افراسيانت - أياً كانت الأسباب الفعلية وراء استقالة وزيرة العمل الأمريكية، وما إذا كانت أقرب إلى الإقالة منها إلى المغادرة الطوعية للمنصب، فإن الحقيقة التي لا جدال فيها تشير إلى أنها الثالثة التي تخرج من الفريق الحكومي للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بعد إقالة وزيرة الأمن الداخلي، ثم وزيرة العدل.
صحيح من حيث الشكل والملابسات المعلنة أن الحالات الثلاث ليست على صلة مباشرة بالحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية الراهنة ضد إيران، أو بتداعياتها الداخلية على الحياة اليومية للمواطن الأمريكي في مسائل الطاقة وأسعار الوقود مثلاً. ولكن الصحيح الموازي هو أن الإقالات أو الاستقالات وثيقة الصلة بسياسات ترامب الداخلية، وآثار فضائحه الشخصية، وتدابيره الإدارية والإنفاقية ذات العواقب الفدرالية من جهة أولى. وغير منفصلة، من جهة ثانية، عن سياساته الخارجية بصدد الرسوم الجمركية، وأطماع التوسع الخارجي، واستعداء أوروبا، واستسهال شنّ الحروب هائلة التدمير.
ولم يعد جديداً أن يناقض ترامب تصريحات كبار المسؤولين ممّن اختارهم بنفسه بسبب ولائهم له، كما فعل مؤخراً حين اعتبر أن وزير الطاقة “مخطئ تماماً” لأن الأخير قدّر أن أسعار الوقود الراهنة قد لا تعود إلى مستوياتها السابقة قبل الحرب على إيران، أو حين بدأت مواقف انتقاد سياساته تصدر عن إعلاميين وصحافيين وساسة كانت ولاءاتهم لشخصه معلنة ومطلقة واعتاد على توظيفها في وجه خصومه.
هذا عدا عن معدلات شعبيته الآخذة في الانخفاض والتناقص، ليس على صعيد سواد الجمهور الأمريكي فقط، بل كذلك في قلب حاضنته الانتخابية وأنصاره على تنوع مشاربهم بين منظمات الـMAGA والتفوق الأبيض والتيارات الشعبوية واليمينية والعنصرية. ففي استطلاع رأي جديد أجرته شبكة NBC هبطت شعبية ترامب إلى مستواها الأدنى خلال ولايته الثانية فلم تتجاوز 37%، مقابل 63% من المعارضين، وعلى صعيد تعامله مع الحرب ضد إيران لم يؤيده سوى 33% مقابل رافضين بلغت نسبتهم 67%.
وقد يساجل البعض بأن الرئيس الأمريكي الحالي لم يعد يكترث بالقاعدة الانتخابية ولا حتى بالحاضنة الشعبية، لأنه أتمّ دورة رئاسية ثانية ولا يطمع منطقياً في ثالثة، وهذا رأي يغفل سمة كبرى ناظمة في شخصية ترامب هي تضخم الأنا والنرجسية والدوس على القوانين والنُظُم سارية المفعول، إذ ألمح مراراً إلى إمكانية تعديل العرف السائد والترشح لولاية ثالثة.
كذلك فإن القائلين بانتهاء عهد ترامب يتغافلون عن مواعيد انتخابات التجديد النصفي مطلع تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل، والتنافس على 435 مقعداً في مجلس النواب، و35 مقعداً من أصل 100 في مجلس الشيوخ، فضلاً عن 39 انتخاباً لحكام ولايات وأقاليم. ولن يكون ترامب معنياً بهذه الانتخابات من باب الانحياز إلى الحزب الجمهوري، فهذا بات في عداد آخر همومه، بل لأن إحكام قبضته على الكونغرس تجنّبه مفاجآت المستقبل وإعادة فتح ملفات فضائحه، وهذه كثيرة أصلاً أو سوف تتكاثر.
حروب ترامب تتشابك في الداخل كما في الخارج، على مرأى التاريخ وشهادته.

