جندي إسرائيلي يحمي مستوطنين خلال هجومهم على قرية جناتا في الضفة
افراسيانت - تفاخر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بمصادقة حكومته على 264 مستوطنة وبؤرة استيطانية في الضفة الغربية المحتلة، وأبلغ قادة المستوطنين أنهم “يمهدون لهجرة كبيرة قادمة”.
وتحدث نتنياهو، المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب في قطاع غزة، إلى قادة المستوطنين في وسط الضفة الغربية، مساء الثلاثاء، وفق بيان صادر عن مكتبه الأربعاء.
وقال نتنياهو للمستوطنين: “أنتم تُحققون رؤية أرض إسرائيل، وهذه أرضنا. اليوم، يُدرك العديد من إخواننا وأخواتنا في العالم أن هذه أرضنا”، وفق مزاعمه.
وتابع نتنياهو: “وعندما أقول أرضنا، أقول لكل يهودي: الباب مفتوح، نحن في انتظاركم”.
وواصل حديثه لقادة المستوطنين: “أنتم تُمهدون الطريق لهجرة كبيرة قادمة. لا يُمكنكم تجاهل الأرقام: 104 مستوطنات أنشأناها واستوطنّاها معًا و160 مزرعة (بؤرة استيطانية)، والمزيد في الطريق”.
وأضاف: “بالأمس، كنتُ مع وزير الدفاع (يسرائيل كاتس) وسكرتير الحكومة في قيادة المنطقة الوسطى للجيش، وأول ما أردتُ رؤيته هو خريطة”.
وأردف: “وعندما رأيتها، رأيت النقاط، النقاط، النقاط تُغطي كل شيء”، في إشارة إلى البؤر الاستيطانية في الضفة الغربية المحتلة.
وفد أمريكي يوبّخ مسؤولا إسرائيليا بشأن عنف المستوطنين في الضفة
وكانت القناة 12 الإسرائيلية، كشفت الثلاثاء، أن وفدا أمريكيا يزور تل أبيب وجّه توبيخا شديد اللهجة إلى مسؤول إسرائيلي رفيع خلال اجتماع خُصص لبحث تصاعد أعمال عنف المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة.
وبحسب القناة، يضم الوفد أعضاء في مجلسي الشيوخ والنواب الأمريكيين، ومستشارين لكبار المسؤولين في الإدارة الأمريكية، إلى جانب فرق مهنية.
ونقلت القناة عن أعضاء الوفد مخاطبتهم مسؤولا كبيرا في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، لم تسمّه، بالقول: «نحميكم بكل الطرق وفي ظل ظروف صعبة، في الوقت الذي يقف فيه العالم كله ضدكم. لا يمكن أن يكون المقابل أعمال عنف ونهب ومحاولات لاستهداف الفلسطينيين».
الوفد الأمريكي للمسؤول الإسرائيلي: نحميكم بكل الطرق وفي ظل ظروف صعبة، في الوقت الذي يقف فيه العالم كله ضدكم. لا يمكن أن يكون المقابل أعمال عنف ونهب ومحاولات لاستهداف الفلسطينيين
وأضاف أعضاء الوفد خلال الاجتماع: «لا تتعاملوا مع الدعم الأمريكي باعتباره أمراً مفروغاً منه، فيما تسمحون باستمرار هذه الأفعال. هذا سيرتد عليكم من الباب الخلفي. كيف لا تدركون بأنفسكم ذلك؟».
وجاء الاجتماع في ظل تصاعد اعتداءات المستوطنين والعمليات العسكرية الإسرائيلية في الضفة الغربية منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، بالتزامن مع توسع الاستيطان وتشديد القيود على حركة الفلسطينيين.
وذكرت القناة أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عقد، الاثنين، اجتماعا أمنيا ضم رئيس أركان الجيش إيال زامير ومسؤولين آخرين لبحث عنف المستوطنين في الضفة، وذلك استجابة لطلب أمريكي.
ولم تكشف القناة هوية المسؤول الإسرائيلي الذي تلقى التوبيخ، كما لم يصدر تعليق إسرائيلي فوري على ما أوردته.
ووفق بيانات نشرتها هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية قبل أيام، قتل مستوطنون 25 فلسطينياً منذ بداية عام 2026، فيما بلغ عدد الفلسطينيين الذين استشهدوا على أيدي المستوطنين 61 منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، و87 منذ عام 2019، غالبيتهم في محافظتي رام الله والبيرة ونابلس.
وخلال النصف الأول من عام 2026، نفذ المستوطنون 3488 اعتداء في الضفة الغربية، أسفرت عن استشهاد 17 فلسطينياً وتهجير 26 تجمعاً بدوياً ورعوياً بشكل كلي أو جزئي، إضافة إلى إقامة 42 بؤرة استيطانية جديدة، معظمها بؤر رعوية، بحسب الهيئة.
ويقيم نحو 750 ألف مستوطن في 156 مستوطنة و360 بؤرة استيطانية في الضفة الغربية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، وفق معطيات فلسطينية وإسرائيلية رسمية.
من الاعتداء إلى التهجير.. كيف يعيد عنف المستوطنين تشكيل واقع الضفة؟
بين ألسنة النار التي تلتهم المنازل، وحقول الزيتون التي تُقتلع، ووجوه الفلسطينيين التي تحمل آثار الاعتداءات، تتسع دائرة عنف المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة، حيث يجد السكان أنفسهم أمام هجمات متكررة لا تستهدف ممتلكاتهم فحسب، بل تصل إلى أمنهم ووجودهم في قراهم وأراضيهم.
وشهدت بلدة تل جنوب غرب مدينة نابلس، يوم الجمعة الماضي، مواجهات بين مستوطنين مدججين بالسلاح والسكان الفلسطينيين، عقب سلسلة اعتداءات متواصلة على البلدة، جرت تحت حماية جيش الاحتلال الإسرائيلي، مما دفع الأهالي إلى التصدي للمستوطنين دفاعًا عن منازلهم وأراضيهم.
وأسفرت المواجهات عن سقوط شهداء وإصابات في صفوف الفلسطينيين، بينها حالات خطيرة جراء إطلاق قوات الاحتلال الإسرائيلي النار عليهم، في حين قُتل عسكريان إسرائيليان، أحدهما برتبة رائد، قرب البلدة، إثر مواجهات اندلعت خلال اقتحام نفذه مستوطنون وتخلله إطلاق نار.
وعقب الأحداث، فرضت قوات الاحتلال حصارا عسكريا مشددا على بلدة تل ومدينة نابلس، وعقد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو اجتماعا مع وزير الدفاع وقائد الجيش ورئيس جهاز الأمن العام، أعلن بعده إصدار أوامر بتنفيذ عملية واسعة في ما وصفها بـ"القرى التي تشكل مصدرا للإرهاب" في الضفة الغربية.
ومنذ ذلك الحين، تصاعدت اعتداءات المستوطنين في عدد من بلدات ومدن الضفة الغربية، بالتزامن مع دعوات وتحريض من وزراء وشخصيات إسرائيلية لتوسيع الإجراءات العسكرية بحق الفلسطينيين، مما أثار مخاوف من انتقال موجة العنف إلى مرحلة أكثر اتساعا.
غضب فلسطيني
وأثارت هذه التطورات موجة غضب بين الفلسطينيين، الذين عبروا عبر منصات التواصل الاجتماعي عن مخاوفهم من تحول اعتداءات المستوطنين إلى نهج ممنهج يهدف إلى الضغط على السكان ودفعهم إلى ترك أراضيهم وفرض واقع جديد في الضفة الغربية.
وقال النائب العربي في الكنيست أيمن عودة إن إحراق مسجد في قرية قصرة قرب نابلس جاء "تحت حماية الجيش وتشجيع من الحكومة"، مشيرا إلى أن كتابة عبارات انتقامية على جدران المسجد تعكس تصاعد خطاب التحريض، وأضاف أن "الدماء لا تُزيّن الأرض بل تُدنّسها"، محذرا من محاولات دفع الضفة نحو الانفجار.
من جانبه، قال النائب العربي في الكنيست أحمد الطيبي إن إحراق مسجد الرحمة في قصرة وكتابة شعارات انتقامية عليه يمثل "إرهابا"، متسائلا عن الردود الدولية لو تعرض كنيس يهودي لهجوم مماثل.
أما الأمين العام للمبادرة الوطنية الفلسطينية مصطفى البرغوثي، فقال إن مناطق واسعة من الضفة شهدت تصعيدا متزامنا شمل مداهمات واعتقالات وإطلاق نار من قوات الاحتلال، إلى جانب هجمات نفذها مستوطنون استهدفت منازل ومركبات وطرقا رئيسية في عدد من القرى، داعيا إلى وقف هذه الاعتداءات.
وعبّرت الكاتبة والناشطة الفلسطينية هدى جودة عن غضبها من التصعيد، ووصفت ما يجري في الضفة بأنه تحويل للمنطقة إلى "جحيم على الأرض".
ورأى الناشط الفلسطيني الحكيم أن الضفة الغربية أصبحت "في مرمى النار"، معتبرا أن تصعيد اليمين الإسرائيلي المتطرف يهدف إلى دفع المنطقة نحو مزيد من الفوضى وفرض وقائع جديدة على الأرض، محذرا من أن المرحلة المقبلة قد تُرسم بـ"ملامح النار والبارود" في ظل مخططات الضم والتهجير وتصاعد العنف.
معركة على شكل المستقبل
وترى المدونة الفلسطينية إيلينا أن تصعيد المستوطنين في الضفة الغربية لا يمكن اختزاله في كونه موجة عنف عابرة، بل يرتبط بسياق سياسي أوسع، في ظل ما تصفه بتساهل السلطات الإسرائيلية مع اعتداءات المستوطنين، خاصة مع تنامي نفوذ التيار الاستيطاني داخل الحكومة الحالية.
وتقول إن الهدف من هذه الاعتداءات لا يتمثل فقط في إلحاق الضرر بالفلسطينيين، عبر إحراق المركبات وتخريب الممتلكات ومهاجمة القرى، بل في خلق بيئة سياسية وأمنية جديدة قد تدفع نحو انفجار واسع في الضفة الغربية.
وبحسب إيلينا، فإن اندلاع مواجهة شاملة قد يمنح التيارات الإسرائيلية الأكثر تطرفا مبررات لاتخاذ خطوات أكثر تشددا، من بينها فرض واقع أمني قاسٍ وتهميش أي أفق سياسي، وربما إضعاف مؤسسات السلطة الفلسطينية في رام الله.
وتضيف أن انهيار السلطة الفلسطينية لن يعني فراغا محايدا، بل قد يقود إلى فوضى أمنية تتحمل تبعاتها اليومية حياة ملايين الفلسطينيين، مشيرة إلى أن الدعوات إلى التصعيد من خارج الميدان تختلف عن واقع من يعيشون تحت وطأة المواجهة.
وتخلص إلى أن الضفة الغربية تقف أمام مفترق طرق، إذ لم تعد القضية مجرد اعتداءات متفرقة، بل صراع على شكل المستقبل بين احتمال الانزلاق إلى فوضى مفتوحة أو محاولات منع انهيار شامل يصعب احتواؤه.
تحريض المستوطنين
وتساءل الناشط الفلسطيني خالد صافي عن تصاعد اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية، قائلا إن مهاجمة القرى الفلسطينية "تجري تحت حماية جنود الاحتلال"، معتبرا أن هذه الممارسات تمثل "إرهابا" بحق الفلسطينيين.
وأجمع ناشطون فلسطينيون على أن ما تشهده الضفة الغربية يمثل خطرا متزايدا، معتبرين أن ممارسات المستوطنين ترسم صورة جديدة عن واقع الاحتلال، ومحذرين من انتقال مشاهد الدمار التي شهدها قطاع غزة إلى الضفة الغربية.
واعتبر مدونون أن التصعيد الحالي يندرج ضمن محاولات تغيير الواقع الديمغرافي في الضفة الغربية وطمس وجود الفلسطينيين على أرضهم، مشيرين إلى أن استمرار التوسع الاستيطاني يهدد مستقبل المنطقة.
كما تداول ناشطون فلسطينيون مقاطع مصورة قالوا إنها توثق اعتقالات واسعة نفذها الجيش الإسرائيلي بحق فلسطينيين في الضفة الغربية، واصفين المشهد بأنه يعكس تصاعد الإجراءات الأمنية والعسكرية بحق السكان.
تحريض رسمي وتوسّع استيطاني
وتزامن تصاعد اعتداءات المستوطنين مع دعوات أطلقها وزراء في الحكومة الإسرائيلية لتوسيع العمليات العسكرية في الضفة الغربية.
ودعا وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش جيش الاحتلال إلى "العمل بقوة ضد كل قرية فلسطينية تُنفذ منها عملية وما حولها من بلدات"، بالتزامن مع إعلانه المضي قدما في خطط لتوسيع البناء الاستيطاني في مستوطنة "عيلي" عبر المصادقة على مئات الوحدات السكنية الجديدة.
من جانبه، دعا وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير إلى التعامل مع مدن وقرى الضفة الغربية كما جرى التعامل مع مناطق في قطاع غزة، في تصريحات اعتبرها فلسطينيون تحريضا على تصعيد واسع ضد السكان.
وفي سياق تصاعد التحريض، تداول ناشطون إسرائيليون دعوات تحريضية تضمنت المطالبة بقتل الفلسطينيين وهدم قراهم، وسط مخاوف فلسطينية من أن يتحول هذا الخطاب إلى اعتداءات ميدانية جديدة تستهدف السكان وممتلكاتهم في الضفة الغربية.
عنف المستوطنين في الضفة: محاولات المحو والإلغاء
في كتابه الذي يحمل نفس العنوان يكشف الاستاذ أحمد حنيطي عن ابعاد الهجمات التي ينفذها المستوطنون في الضفة الغربية - نتايع:
تسارع في الفترة الأخيرة العنف الذي يمارسه المستوطنون الاستعماريون في الضفة الغربية، ولا سيما بعد 7 تشرين الأول / أكتوبر 2023، إذ باتت مناطق واسعة في الضفة الغربية تتعرض لاعتداءات المستوطنين واستفزازاتهم. ومن المتابعة اليومية، فإن هذه الاعتداءات الدائمة والشديدة التكثيف، والتي تمارَس على بعض المواقع أكثر من مرة يومياً، تثير كثيراً من الأسئلة التي تحاول هذه المقالة تقديم أجوبة عنها، ولا سيما أين يقع هذه العنف في الاستراتيجيا الاستعمارية الصهيونية في فلسطين؟ وكيف تساعد ممارسات المستوطنين في فهم الحالة الاستعمارية الاستيطانية في الحالة الفلسطينية؟
وقد اعتمدت هذه المقالة على حوارات ونقاشات أجراها الكاتب مع سكان التجمعات البدوية والقرى، والمتابعة اليومية لاعتداءات المستوطنين من خلال ما يتم نشره في مجموعة "الأغوار عاصمة الشمس" على الواتساب، والتي يشترك فيها ناشطون فلسطينيون من جميع مناطق الضفة الغربية، يوثقون فيها اعتداءات المستوطنين في المواقع والأماكن في الضفة الغربية كافة.
صدر كثير من الأدبيات التي تحلل الحالة الاستعمارية في فلسطين، والتي اتفقت على مفهوم الاستعمار الاستيطاني، وتنوعت في طبيعة أطرها المفاهيمية التي تحاول عبرها تحليل النظام الاستعماري الاستيطاني في فلسطين، مستخدمة مروحة كبيرة من المفاهيم لتحليل وتفسير السياسات التي ينتهجها النظام الاستعمار الاستيطاني تجاه الفلسطينيين. ومن خلال المتابعة فإن أغلبية الدراسات تبعت التحليلات النظرية للاستعماري الاستيطاني، والتي تبنّاها باتريك وولف وفيراسيني، ولا سيما المقولة الشهيرة لوولف، وفحواها أن الاستعمار الاستيطاني هو بُنية وليس حدثاً.[1] أمّا فيراسيني، ففرّق بين الاستعمار الكلاسيكي والاستعمار الاستيطاني. وهكذا فإن الأول يتناول منطق الاستغلال، أي "اِعمل من أجلي"، بينما الثاني يتناول منطق الإلغاء، أي "اِذهب من هنا".[2]
لقد شهد التاريخ الاستعماري العالمي حالات من الاستعمار الاستيطاني تأسست على نظام الاستغلال "اِعمل من أجلي" مثلما حدث في الجزائر وفي جنوب أفريقيا. أمّا بشأن محاولات تفسير الواقع الاستعماري الاستيطاني في فلسطين، فقد استُخدمت مفاهيم مثل: الأبارتهايد، وأُجريت مقارنات بما حدث في النظام الاستعماري الاستيطاني في جنوب أفريقيا، كما استُخدم مفهوم التطهير العرقي[3] والمكاني،[4] وكذلك مفهوم الإثنوقراطية[5] والمحاججة بشأن دقة استخدام الأصلانية[6] في المشروع الاستعماري الصهيوني في فلسطين.
وهدف بعض هذه الأدبيات إلى وضع الحالة الفلسطينية تحت مجهر النظرية النقدية للاستعمار الاستيطاني، من أجل تفكيك السردية الصهيونية في فلسطين وممارساتها، وجسر الهوة بين الاستخلاصات المعرفية التي توصلت إليها النظرية النقدية للاستعمار الاستيطاني من جهة، وتمثلات الحركة الوطنية الفلسطينية للصهيونية وأسسها وممارساتها من أجل توضيح المسار النضالي التحرري ضدها، من جهة أُخرى.[7]
وكشفت الأحداث التي تلت تشرين الأول / أكتوبر 2023 عن دخول النظام الاستعماري الاستيطاني الصهيوني في فلسطين في مرحلة تجعله واضحاً بدرجة أكبر، ويساعد في ذلك اعتقاد القائمين عليه ببلوغه مرحلة أقرب إلى الاكتمال ليتم التعبير عنه وتكثيف العمل لإكماله. ويمكن النظر إلى سيرورة هذا المشروع من خلال هدفين: الأول تكتيكي والثاني استراتيجي؛ الأول بالضرورة يقود إلى الثاني ويؤسس له، والثاني هو الخط الناظم للأهداف التكتيكية كافة. كما أن التكتيكي والاستراتيجي ليسا متتابعَين فقط، بل يسيران أحياناً بشكل متزامن أيضاً.
فالهدف التكتيكي هو تجريد الفلسطينيين من جميع المقومات التي تساعدهم على المقاومة والصمود والبقاء في فلسطين، وكانت هذه الممارسات عنيفة أحياناً، وناعمة وجاذبة أحياناً أُخرى، مثل توفير العمل في المنشآت الاستعمارية الصهيونية. أمّا الهدف الاستراتيجي فهو محو / إلغاء الفلسطينيين من داخل فلسطين (الانتدابية)، وهذا واضح في القانون الأساس الذي أُقرّ في الكنيست: "قانون أساس: إسرائيل – الدولة القومية للشعب اليهودي"، في 19 تموز / يوليو 2018، والذي تنصّ مبادئه الأساسية على أن إسرائيل هي الوطن التاريخي والدولة القومية للشعب اليهودي الذي يمارس وحده حق تقرير المصير فيها.[8]
وتتمثل أنماط المحو / الإلغاء التي يتبنّاهما الاستعمار الصهيوني حتى الآن في شكلين متداخلين: الأول هو الإبادة الجماعية التي بدأت بنكبة 1948، والتي ارتكبت خلالها العصابات الصهيونية العديد من المجازر في حقّ الفلسطينيين، والثاني هو التطهير العرقي مثلما حدث أيضاً في نكبتَي 1948 و1967، ولا تزال عملية المحو / الإلغاء مستمرة بأشكال متنوعة حتى اليوم عبر أعمال قتل جماعية فيما يُعبّر عنه بـ "النكبة مستمرة"، وخصوصاً الإبادة الجماعية المتواصلة في قطاع غزة منذ عامَين. وهذان الشكلان من أنماط المحو يعملان بشكل متزامن ومتداخل.
يرى أشرف بدر أن الاستعمار الاستيطاني في فلسطين "هو عبارة عن مسار عملي يخضع للمتغيرات على الأرض التي منها فاعلية المحكومين واللاعبين الدوليين والإقليميين الرئيسيين، والسياقات التي تجري فيها العملية برمّتها، علاوة على أن هذا المسار قائم على التجربة والخطأ، وأن المنطق الجامع له هو السعي للضبط والتحكم والسيطرة الذي يدار بمجموعة من السياسات من أهمها المحو والاستغلال الاقتصادي وإدارة السكان."[9] غير أن الأحداث التي تجري منذ 7 تشرين الأول / أكتوبر، تجعل الفهم الذي يقدمه بدر لتحليل الواقع الاستعماري في فلسطين ليس دقيقاً، فالمسار العملي هو التكتيكات التي مارسها النظام الاستعماري الصهيوني لتهيئة الظروف العملية نحو تحقيق الهدف الاستراتيجي، أو المنطق الجامع والناظم، وهو محو / إلغاء السكان الفلسطينيين.
فمثلاً، الاستغلال الاقتصادي للاستعمار في فلسطين يمكن فهمه على أنه تكتيك وليس هدفاً استراتيجياً، وهدفه تحقيق هيمنة وسيطرة استعماريتَين على سكان فلسطين وأرضها، ويقع ضمن السلام الاقتصادي الذي تحدث عنه موشيه دايان لإبعاد الفلسطينيين عن مشروعهم السياسي التحريري. كما أن العمل في الكيان الصهيوني ساهم في توفير اليد العاملة لبناء البُنية التحتية للدولة الاستعمارية، إلّا إن الأهم من ذلك بالنسبة إلى الاستعمار الصهيوني هو تجريد السكان من أراضيهم وتوفير الظروف للسيطرة عليها، وأيضاً عدم مقاومة عملية مصادرتها. وقد أشارت حوارات كثيرة أجراها كاتب المقالة مع سكان القرى الفلسطينية إلى أن بعض العاملين الفلسطينيين في المنشآت الصهيونية رفض الاحتجاج على مصادرة أرضه خوفاً من سحب تصريح العمل الذي يسمح له بالعمل في المنشآت الصهيونية.
وبعد 7 تشرين الأول / أكتوبر، تخلى الكيان الصهيوني عن العمالة الفلسطينية، الأمر الذي تسبب بتدهور الظروف الاقتصادية للفلسطينيين الذين بات بعضهم يبحث عن الهجرة التي تحضر في حوارات الفلسطينيين الذين يتداولون أمثلة لأسماء لمهاجرين ومكاتب هجرة. مثال آخر هو اتفاق أوسلو الذي عمل على تجريد الفلسطينيين من جميع مقومات صمودهم وبقائهم، وتحديداً في الضفة الغربية، ووضعهم في حالة هشاشة أمام السياسات الاستعمارية الصهيونية، وهو المسار العملي الذي تبنّاه الكيان الصهيوني لتهيئة البُنية التحتية الضرورية لتهجير الفلسطينيين وتفعيل دور المستوطنين.
السؤال هنا، كيف يساعدنا هذه المدخل في فهم عنف المستوطنين في الضفة الغربية؟ بطريقة أُخرى، كيف يعمل المستوطنون على تحقيق الهدف الاستراتيجي للدولة الاستعمارية الصهيونية؟
المعادلة الديموغرافية
الدولة القومية اليهودية التي تقصدها إسرائيل هي الدولة اليهودية الواحدة من النهر إلى البحر (فلسطين الانتدابية)، وتلقائياً يشتمل المنطق الذي تتضمنه عملية المحو / الإلغاء لدى النظام الاستعماري الاستيطاني الصهيوني في فلسطين، على محو إمكان قيام دولة فلسطينية على حدود 4 حزيران / يونيو، أو حتى على أي مساحة جغرافية في فلسطين، مهما يكن حجم هذه المساحة أو شكلها، وهذا كان واضحاً بشكل متكرر في خطابات رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، وحتى الخطابات التي ألقاها في الأمم المتحدة،[10] ومعه كثير من القادة الإسرائيليين.[11] لكن، على الرغم من ذلك، فإن الوجود الفلسطيني لا يزال يشكل عقبة أمام تحقيق الدولة القومية اليهودية.
وتبدو السياسة الاستعمارية الصهيونية في مسألة المعادلة الديموغرافية أكثر وضوحاً في القدس، ذلك بأن المعادلة المقبولة من الكيان الصهيوني في القدس، مثلما يشير العديد من التقارير، هي 70% يهود في مقابل 30% فلسطينيين،[12] علماً بأن نسبة الفلسطينيين في داخل الكيان الصهيوني هي نحو 17% من مجمل عدد السكان،[13] وهي نسبة لا تشكل خطراً على الكيان الصهيوني، وقد أعدّت إسرائيل العديد من الخطط للإبقاء عليها.
فوفقاً للإحصاءات يوجد 14 مليوناً يعيشون في فلسطين الانتدابية، نصفهم فلسطينيون والنصف الآخر من اليهود،[14] الأمر الذي يُناقض هدف قانون الدولة القومية اليهودية التي ترى حدودها من النهر إلى البحر (فلسطين الانتدابية). فهذه المعادلة الديموغرافية تشكل خطراً على النظام الاستعماري، وتخالف تلك التي تراها إسرائيل ملائمة وشبيهة بتلك الموجودة في القدس، وهو ما قد يفسر إسراع النظام الاستعماري في العمل على الهدف الاستراتيجي، واستخدام الأهداف التكتيكية لتحقيقه، أي المحو / الإلغاء، لحل المشكلة الديموغرافية. إن البُنية التحتية للواقع الذي يعيشه الفلسطينيون بعد 7 تشرين الأول / أكتوبر، صممته وبَنَتْه إسرائيل على مدار تاريخها، وتم تفعيله بهدا القدر من العنف عندما وجدت الظروف الملائمة.
"أخلاقية" الدولة الاستعمارية وسياساتها في الضفة الغربية
بعد أكثر من عامَين على ارتكاب الإبادة الجماعية في غزة، خرج نتنياهو، المدان الرئيسي بارتكاب الإبادة، ليقول للرأي العام العالمي إن ما يتم ترويجه عن عملية إبادة جماعية في قطاع غزة ليس صحيحاً، وإن جميع ما يحدث هو بسبب ممارسات "حماس" التي اتهمها بالمسؤولية المباشرة والوحيدة عمّا يجري، فهذه المنظمة "الإرهابية"،[15] مثلما وصفها في خطاباته، تسرق المساعدات، وتستغل المستشفيات، وتستخدم الناس دروعاً بشرية. ولهذا، تسعى إسرائيل عبر طرق متنوعة للترويج لجيشها على أنه الجيش الأكثر أخلاقية في العالم في حربه على قطاع غزة.[16]
وقد روجت إسرائيل لحملتها العسكرية الاستعمارية العنيفة في شمال الضفة الغربية المزاعم ذاتها التي استخدمتها في قطاع غزة، وخصوصاً خلال اجتياحها مخيمات جنين في مدينة جنين، ونور شمس وطولكرم في مدينة طولكرم، والذي هَجّرت خلاله 40,000 من سكان تلك المخيمات التي هُجّروا إليها خلال نكبة 1948.[17] وحتى كتابة هذه المقالة، فإن الجيش الإسرائيلي كان لا يزال موجوداً داخل تلك المخيمات التي عزلها عن محيطها، وهو يمنع السكان من العودة إلى منازلهم، فضلاً عن تدمير عشرات المنازل وتخريب كامل للبُنية التحتية فيها.
ووفقاً لسكان مخيم طولكرم في حوار أجراه الكاتب مع مدير مركز العودة في المخيم، فإن المنازل لم تعد صالحة للسكن بسبب تدمير البُنية التحتية. لكن السؤال هو: ما هي السياسة التي تتبنّاها إسرائيل ضد سائر التجمعات السكانية الفلسطينية في الضفة الغربية، والتي لا يصلح فيها تبريرات استخدام العنف المفرط التي تستخدمها في قطاع غزة والمخيمات الفلسطينية الثلاثة السالفة الذكر؟
عنف المستوطنين استراتيجيا المحو / الإلغاء
وجد النظام الاستعماري في المستوطنين أداة ناجعة لتحقيق أهدافه التكتيكية والاستراتيجية، وبديلاً من السياسات الاستعمارية التي تتطلب إيجاد مبررات "أخلاقية" مقنعة للمجتمع الدولي بشأن استخدام العنف المفرط تجاه الفلسطينيين من خلال توكيلهم باستخدام "الأعمال القذرة".[18] فالحكومة الاستعمارية الصهيونية تُظهر أن عنف المستوطنين هو عبارة عن شجارات بين مجموعتين سكانيتين، وأن ما يقوم به الجيش الإسرائيلي هو التفريق بين هاتين المجموعتين. واستناداً إلى هذا المنطق، نشر الجيش الإسرائيلي تصريحاً في 12 تموز / يوليو 2025، جاء فيه:[19]
في وقت سابق من اليوم (الجمعة)، ألقى مخربون الحجارة في اتجاه في اتجاه مدنيين إسرائيليين قرب بلدة وأصابوا مدنيين إسرائيليين بجروح طفيفة.
بعد وقت قصير، اندلع احتكاك عنيف في المنطقة بين فلسطينيين ومدنيين إسرائيليين، تخلله تخريب لأملاك فلسطينية، وإشعال حرائق، واشتباكات جسدية، ورشق بالحجارة.
إن التقارير عن مقتل فلسطيني وعدد من الجرحى الفلسطينيين نتيجة هذا الاحتكاك معروفة، ويجري فحصها من قبل الشاباك وشرطة إسرائيل.
ومع تلقّي البلاغات، هرعت قوات من الجيش، وشرطة منطقة يهودا والسامرة، وحرس الحدود إلى الموقع من أجل تفريق الاحتكاك. وقد استخدمت القوات وسائل تفريق التظاهرات، وتم إبعاد المتورطين بعضهم عن بعض.
إن الجيش الإسرائيلي وقوات الأمن ملتزمون بالحفاظ على النظام والأمن لجميع سكان المنطقة، ويتصرفون بحزم ضد أي مظاهر عنف ضمن نطاق مسؤوليتهم.
جيش الدفاع الإسرائيلي – القناة الرسمية
هكذا يتم إخفاء الطابع الاستعماري والقوة التي يتمتع بها المستوطنون عن طريق الحماية من العقاب، وضمان عدم تعرضهم للأذى في أثناء الاعتداء على الفلسطينيين. وبما أن عنف المستوطنين أصبح ظاهرة مرئية جداً من طرف المجتمع الدولي، وبشكل لا يمكنه الصمت حيالها، فإن الحكومة الأميركية السابقة في عهد الرئيس جو بايدين اضطرت إلى فرض عقوبات على مستوطنين متهمين بارتكاب جرائم حرب ضد الفلسطينيين،[20] كما أن بعض الحكومات الأوروبية تواصل فرض عقوبات على بعض المستوطنين.[21]
أمّا الحكومة الصهيونية التي اعترضت على هذه القرارات، فإنها لم تجد نفسها في موقع المتهم أمام المجتمع الدولي عن مسؤولياتها إزاء الممارسات الإرهابية التي يمارسها المستوطنون ضد الفلسطينيين، كأن هذه الأعمال الارهابية منفصلة عنها ولا تتم بمساندتها ودعمها. فالحكومة الإسرائيلية تحرص على إظهار هذه الاعتداءات كأنها أعمال منفلتة وغير منضبطة وفوضوية.
أنماط عنف المستوطنين
إن اعتداءات المستوطنين، وخلافاً لما يروَّج له بأنها فوضوية وغير مخططة، تجري بناء على توجيهات وإرشادات مركزية منظمة، ويتم التعاون فيها مع الجيش لتوفير الحماية والدعم والمساندة، ولهذا رفعت منظمة "بتسيلم" شعار "عنف المستوطنين = عنف الدولة".[22] ويُظهر كثير من الفيديوهات، وشهادات البدو وأهالي القرى الذين قابلهم الكاتب، مشاركة قادة المستوطنين في الاعتداءات، وتوجيهاتهم إلى الجيش بما يجب أن يفعله، بل حتى قيام المستوطنين في أثناء الاعتداءات بتصوير الفيديوهات لاعتداءاتهم، بما يشي بأنهم على اتصال مباشر مع القيادة المركزية التي تعمل على إصدار أوامر إلى المستوطنين بالتحرك والتدخل عند الحاجة.
ففي كثير من الأوقات وصلت مساندات إلى المستوطنين خلال فترة قصيرة جداً من عملية الاعتداء، وفي أغلب الحالات يأتي الجيش إلى موقع الاعتداء لـحماية المستوطنين في حال شَعَر الجيش بإمكان تعرّض المستوطنين للأذى في أثناء تصدي الفلسطينيين لهم؛ طرد الفلسطينيين من أراضيهم بحجة تجنّب المشاكل؛ ضمان تحقيق أهداف الاعتداء. فمثلاً يُمنع الفلسطينيون من إطفاء الحرائق التي يشعلها المستوطنين في مزارعهم، أو تُمنع سيارات الاسعاف من الوصول إلى الجرحى الفلسطينيين، أو يُمنع الفلسطينيون من استرجاع أملاكهم التي سرقها المستوطنون.
والسؤال الذي يطرح نفسه هو: كيف يمكن فهم تركز اعتداءات المستوطنين ضد تجمعات فلسطينية دون غيرها؟
والجواب يأتي من خلال المتابعة اليومية التي تُظهر أن اعتداءات المستوطنين تهدف إلى تحقيق ثلاث مسائل: الأولى تركيز الفلسطينيين في أقل بقعة جغرافية من حيث الاستخدام السكني والاقتصادي؛ الثانية تهجير الفلسطينيين خارج فلسطين؛ الثالثة معاقبة الفلسطينيين على المقاومة.
1 - تركيز الفلسطينيين جغرافياً: أبرز الأمثلة لهذه الحالة هي الاعتداء على الرعاة الفلسطينيين وعلى البدو الذين يتعرضون منذ احتلال الضفة الغربية في سنة 1967، لتضييقات واعتداءات مستمرة ومتعددة. ففي الفترة التي سبقت "تفعيل" دور المستوطنين بصورة مكثفة في نحو سنة 2020، قاوم البدو سياسات البيئة القسرية والمحفزة على التهجير التي أوجدتها الحكومة الإسرائيلية منذ سنة 1967، فلم تتمكن من ترحيل البدو ومنعهم من استخدام الأراضي الشاسعة كمراعٍ لمواشيهم.[23]
وفي المقابل، مارس المستوطنون العنف الشديد تجاه التجمعات البدوية والرعوية، واستحدثوا نمط البؤر الرعوية التي تمكّنهم من الوجود الدائم في المراعي وبين التجمعات البدوية والرعوية الفلسطينية، ومن الاعتداء اليومي على هذه التجمعات. وتشمل هذه الاعتداءات: منع الرعاة من استخدام المراعي؛ الاعتداءات على البيوت والمنازل واقتحامها بشكل متكرر؛ إحراق المنشآت الزراعية والحيوانية والمرافق العامة؛ سرقة الأعلاف أو إتلافها؛ سرقة خزانات المياه أو تخريبها؛ سرقة المواشي أو قتلها؛ الاعتداء المبرح على السكان في هذه التجمعات؛ رفع الشكاوى على السكان والإيعاز إلى الجيش بسجنهم.
وساهمت هذه الاعتداءات وأعمال العنف تجاه البدو والرعاة في تهجير عشرات التجمعات البدوية والرعوية، وانتقالهم إلى الإقامة في محيط القرى والبلدات الفلسطينية. وقد تركزت الاعتداءات على طول الشريط الشرقي لسلسلة جبال الضفة الغربية، بحيث لم يبقَ في شرق محافظة رام الله والبيرة أي تجمّع بدوي، بينما بقي تجمّع واحد شمالي أريحا يُتوقع تهجير سكانه في أي لحظة. وإلى جانب هذا، هناك بعض الاعتداءات على التجمعات البدوية على طول سلسلة جبال الضفة الغربية، مثلما حدث في 8 آب / أغسطس 2025 مع تهجير التجمع البدوي في دير عمار غرب محافظة رام الله.[24] ويعبّر البدو والرعاة عن هذا الواقع بالقول: "اللي ما قدرت تعملو إسرائيل في 50 سنة، عملوه المستوطنين في 5 سنوات."
ويشمل هذا النمط من الاعتداءات العنف الممارس ضد عِزَب القرويين الموجودين على أطراف القرى الشرقية لمحافظة رام الله ونابلس، مثل خربة الطويل ويانون شرقي عقربا جنوبي نابلس، والتجمعات البدوية على الأطراف الشرقية لقرية الطيبة في محافظة رام الله.
2 - تهجير الفلسطينيين خارج فلسطين: تتركز اعتداءات المستوطنين على المواقع التي يعتقدون أنهم يشكلون فيها نجاحاً لافتاً، الأمر الذي يُحفزهم على مزيد من الاعتداءات، وإظهارهم على أنهم يحمون "أرض التوراة"، لكن ذلك لا يعني أن المستوطنين قادرون دائماً على تحقيق أهدافهم في جميع المواقع التي يمارسون الاعتداء عليها. غير أنه يمكن فهم التركيز على بعض القرى شرق محافظة رام الله لاعتقاد الحكومة الصهيونية أن هؤلاء السكان الفلسطينيين لديهم خيارات سهلة في الهجرة، كونهم حاصلين على الجنسية الأميركية، أو لديهم أقرباء يساعدونهم في الهجرة، خلافاً للبدو الذين لا يملكون خيارات غير تهجيرهم إلى محيط القرى، ولتحقيق هذا الهدف يعمد المستوطنون والجيش الإسرائيلي إلى تكثيف الاعتداءات، ووضع عوائق تجعل وصولهم إلى أراضيهم يشكل خطراً على حياتهم، وحرق آلاف الدونمات المزروعة بالأشجار.
إلّا إن فشل خطة المستوطنين في القرى أدى إلى تراجع الاعتداءات على بعض القرى بعد أن كانت تتعرض لاعتداءات شبه يومية، وشرع الاعتداء يتركز على قرى أُخرى، مثل قرى مخماس في الجنوب الشرقي لمحافظة القدس، وبُرقا ودير دِبوان والطَيْبة وكفر مالك وبِتّين وغيرها.
وتُعد قرية المُغَيِّر مثالاً حياً لهذا النموذج من القرى التي تتعرض لاعتداءات متكررة، ومنها اجتياح عشرات الجنود القرية الواقعة شرقي مدينة رام الله في 21 آب / أغسطس 2025، رداً على مزاعم بتعرض مستوطنين لإطلاق نار أدت إلى إصابتهم بجروح طفيفة. وقد استمرت عملية الاقتحام نحو 74 ساعة، داهم الجنود فيها عشرات المنازل، وعاثوا فيها فساداً كبيراً. ووفقاً لما يقوله سكان القرية، فقد سرق الجيش الأموال والمجوهرات التي وجدوها في المنازل في أثناء عملية الاقتحام، وقد وثّقت كاميرات السكان قيام المستوطنين بسرقة السيارات بموافقة الجيش.
وقام الجيش والمستوطنون بتجريف مئات الدونمات المزروعة بالأشجار، ولا سيما الزيتون منها، وشقّ الطرق من الجهة الشمالية للقرية. وكان الجيش قد وزّع سابقاً خريطة تتضمن المساحة التي يرغب في إزالة الأشجار منها لحماية المستوطنين.
وما زالت قرية المغير تتعرض يومياً ولعدة أعوام، لاعتداءات المستوطنين، وذلك حتى قبل 7 تشرين الأول / أكتوبر 2023، فالجيش يقتحم هذه القرية بصورة شبه يومية للتنكيل بالسكان وللتأكد من عدم وجود أي خطر قد يتعرض له المستوطنون في أثناء هجوماتهم الإرهابية على القرية.
وتتنوع الزراعة التي يمارسها أهالي القرية بين أشجار وخضروات ومحاصيل حقلية. وفي إحدى المقابلات مع رئيس الجمعية التعاونية الزراعية في المغير، والتي تناولت إنجازات الجمعية، قال: "جمعيتنا خلّت الناس ترجع تزرع، شفت الأراضي كيف خضرا؟"
3 – المعاقبة على أعمال المقاومة: تعرض بعض القرى والبلدات لاعتداءات عنيفة من المستوطنين، أُحرق خلالها العديد من المنازل والمنشآت الاقتصادية، وقُتل فيها فلسطينيون، بعد أعمال مقاومة فلسطينية أدت إلى جرح أو قتل مستوطنين أو جنود إسرائيليين. فقد تعرضت قرية حوّارة لأكثر من اعتداء من المستوطنين، حتى إن الوزير سموتريتش دعا إلى مسح القرية من الوجود. كما تعرضت قرية الفندق في محافظة قلقيلية إلى أكثر من اعتداء من المستوطنين بعد مقتل مستوطنين على يد مقاومين فلسطينيين.
وبعد مقتل مستوطن في 15 أيار / مايو 2025 بالقرب من قرية بروقين في محافظة سلفيت، أغلق الجيش الإسرائيلي قريتَي بروقين وكفر الديك لما يزيد على الأسبوع، وخلال عملية الإغلاق، اجتاح عشرات الجنود الإسرائيليين القريتَين، وقاموا بممارسات شبيهة بما يقترفه المستوطنون، إذ أحدثوا تخريباً كبيراً في مقتنيات البيوت، واعتدوا جسدياً على السكان، وأحالوا العديد منهم إلى التحقيق الميداني، إلى جانب سرقة الأموال والمجوهرات التي وجدوها خلال عملية التفتيش داخل البيوت، كما جرفوا الأراضي الزراعية في شمال القرية.
وطرد الجنود سكان أحد المنازل التي تقع عند أطراف قرية بروقين، وأسكنوا موقتاً عدداً من المستوطنين الفتيان في المنزل. وقد تكررت لاحقاً اعتداءات المستوطنين على قريتَي بروقين وكفر الديك.
إن المنطق الناظم لاعتداءات المستوطنين هو تحقيق الأهداف الاستعمارية الصهيونية التكتيكية والاستراتيجية، كما أن عنف المستوطنين هو في حدّ ذاته عنف الحكومة الاستعمارية الصهيونية، فالمستوطنون هم جزء من آليات النظام الاستعماري الاستيطاني، وعلى غرار أي آلية أُخرى في هذه الدولة الاستعمارية. فالحكومة الاستعمارية ليست مخطوفة من طرف المستوطنين أو تعمل لخدمتهم، وإنما هناك أهداف لهذا النظام الاستعماري، والحكومة والجيش والمستوطنون يعملون معاً وبشكل متكامل لتحقيق هذه الأهداف. وبالتالي، فإن المسألة ليست بوجود حكومة يمينية أو غير يمينية، إذ إن واقع الحالة الاستعمارية في فلسطين هو سيرورة عملت عليها جميع الحكومات الإسرائيلية منذ عقود.
فالجيش الإسرائيلي يتكفل بالعمل في المناطق ذات الخطورة الكبيرة، مثل قطاع غزة والمخيمات الفلسطينية، وفي القرى التي تمارس أعمال مقاومة مسلحة أو تشكل خطورة عالية على المستوطنين في حال اعتدت على هذه التجمعات، بينما يتكفل المستوطنون في المناطق التي لا تشكل خطراً على حياتهم، وكذلك في المناطق ذات الأولوية، أو التي يعتقدون أنهم يحققون فيها إنجازات واضحة.
وفي أثناء الاعتداء على القرى والبلدات والمضارب البدوية يطلب المستوطنون من السكان الفلسطينيين مغادرة فلسطين: "روحو على الأردن وسورية"، وليس الانتقال من المنطقة "ج" إلى المنطقتَين "أ" و"ب" اللتين تتعرضان للاعتداءات أيضاً.
إن الواقع الفلسطيني الضعيف اليوم، لا يعني أن المشروع الاستعماري الصهيوني اكتمل أو اقترب من الكمال أو النجاح، مثلما يعتقد القادة الصهيونيون، بل إن كثيراً من الحالات أثبت فشل تلك المحاولات التي تتكثف فيها السياسات الاستعمارية من العنف والإبادة ضد الفلسطينيين بفعل مقاومتهم وصمودهم، ورفضهم المحو والإلغاء.
________________
المصادر:
[1] Patrick Wolfe, “Recuperating Binarism: A Heretical Introduction”, Settler Colonial Studies, vol. 3, issues 3-4 (2013), pp. 257-279.
[2] عزمي بشارة، "استعمار استيطاني أم نظام أبارتهايد: علينا أن نختار؟"، "عمران للعلوم الاجتماعية"، المجلد 10، العدد 38 (خريف 2021)، ص 13 – 42، في الرابط الإلكتروني.
[3] إيلان بابِهْ، "التطهير العرقي في فلسطين"، ترجمة أحمد خليفة (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2007).
[4] ساري حنفي، "التطهير المكاني: محاولة جديدة لفهم استراتيجيات المشروع الكولونيالي الإسرائيلي"، "المستقبل العربي"، المجلد 31، العدد 360 (شباط / فبراير 2009)، ص 657 - 684.
[5] أرون يفتاحئيل، "الإثنوقراطية: سياسة الأرض والهوية في إسرائيل / فلسطين"، ترجمة سلاف حجاوي (رام الله: المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية / مدار، 2012).
[6] رنا بركات، "كيف نقرأ المجزرة في فلسطين؟ التاريخ الأصلاني بوصفه منهجية للتحرير"، "عمران للعلوم الاجتماعية"، المجلد 10، العدد 38 (خريف 2021)، ص 149 - 172، في الرابط الإلكتروني.
[7] "تقديم: الاستعمار الاستيطاني والصراع بين الفلسطينيين والحركة الصهيونية (2)"، "عمران للعلوم الاجتماعية"، المجلد 10، العدد 39 (شتاء 2022)، ص 7 – 8، في الرابط الإلكتروني.
[8] يُنظر القانون في موقع "مركز عدالة / المركز القانوني لحقوق الأقلية العربية في إسرائيل"، 2 / 8 / 2018، في الرابط الإلكتروني.
[9] أشرف بدر، "الاستعمار الاستيطاني في فلسطين بين البُنية والصيرورة: محو وإزالة أم تحكم وسيطرة؟" "عمران للعلوم الاجتماعية"، المجلد 10، العدد 39 (شتاء 2022). ص11، في الرابط الإلكتروني.
[10] "نتنياهو: فكرة الدولة الفلسطينية انتهت ومصر جعلت غزة سجناً مفتوحاً"، موقع "الجزيرة" الإلكتروني، 9 / 2 / 2025.
نتنياهو: فكرة الدولة الفلسطينية انتهت ومصر جعلت غزة سجنا مفتوحا | أخبار | الجزيرة نت
ويُنظر أيضاً: "كلمة رئيس الوزراء نتنياهو في الجمعية العامة للأمم المتحدة"، موقع ديوان رئيس الحكومة الإسرائيلية الإلكتروني، 28 / 9 / 2024.
كلمة رئيس الوزراء نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة ديوان رئيس الوزراء
[11] حسن شليطا، "هكذا يفكر سموتريتش حول الفلسطينيين والترانسفير والانتقام و'تدفيع الثمن"!'، ترجمة هشام نفاع، المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية / مدار، 4 أيلول / سبتمبر 2023.
مدار - هكذا يفكر سموتريتش حول الفلسطينيين والترانسفير والانتقام و "تدفيع الثمن"!
[12] Ahmad Heneiti, “Jerusalem's Villages: Grey Development and Annexation Plans”, Jerusalem Quarterly, no. 87 (Autumn 2021).
[13] "نظام تفوّق يهودي من النهر إلى البحر: إنه أبارتهايد"، بتسيلم - مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة، 12 كانون الثاني / يناير 2021.
نظام تفوّق يهوديّ من النهر إلى البحر: إنّه أبارتهايد | بتسيلم
[14] المصدر نفسه.
[15] "نتنياهو يكذّب المجاعة في غزة.. والحقائق تفضح ادعاءاته"، صفحة قناة "الجزيرة" في موقع "يوتيوب".
(187)شبكات | نتنياهو يكذب المجاعة في غزة.. والحقائق تفضح ادعاءاته- YouTube
[16] "نتنياهو: الجيش الإسرائيلي الأكثر أخلاقاً في العالم"، صفحة قناة "الجزيرة" في موقع "يوتيوب".
نتنياهو: الجيش الإسرائيلي الأكثر أخلاقاً في العالم
[17] "تهجير قسري واسع النطاق في الضفة الغربية يؤثر على 40 ألف شخص"، وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل لاجئي فلسطين في الشرق الأدنى (الأونروا)، 20 شباط / فبراير 2025.
تهجير قسري واسع النطاق في الضفة الغربية يؤثر على 40 ألف شخص | الأونروا
[18] Chen Shaleta, “How the Settlement Movement Lost Control over the Hilltop Youth: ‘They Respect No Authority – Not Rabbinical and Not Educational' ”, 17 July 2025, Shomrim -The Center for Media and Democracy,
Shomrim - How the Settlement Movement Lost Control Over the Hilltop Youth: ‘They Respect No Authority – Not Rabbinical and Not Educational'
[19] حصل الكاتب على هذا البيان من أمير داود، رئيس قسم المعلومات في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية.
[20] "واشنطن تفرض عقوبات على منظمة إسرائيلية تدعم الاستيطان"، موقع "الجزيرة"، 28 آب / أغسطس 2024.
واشنطن تفرض عقوبات على منظمة إسرائيلية تدعم الاستيطان | أخبار | الجزيرة نت
[21] "بريطانيا تفرض عقوبات على مستوطنين إسرائيليين في الضفة الغربية"، "الشرق الأوسط"، 20 أيار / مايو 2025.
بريطانيا تفرض عقوبات على مستوطنين إسرائيليين في الضفة الغربية
[22] "عنف المستوطنين = عنف الدولة"، بتسيلم – مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة.
[23] عنف المستوطنين = عنف الدولة | بتسيلم
[24] "عرب الجهالين - عين أيوب، محافظة رام الله: تهجير تجمّع رعوي آخر بأيدي جنود ومستوطنين"، بتسيلم – المركز الإسرائيلي لمعلومات حقوق الإنسان في الأراضي المحتلة.
عرب الجهالين ـ عين أيوب، محافظة رام الله: تهجير تجمّع رعويّ آخر بأيدي جنود ومستوطنين | بتسيلم
________________
أحمد حنيطي، "التجمعات البدوية في وسط الضفة الغربية كحالة دراسية" (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2018).
________________
