة توجه مولدوفا الجيوسياسي، حيث تركز الحكومة بشكل متزايد على الاندماج مع الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك تقديم طلب رسمي للانضمام إليه، مقابل قطيعة شبه كاملة مع موسكو.
كما أسهم دعم مولدوفا لأوكرانيا، إلى جانب حظر البث الإعلامي الروسي داخل البلاد، في تعميق مناخ انعدام الثقة والعداء بين الطرفين، إلى درجة باتت معها روسيا تصنف مولدوفا "دولة معادية"، في حين تنظر كيشيناو إلى موسكو باعتبارها تهديدا لأمنها وسيادتها.
ومع تدهور العلاقات الثنائية، تواجه مولدوفا أكبر عجز تجاري في تاريخها، بلغ نحو 6.4 مليارات دولار، وهو ما يعادل قرابة ثلث حجم اقتصادها، إلى جانب أزمات حادة في قطاع الطاقة، فضلا عن تفاقم الأزمة السياسية المرتبطة بخطط الرئيسة مايا ساندو الهادفة إلى التقارب مع رومانيا.
وشهدت العلاقات بين البلدين مواجهة إعلامية حادة خلال الانتخابات البرلمانية الأخيرة في مولدوفا، إذ اتهمت موسكو السلطات المولدوفية بحرمان نحو 500 ألف مواطن مولدوفي مقيمين في روسيا من حق التصويت، حيث خُصص لهم مركز اقتراع واحد، مع توفير 10 آلاف بطاقة اقتراع فقط.
وفي هذا السياق، تراجعت نسبة المواطنين من أصول روسية في مولدوفا (باستثناء إقليم ترانسنيستريا) إلى ما بين 3.2% و3.4% من إجمالي السكان، مقارنة بـ4.1% في عام 2014.
ويقدر عدد حاملي الجنسية الروسية في مولدوفا بنحو 220 ألف شخص، يقيم معظمهم -قرابة 160 ألفا- في إقليم ترانسنيستريا غير المعترف به دوليا.
ويرى الخبير في الشؤون الأوروبية أندريه كامكين أن أوضاع الروس في مولدوفا ترتبط مباشرة بحالة العلاقات الراهنة بين موسكو وكيشيناو، في ظل استمرار حالة الاستقطاب داخل المجتمع المولدوفي بين السياسات الحكومية المؤيدة لأوروبا ومصالح الفئات الناطقة بالروسية التي تدعو إلى الحفاظ على علاقات متوازنة مع روسيا.
ويقول كامكين , إن السلطات المولدوفية تسعى، من خلال التضييق على الروس، إلى قطع الروابط مع موسكو، بما في ذلك الروابط الثقافية، مشيرا إلى أن ذلك يتجلى في إلغاء اتفاقية "البيت الروسي"، وهي مكاتب تمثيلية حكومية روسية مخصصة للترويج للثقافة واللغة والعلوم الروسية في الخارج.
ويضيف أن مولدوفا تحولت إلى ساحة محورية في المواجهة الجيوسياسية بين روسيا والغرب، بعد تخليها الكامل عن سياسة التوازن بين التكامل الأوروبي والحفاظ على العلاقات مع موسكو.
وحسب كامكين، تظهر مولدوفا أسرع وتيرة استعداد للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، خاصة بعد الانتخابات البرلمانية التي جرت في سبتمبر/أيلول 2025، حيث أسهم حرمان المولدوفيين المقيمين في روسيا من التصويت في فوز القوى الداعمة للتكامل الأوروبي بأغلبية المقاعد.
ثمن الاندماج
من جانبه، يرى محلل الشؤون الدولية ديمتري كيم أن المسار السياسي الذي تتبناه كيشيناو يتشكل تحت ضغوط قوية من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ويشكل تهديدا مباشرا للمصالح والنفوذ الروسيين في المنطقة.
ويقول كيم , إن السلطات المولدوفية تتصرف بما يخدم مصالح الدول الغربية الساعية إلى إيجاد "موطئ قدم مناهض لروسيا" على الحدود مع أوكرانيا، لا سيما في ظل التوجهات المؤيدة للغرب والمعادية لروسيا التي تتبناها الرئيسة ساندو.
ويعتبر أن السياسات العدائية التي تنتهجها كيشيناو تجاه موسكو تمثل "ثمنا أو قربانا" لمسار الاندماج في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (ناتو)، وهو ما يشكل، وفق تعبيره، تحديا مباشرا لمبدأ حياد البلاد المنصوص عليه دستوريا.
وبرأي كيم، تستخدم سياسة "شيطنة" روسيا بشكل متعمد لتحويل انتباه الرأي العام عن الأزمات الاقتصادية الداخلية ومشكلات الطاقة، وللتغطية على عملية إقصاء موسكو من المشهد المولدوفي، في وقت ترى فيه كيشيناو نفسها جزءا من الحزام الأمني المحيط بأوكرانيا.
ويحذر من أن طموحات مولدوفا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو قد تقود إلى مواجهة مباشرة مع روسيا، موضحا أن هذا السيناريو يصبح أكثر خطورة إذا أقدمت القيادة الموالية للغرب على محاولة حل نزاع ترانسنيستريا بالقوة، عبر ما يسميها "إعادة إدماج قسري" بدعم غربي، الأمر الذي من شأنه إضعاف موقع روسيا في منطقة البحر الأسود.
قد يبدو غريبا أن دولة صغيرة مثل مولدوفا، الواقعة بين أوكرانيا ورومانيا، تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى محور مواجهة دبلوماسية وجيوسياسية ساخنة بين الاتحاد الأوروبي وروسيا.
فرغم صغر مساحتها وضعف إمكانياتها مقارنة بجيرانها، أصبحت مولدوفا اليوم ساحة اختبار لموازين القوى في شرق أوروبا، حيث بات كل تصريح أو تحرك رسمي سواء من بروكسل أو موسكو ينعكس بشكل مباشر على مستقبل البلاد واستقرارها.
مولدوفا بين بروكسل وموسكو
بحسب تقرير نشرته صحيفة لوموند الفرنسية، فقد تبنت حكومة مايا ساندو نهجا واضحا يقوم على تعزيز الروابط مع بروكسل، معتبرة أن الانخراط في المشروع الأوروبي يمثل الضمان الأساسي للاستقرار السياسي والاقتصادي والأمني للبلاد.
وقد تجسد هذا التوجه في تكثيف اللقاءات الثنائية متعددة الأطراف بين مولدوفا ومؤسسات الاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى تحركات مستمرة في مجلس أوروبا وحلف شمال الأطلسي (الناتو).
فعلى الجانب الأوروبي، أبدت بروكسل استعدادها لتسريع المفاوضات المتعلقة بانضمام مولدوفا، وقدمت حزمة من المساعدات الاقتصادية والفنية لدعم البنية المؤسسية، شملت مجالات الطاقة والعدالة والإدارة العامة، كما كثفت حضورها في كيشيناو عبر زيارات وفود رفيعة المستوى من المفوضية الأوروبية والبرلمان الأوروبي، في إطار تعزيز الالتزام السياسي بدمج البلاد في الفضاء الأوروبي.
وفي المقابل، استخدمت روسيا أدوات دبلوماسية مضادة تمثلت في بيانات متكررة صادرة عن وزارة الخارجية الروسية، تحذر من "التبعات الإستراتيجية" لانضمام مولدوفا إلى الاتحاد الأوروبي، معتبرة ذلك تهديدا للاستقرار الإقليمي وإقصاء لموسكو من فضاء نفوذها التقليدي.
وركزت موسكو على إعادة إحياء خطاب الروابط التاريخية والثقافية مع مولدوفا، مع الإشارة إلى أهمية التعاون في مجالات الطاقة والتجارة، واستخدام ملف ترانسنيستريا كورقة ضغط على كيشيناو.
تداخلت الدبلوماسية المولدوفية أيضا مع الملفات الدولية، عبر الاجتماعات في الأمم المتحدة ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، حيث ركزت روسيا على حقوق السكان الناطقين بالروسية، بينما أبدت بروكسل اهتماما بالجانب الديمقراطي والسيادي لخيارات كيشيناو، مما جعل الصراع على المستوى الدولي يعكس الانقسام الكبير بين القوى الغربية وروسيا.
كما سعت الحكومة المولدوفية أيضا إلى صياغة خط سياسي مستقل يعزز الهوية الأوروبية عبر الانخراط في مؤسسات القارة، مع تجنب المواجهة المباشرة مع روسيا، والحفاظ على قنوات تواصل مفتوحة في مجالات الطاقة والتجارة. ومع ذلك، ما زالت موسكو تعتبر هذا التوجه انحرافا إستراتيجيا عن المجال الأوراسي.
وينظر إلى الملفات الأمنية والطاقة كجزء أساسي من المعادلة الدبلوماسية، إذ أطلق الاتحاد الأوروبي برامج تعاون أمني مع مولدوفا تركز على مكافحة الفساد وحماية الحدود، بينما ربطت موسكو هذه الإجراءات بمحاولة جذب البلاد نحو الحلف الأطلسي.
كما استخدمت روسيا نفوذها كمصدر رئيسي للغاز والنفط لإرسال رسائل ضغط مباشرة، في حين سعى الاتحاد الأوروبي بالتعاون مع رومانيا لتأمين بدائل للطاقة عبر مشاريع الربط الكهربائي وخطوط الغاز العابرة من أوروبا الوسطى، ما أتاح للحكومة المولدوفية هامشا أكبر للتحرك دبلوماسيا.
إلى جانب ذلك، شاركت عواصم أوروبية كبرى مثل باريس وبرلين في الملف، كل وفق إستراتيجيتها الخاصة، فقد ركزت فرنسا على دعم استقرار شرق أوروبا، وألمانيا على بناء شراكات اقتصادية لحماية مولدوفا من الضغوط الروسية، وهو ما انعكس داخليا في كيشيناو باعتباره ضمانة إضافية لمسارها الدبلوماسي.
وفي السياق، أشار تقرير لصحيفة واشنطن بوست إلى أن الفوز الانتخابي الأخير للحزب الموالي للاتحاد الأوروبي عزز من ثقة القيادة المولدوفية في المضي قدما نحو بروكسل، ومنحها قدرة أكبر على مخاطبة شركائها الأوروبيين، مع رسالة واضحة لموسكو بأن الرأي العام المولدوفي يتجه نحو الخيار الأوروبي.
بين الانقسام الداخلي وضغوط الخارج
تتسم السياسة الداخلية في مولدوفا بانقسامات عميقة بين تيارين رئيسيين أحدهما يدعم تعزيز الروابط مع الاتحاد الأوروبي، ويركز على الإصلاحات المؤسساتية لضمان مستقبل الدولة، في حين يميل التيار الآخر للحفاظ على الروابط التاريخية مع روسيا، ويركز على التوازن الاجتماعي والثقافي واعتبارات الأمن الإقليمي.
هذه الانقسامات ليست جديدة، بل تعتبر امتداد لتاريخ طويل من التوترات بين شرق مولدوفا وغربها، وقد تعمقت في السنوات الأخيرة نتيجة النزاع في أوكرانيا والتحديات الاقتصادية، مما جعل الداخل المولدوفي بيئة حساسة للغاية تحدد قدرة كيشيناو على اتخاذ قرارات سيادية مستقرة.
في تقرير نشرته صحيفة الغارديان البريطانية، أكدت فيه على أن مولدوفا تواجه عوائق كبيرة في مسارها نحو الاتحاد الأوروبي، مثل الضغوط الاقتصادية، والحاجة إلى إصلاحات داخلية واسعة النطاق، وذلك رغم نجاح الحزب الموالي للاتحاد الأوروبي في الانتخابات الأخيرة.
ويظهر التقرير أن الانقسام الداخلي لا يقتصر على السياسة الحزبية فحسب، بل يمتد إلى البنية الجغرافية والاجتماعية للدولة، حيث تتركز القاعدة المؤيدة لموسكو في المناطق الشرقية القريبة من ترانسنيستريا، بينما تميل المدن الكبرى مثل كيشيناو إلى دعم التوجه الأوروبي، مما يجعل تشكيل أغلبية برلمانية مستقرة تحديا كبيرا للحكومة.
ولا تقتصر التحديات على الانقسام الجغرافي فحسب، بل تشمل أيضا مقاومة المؤسسات الحكومية لبعض الإصلاحات، خصوصا في أجهزة الأمن والقضاء التي لا تزال تحتفظ بعلاقات تاريخية مع روسيا.
وهذا الواقع يجعل تنفيذ السياسات الجديدة المتعلقة بالاندماج الأوروبي أكثر صعوبة ويعقد قدرة الحكومة على فرض الإصلاحات بسرعة وفعالية، خصوصا عندما تواجه ضغطا شعبيا من مجموعات تعارض التغييرات أو تشكك في نية بروكسل.
كما تلعب العوامل الإعلامية دورا كبيرا في تعميق الانقسام الداخلي، فالإعلام منقسم بين خطاب مؤيد لأوروبا يركز على الإصلاح ومحاربة الفساد، وخطاب يحذر من المخاطر المحتملة للانخراط الأوروبي، وهو ما يخلق بيئة من الاستقطاب تجعل الرأي العام عرضة للتأثيرات الخارجية، ويزيد من حدة الانقسامات بين التيارات السياسية.
أما الجانب الاجتماعي والثقافي فيزيد بدوره من تعقيد المشهد الداخلي، فوجود الروابط الدينية مع الكنائس الأرثوذكسية المرتبطة بموسكو يدعم التوجه التقليدي ويعارض بعض السياسات الأوروبية، مما يزيد صعوبة توحيد الهوية الوطنية وموازنة القيم بين الانتماءات المختلفة.
ويكمن التحدي الأكبر في قدرة الحكومة على الموازنة بين التوجهات الداخلية المختلفة وحماية مصالح الدولة من الضغوط الخارجية، سواء من بروكسل أو موسكو، إذ إن كل خطوة نحو الإصلاح أو الانفتاح الأوروبي يجب أن تراعي حساسية الانقسامات الداخلية والقدرة على تجنب تفاقم الاحتكاكات بين التيارات المختلفة، مع ضمان استقرار مؤسسات الدولة وقدرتها على الاستجابة للأزمات.
كما أن العلاقات الاقتصادية الخارجية تشكل عاملا إضافيا في التعقيد السياسي. فعلاقات مولدوفا التجارية مع روسيا تشمل موارد حيوية مثل الغاز والطاقة، وأي تغيير في السياسات الأوروبية قد يؤدي إلى ضغط اقتصادي من موسكو.
بينما تتطلب الالتزامات الأوروبية إصلاحات اقتصادية صارمة قد تكون مؤلمة على الأمد القصير، مثل تعديل سياسات الدعم أو تحسين الشفافية في الميزانية، مما يجعل الصراع الداخلي على المصلحة الاقتصادية والسياسية مستمرا.
ويشير التقرير السابق إلى أن الحكومة المولدوفية تواجه تحديا كبيرا في إشراك المجتمع المدني في عملية الإصلاح، فالمجتمع منقسم بين مؤيد للتوجه الأوروبي ويطالب بمزيد من الشفافية والمساءلة، وبين مجموعات محافظة ترى أن الانحياز المبالغ فيه لأوروبا قد يهدد الاستقرار الاجتماعي والهوية الوطنية.
ويفرض هذا الانقسام على القيادة السياسية تبني إستراتيجيات تواصل دقيقة مع المجتمع لضمان الدعم الشعبي الكافي والابتعاد عن أي خطوة قد تعرقل مسار تنفيذ الإصلاحات.الا أن موقعها الجغرافي والسياسي يجعلها ساحة مفتوحة للتجاذب بين مشروعين متعارضين:
• مشروع التكامل الأوروبي الذي يَعِد بالإصلاح والديمقراطية.
• ومشروع النفوذ الروسي الذي يستند إلى التاريخ والجغرافيا والطاقة.
أن اللحظة السياسية الراهنة تمثل اختبارا صعبا لمولدوفا، إذ لا يقتصر الأمر على نتائج الانتخابات أو موازين القوى في البرلمان، بل يتجاوز ذلك إلى شبكة من الضغوط الخارجية التي تسعى كل جهة إلى فرضها على كيشيناو.
فروسيا تنظر إلى مولدوفا باعتبارها جزءا من محيطها الحيوي، وهي ترى أن أي اقتراب من الاتحاد الأوروبي يشكل تهديدا مباشرا لنفوذها في المنطقة. في المقابل، تعتبر بروكسل أن تعزيز المسار الإصلاحي في مولدوفا جزء من إستراتيجية أوسع لصد النفوذ الروسي على حدودها الشرقية.
ولم تكن رحلة مولدوفا بين هذين الخيارين مجرد عملية سياسية داخلية، بل اختبارا للقدرة على البقاء في قلب معادلة جيوسياسية مضطربة، فالاتحاد الأوروبي يشترط إصلاحات واسعة في مجالات مثل القضاء والشفافية الإدارية ومحاربة الفساد، وهي متطلبات تُحمّل الحكومة أعباء إضافية وتضعها في مواجهة مباشرة مع قوى داخلية مترددة أو رافضة للتغيير.
ويسلط هذا المثال الضوء على أن الصراع لا يقتصر على القرارات الرسمية، بل يمتد إلى الحياة اليومية للمواطن المولدوفي، فبينما يَعد الاتحاد الأوروبي بفرص اقتصادية أفضل على المدى البعيد، يخشى الكثيرون من ارتفاع الأسعار وتراجع الدعم الاجتماعي نتيجة الإصلاحات.
ومن جهة أخرى، تقدم روسيا نفسها كحامية للتقاليد والثقافة المحلية، ويظهر هذا التوازن الهش كيف يمكن للضغوط الخارجية أن تتحول إلى عبء داخلي يعمق الانقسام الاجتماعي، إذ يجد المواطن نفسه في قلب معادلة معقدة: بين تطلعات نحو مستقبل أوروبي حديث قائم على المؤسسات والإصلاح، وبين علاقات تقليدية مع روسيا ترتبط بالاقتصاد والدين والثقافة.
ولا يقرأ التناقض فقط في البرلمان أو في دوائر صنع القرار، بل ينعكس في النقاشات اليومية، في الإعلام، وفي المواقف العائلية والاجتماعية.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن إغفال البعد الأمني لهذه المعادلة، إذ يشكل وجود إقليم ترانسنيستريا الموالي لروسيا عامل ضغط دائم على كيشيناو.
فالإقليم الذي يتمتع بوجود عسكري روسي رمزي، يذكر باستمرار بأن أي تحرك سياسي نحو بروكسل قد يقابَل بتوترات أمنية أو حتى محاولات لزعزعة الاستقرار، وهنا يصبح التحدي أكثر وضوحا: كيف يمكن لدولة صغيرة مثل مولدوفا أن تدير هذا التوازن الدقيق دون أن تفقد سيادتها أو تتحول إلى ساحة صراع مفتوح؟
هل تكون مولدوفا ساحة المواجهة التالية بين روسيا والغرب؟
وفي وقت تبدو فيه أنظار العالم شاخصة نحو أوكرانيا وتطورات الحرب ، تقف دولة مولدوفا على قدم واحدة بسبب الاستقطاب السياسي بين أنصار موسكو على أراضيها، بينما يسيطر الغموض على الطموحات القوية لرئيسة البلاد مايا ساندو لقيادة بلادها للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.
ولكن يبدو أن الطريق لن يكون مفروشا بالورود أمام ساندو في وقت تشهد فيه المنطقة تحولات جيوسياسية خطيرة ولي ذراع بين موسكو والغرب، أعاد إلى الأذهان حقبة الحرب الباردة وأزمة الصواريخ الكوبية ومخاطر اندلاع حرب نووية.
وبعد جولات سابقة من النزاع السياسي غير المعلن على أراضي جورجيا ومن ثم الحرب في أوكرانيا، هل تكون مولدوفا ساحة النزال التالية بين روسيا والغرب؟
رسالة مولدوفا
يمثل صعود مايا ساندو لولاية ثانية رسالة من الدولة السوفياتية السابقة بالتحول الصريح إلى المعسكر الغربي والابتعاد عن فلك النفوذ الروسي، ولكن النتائج الضيقة التي أفرزها الاستفتاء الشعبي في أكتوبر/تشرين الأول 2024 بشأن التصويت على الانضمام للاتحاد الأوروبي، أعطى مؤشرا مغايرا بأن الهدف لن يكون سهلا وقد يواجه مطبات.
ويشير تصويت مؤيدي الانضمام بنسبة 50.43% إلى رغبة الحكومة في اقتفاء أثر جارتها رومانيا ودول البلطيق في الخروج من المظلة الروسية، كما ذكر وزير الخارجية ميهاي بوبسوي، ولكن النتيجة في الوقت نفسه عكست حالة الاستقطاب السياسي العميق في البلاد.
ويمكن فهم رغبة العاصمة تشيسيناو في التوجه إلى معسكر بروكسل مع وجود حوالي ثلث سكانها البالغ عددهم قرابة 3 ملايين نسمة في دول التكتل الأوروبي والارتباط الثقافي القوي بغرب أوروبا.
كما تظهر البيانات أيضا أن من 40% من المولدوفيين الذين يعيشون في الخارج تتراوح أعمارهم بين 30 و44 عاما، بينما من المتوقع أن يبلغ عدد المولدوفيين المولودين في الخارج بحلول عام 2030 أكثر من عدد المولودين في البلاد.
ويبلغ الحد الأدنى للأجور في مولدوفا، التي تبلغ مساحتها حوالي 34 ألف كيلومتر مربع، ما يعادل 261 يورو شهريا، وهو من أدنى المعدلات في أوروبا. وقد أظهر تحليل أجراه مركز الأبحاث المستقل "إيديس فيتورول" أن أكثر من 200 ألف مولدوفي غادروا البلاد خلال السنوات الأربع الماضية، وهو رقم قياسي.
ومن شأن برنامج الدعم الأوروبي الذي أعلنت عنه رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين في منتصف أكتوبر/تشرين الأول 2024 بقيمة 1.8 مليار يورو وهو أكبر تمويل تلقته البلاد منذ استقلالها- أن يدعم خطط الحكومة في مولدوفا شريطة تنفيذ الإصلاحات المطلوبة.
لكن هذا لا يكفي لتعبيد الطريق نحو مؤسسات بروكسل، إذ يتعين على الحكومة الجديدة التعهد ببذل الكثير من الإصلاحات للوفاء بالمعايير الأوروبية، بما في ذلك المرتبطة بحقوق الإنسان، إذ يقول الخبراء إن وجود العشرات من السجناء السياسيين من شأنه أن يشكل عقبة محورية أمام طموحات مولدوفا.
لماذا صوت 49% ضد الانضمام؟
يقول الخبراء إن الإجابة المنطقية عن هذا التساؤل هو دولة إقليم ترانسينيستريا المعلنة من جانب واحد على الحدود مع روسيا.
وترانسينيستريا منطقة انفصالية موالية لموسكو تقع في غرب روسيا وعلى الحدود الشرقية لمولدوفا مع أوكرانيا، وقد أعلنت استقلالها عام 1999.
وبعد مرور 30 عاما على حرب دنيستر التي عارض فيها جيش ترانسنيستريا الحكومة المركزية لم يتم التوصل إلى نتيجة سياسية واضحة للصراع، ولكن الإقليم يعد مستقلا بحكم الأمر الواقع.
ورغم مرور 32 عاما على إعلان هذه الدولة، فإن الحدود التي تقسم مولدوفا إلى نصفين لا يعترف بها المجتمع الدولي حتى اليوم، ومع ذلك تمتلك المنطقة الانفصالية -وعاصمتها تيراسبول- علما خاصا بها وعملتها المحلية ولوحات منجمية خاصة للسيارات، بينما تسيطر المعالم السوفياتية بما في ذلك تماثيل المفكرين كارل ماركس وفريدريك إنغلز بوضوح على الساحات والفضاءات العامة.
وتحتفظ موسكو الداعمة للإقليم الانفصالي بحوالي 2000 جندي فوق أراضيه لإبقائه تحت سيطرتها والدفاع عن المصالح الروسية.
ويشير جيمس نيكسي الخبير في شؤون روسيا وأوراسيا بمركز أبحاث "تشاتام هاوس" إلى أن النفوذ الروسي العميق في منطقة ترانسينيستريا الانفصالية، جعل في السابق عضوية مولدوفا في الاتحاد الأوروبي "معقدة للغاية، وتكاد تكون مستحيلة".
ورغم أن الدستور المولدوفي ينص على حياد الدولة، فإن ذلك لم يمنع الحكومة في العاصمة تشيسيناو من إدانة الغزو الروسي لأوكرانيا منذ بداية الصراع في 2022. وصرح وزير الخارجية بأن بلاده لن تعترف بأي أراض استحوذ عليها الجيش الروسي في أوكرانيا.
وعلى الجانب الآخر، استقبلت مولدوفا قرابة 120 ألف أوكراني وفق بيانات السلطات، حيث استفادوا هناك من خدمات الصحة والتعليم وسوق العمل، بفضل تفعيل آلية الحماية المدنية التابعة للاتحاد الأوروبي التي قدمت مساعدات تبلغ حوالي 48 مليون يورو للبلاد.
لكن من الناحية السياسية أثارت العملية العسكرية الروسية الخاصة في أوكرانيا مخاوف مولدوفا بشأن مصير الإقليم الانفصالي ترانسينيستريا، إذ سبق أن طالبت سلطات الإقليم عام 2006 بالانضمام إلى روسيا بعد استفتاء أفضى إلى أغلبية ساحقة داعمة للانضمام، لكن مولدوفا لم تعترف بنتائج الاستفتاء، وكذلك المجتمع الدولي، وعاد الإقليم لإحياء مطالبه رسميا لدى مجلس الدوما في 2014، عقب ضم روسيا شبه جزيرة القرم الأوكرانية.
وبخلاف ذلك، يمثل الإقليم اليوم معضلة أساسية ضد طموحات مولدوفا الغربية، ليس بسبب النفوذ الروسي فحسب، ولكن في حال قبول الدولة عضوا في الاتحاد فيعني ذلك إمكانية وصول الانفصاليين الموالين لروسيا إلى فضاء الاتحاد الأوربي وهو ما تخشاه وترفضه بروكسل.
ويشير تحليل على شبكة "أورونيوز" إلى أن هنالك تغييرا للمزاج في بروكسل، حيث ينظر المسؤولون الآن إلى انضمام مولدوفا وغيرها من البلدان المرشحة لعملية الانضمام باعتباره ضرورة جيوسياسية.
وبالنتيجة، تنتظر الآن 10 دول الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، من بينها 9 دول حازت على مرتبة مرشح رسمي، وصرحت رئيسة المفوضية الأوروبية في بيان صحفي "إن السياق الجيوسياسي المتوتر يشجعنا أكثر من أي وقت مضى على استكمال إعادة توحيد قارتنا، في ظل نفس قيم الديمقراطية وسيادة القانون".
لكن على خلاف ذلك الزخم، أظهر التقييم السنوي لإصلاحات الدول المرشحة على طريق الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، الذي كشفت عنه المفوضية الأوروبية في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، أن أيا من الدول العشر لم تحقق تقدما كبيرا.
ترى روسيا نفسها "الأخ الأكبر" لكل من مولدوفا وأرمينيا الذي يسعى للحفاظ على دائرة نفوذه. ومع عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، ستتجه الأنظار إلى أوكرانيا، حيث يمكن أن تكون الشروط للإنهاء المحتمل للحرب حاسمة في تحديد النفوذ الاقتصادي والسياسي لروسيا في السنوات المقبلة.
ومن العوامل الحاسمة الأخرى الدور الذي تراه الإدارة الأميركية الجديدة لنفسها في هذا الجزء من العالم. إذا قرر ترمب أن روسيا يجب أن تحتفظ بدائرة نفوذها، فقد تعود مولدوفا وأرمينيا إلى الحظيرة الروسية، وستصبح طموحاتهما في الاستقلال الاقتصادي شيئا من الماضي.
لكن الهستيريا الاوربية ضد روسيا وافتعال الازمات لدول البلطيق مع روسيا تضع هذه الدول على مفترق طريق واضح ففيما ترى اوربا ان بوسعها التمدد من خلال الناتو والادوات الاقتصادية الاخرى في مالدوفيا وغيرها من دول البلطيق فان ما حدث مع اوكرانيا يمكن ان يتكرر في احدى هذه الدول فروسيا لن تسمح بتهديد امنها القومي وعلى دول البلطيق وداعميهم التنبه لهذه المسالة والا فان المنطقة تتجه الى حرب جديدة تغذيها الاطماع الاطلسية ضد روسيا ..
________________
