لوحة مناهضة للولايات المتحدة في طهران؛ حرب إيران تعيد إلى واشنطن سؤال الحروب التي تبدأ بالحسم ثم تطول كلفتها (الفرنسية)
افراسيانت - سجى ياسر - قبل سنوات، هاجم دونالد ترمب خروج سلفه من أفغانستان بوصفه "انسحابا فاشلا" و"عجزا فادحا".
واليوم، بينما تطول حربه على إيران، يعود شبح كابل إلى النقاش الأمريكي كتحذير من الطريق الذي تبدأه واشنطن باسم الحسم ثم تكتشف أن الخروج منه أصعب من الدخول إليه.
تلتقط صحيفة غارديان هذه المفارقة من ذكرى الانسحاب الأمريكي الفوضوي من كابل، بعد حرب امتدت عقدين وانتهت بعودة طالبان إلى الحكم.
وبحسب الصحيفة، فإن أفغانستان تحولت إلى مرادف للتدخل الغربي غير المحسوب ولبناء الدول بالقوة، وإلى النموذج الأوضح لما يسمى "الحرب الأبدية".
درس كابل
تقول غارديان إن الدرس الذي كان يفترض أن يبقى من أفغانستان واضح: لا تدخل حربًا مفتوحة بلا مبرر واضح، ولا أهداف قابلة للتحقيق، ولا خطة خروج.
لكن الصحيفة ترى أن هذا الدرس تكرر في العراق، ثم عاد اليوم في إيران، حيث دخل ترمب حربًا وصفها في بدايتها بأنها "جولة صغيرة"، فإذا بها تبلغ شهرها السادس وتتسع بدل أن تنتهي.
وتستعيد الصحيفة قراءة كارتر مالكاسيان، الأستاذ في كلية الحرب الوطنية والمستشار المدني السابق للقوات الأمريكية في هلمند وكابل، الذي يقول إن الافتراض الذي أبقى القوات الأمريكية في أفغانستان 20 عامًا كان معيبًا من أساسه: الخوف من عودة البلاد ملاذًا للإرهاب الدولي.
وبحسبه، أنفقت واشنطن نحو تريليون دولار ونشرت أكثر من 775 ألف عسكري دفاعًا عن تهديد تبيّن لاحقًا أنه مبالغ فيه.
ومن هنا تبني غارديان مقارنتها مع إيران. فهي تقول إن ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالغَا في تصوير الخطر الإيراني بوصفه وشيكًا ووجوديًا، وتضيف أن إيران لا تملك سلاحًا نوويًا، وأنه لا توجد -وفق الصحيفة- أدلة راسخة على أنها تحاول حاليًا أو حاولت مؤخرًا امتلاكه.

متظاهرون في بوسطن ضد الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران (الفرنسية)
حرب بلا مخرج
وتضيف غارديان أن الحروب التي تقودها الولايات المتحدة تتحول إلى مستنقعات حين تتراجع الدبلوماسية، وتغيب الوساطة الدولية الفاعلة، ويستمر الرهان على القوة رغم انسداد الأفق العسكري.
وفي حالة ترمب، ترى الصحيفة أن عامل الكبرياء الشخصي يزيد المأزق، إذ يبدو الرئيس، في قراءتها، كمن يحاول القصف بحثًا عن مخرج، بينما يفتش في الوقت نفسه عن اتفاق يمكن تسويقه داخليًا بوصفه انتصارًا.
أما صحيفة إندبندنت البريطانية فتلتقط القلق من زاوية مختلفة، عبر تصريحات المذيع جو روغان، الذي أيّد ترمب عشية انتخابات 2024 قبل أن ينتقده لاحقًا في ملفات عدة.
وتنقل الصحيفة عنه قوله إن الحرب على إيران لا تملك "طريقًا واضحًا" للنهاية، وإن الهجوم الأمريكي جعل الولايات المتحدة أقل أمنًا لأنه منح إيران سببًا للرد.
وتنقل الصحيفة عن الصحفية الاستقصائية آني جاكوبسن وصفها الحرب بأنها "فظيعة" و"غير ضرورية"، بينما ينتقد روغان وجاكوبسن، بحسب إندبندنت، التركيز على الكلفة المالية للحرب أكثر من كلفتها البشرية.
وتورد الصحيفة أن البنتاغون أعلن مقتل 18 عسكريا أمريكيا وإصابة مئات، في حين نقلت عن رويترز أن 3636 شخصًا قتلوا في إيران حتى مارس/آذار، قرابة نصفهم من المدنيين، وفق منظمة حقوقية.

مراسم تشييع الرقيبة الأمريكية أنجيل رامبرساد في نيويورك (أسوشيتد برس)
أوراق تتراجع
وتقدم صحيفة آي بيبر البريطانية المشهد من زاوية ميزان القوة السياسي. فهي تقول إن ترمب راهن بكل شيء على إيران، لكنه بات "أضعف اللاعبين"، بعدما تكررت تهديداته ثم تراجعاته في اللحظة الأخيرة، من دون مؤشر واضح إلى اختراق دبلوماسي قريب.
وتنقل الصحيفة عن بيان سعودي أن ولي العهد محمد بن سلمان شدد في اتصال مع ترمب على أولوية الحوار لخفض التصعيد.
كما تنقل عن محلل في المجلس الأطلسي أن رسالة الرياض إلى واشنطن باتت أوضح: أي ضربات أمريكية واسعة على منشآت الطاقة الإيرانية ستجعل السعودية ودول الخليج في مقدمة المتضررين.
وبحسب آي بيبر، صار الحفاظ على الاستقرار الإقليمي أولوية أعلى لدى قادة الخليج من السعي إلى مواجهة حاسمة مع طهران.
وتقول الصحيفة إن احتفاظ إيران بقدرات تمكنها من تهديد جيرانها، وتعقيدات مضيق هرمز، وتصاعد القلق من اتساع الحرب، كلها عوامل ضيّقت هامش المناورة أمام ترمب، في وقت أقر فيه الرئيس الأمريكي بأن مخزون الأسلحة يتراجع بعد 5 أشهر من نزاع بلا نتيجة واضحة.
وتضيف الصحيفة أن إيران جلبت لترمب مزيدًا من المتاعب السياسية، مستندة إلى استطلاعات تكشف أن 28% فقط من الأمريكيين يوافقون على إدارته للصراع، وأن 21% فقط يؤيدون تعامله مع ارتفاع أسعار البنزين.
وفي خلاصة لافتة، تقول آي بيبر إن ترمب، الذي وبّخ قبل 17 شهرًا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في المكتب البيضاوي واتهمه بأنه لا يملك القدرة على كسب حرب بلاده، تلقى الرسالة نفسها هذه المرة من الرياض بشأن إيران، لكن بقوة أكبر لأنها، في قراءة الصحيفة، تبدو صحيحة.
في نفس الموضوع وفي تقرير لوكالة اسوشيتدبرس : يستخدم الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إستراتيجية "الضغط المشدد" بعد أن أعلن قبل يومين تعليق عملية عسكرية كبيرة ضد إيران لإفساح المجال أمام الدبلوماسية، لكن هذه الإستراتيجية تواجه تحديا حقيقيا مع النظام الإيراني الذي استطاع التكيف معها بطرق عديدة.
ففي تقرير لها عن إستراتيجية الرئيس ترمب الحالية بشأن الحرب على إيران، ترى وكالة أسوشيتد برس أنه لا جديد بهذا الشأن، فقد سبق أن لجأ ترمب إلى هذه الإستراتيجية خلال الحرب المستمرة منذ 5 أشهر.
وبحسب الوكالة، تبدأ هذه الإستراتيجية بتحذير شديد اللهجة لطهران بأنه على وشك إصدار أوامر للقوات الأمريكية "بتدمير" محطات الطاقة أو الاستيلاء على أجزاء رئيسية من صناعتها النفطية إذا لم يوافق قادتها سريعا على الشروط الأمريكية لإنهاء الحرب، وتنتهي بتراجعه في اللحظات الأخيرة، أحيانا بناء على طلب حلفاء الخليج، معلنا أنه سيمنح الدبلوماسية مزيدا من الوقت.
وتهدف إستراتيجية الضغط المشدد -التي صقلها ترمب خلال سنوات عمله في سوق العقارات بنيويورك واستخدمها في السياسة- إلى إحداث تقدم في المفاوضات من خلال الضغط والفوضى. لكن هذه الإستراتيجية تواجه تحديا مع النظام الإيراني الذي يعتقد أنه يتحمل عبئا إستراتيجيا أكبر من واشنطن.
وبينما يتباهى ترمب بنجاح الجيش الأمريكي في سحق طبقات من القيادة الإيرانية وتدمير قواتها الجوية والبحرية، تراهن إيران على قدرتها على الصمود أمام ترمب في ظل تناقص مخزوناته من الذخائر وصعوبة شن حرب لا تحظى بشعبية لدى الناخبين الأمريكيين قبيل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.
وبدأت هذه الحلقة الأحدث يوم الجمعة الماضي عندما أعلن ترمب، محاطا بأعضاء حكومته، بلهجة حادة أنه "يفقد ثقته" في المفاوضات مع إيران، وحذر من أن الجيش الأمريكي "سيوجّه لهم ضربات قوية للغاية".
وبعد ساعات، زادت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، من حدة التكهنات في واشنطن وحول العالم بتصريح ينذر بالأسوأ، مؤكدة أن "إيران ستواصل دفع الثمن حتى تجلس إلى طاولة المفاوضات بطريقة يراها الرئيس ترمب مجدية".
لكن بحلول وقت متأخر من ليلة السبت الماضي، أعلن ترمب على وسائل التواصل الاجتماعي عن وجود بوادر تقدُّم نحو التوصل إلى اتفاق، وأنه ألغى خطة شن ضربات جديدة واسعة النطاق في الوقت الراهن.
وفي اليوم التالي، أكد ترمب أن طلبات منح الدبلوماسية مزيدا من الوقت من مسؤولين إيرانيين، لم يُفصح عن أسمائهم، فضلا عن قادة دول الخليج الحليفة -قطر والسعودية والإمارات- كانت مفتاحا لتراجعه المفاجئ.

ترمب يتحدث للصحفيين على متن الطائرة الرئاسية (أسوشيتد برس)
وقال ترمب متحدثا إلى الصحفيين في طريق عودته إلى واشنطن من عطلة نهاية الأسبوع في ناديه للغولف في نيوجيرسي: "كان ذلك سيكون كارثيا بالنسبة لهم. ولم يرغبوا في أن نفعل ذلك. وبصراحة، لم ترغب السعودية في ذلك أيضا. فقد اعتقدوا أن التوصل إلى اتفاق بات وشيكا".
دلالات التردد
ويرى مراقبون أن ترمب يسعى إلى إعادة ضبط الأمور في هذا السياق. وقد يتوصل ترمب في النهاية إلى قناعة بأن تصعيدا كبيرا في الصراع مع إيران ضروري.
لكن آخرين يقولون إن تردده قد يعكس أيضا تفاهما ضمنيا داخل الإدارة بأن القوة العسكرية الأمريكية وحدها قد لا تكون كافية لإجبار إيران على التراجع وإنهاء حرب مستمرة منذ أشهر، كان ترمب قد قلل من شأنها سابقا ووصفها بأنها مجرد نزهة استمرت أسابيع.
ويقول السيناتور مارك كيلي، الديمقراطي عن ولاية أريزونا وعضو لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ، في برنامج "واجه الأمة" على قناة سي بي إس نيوز "أعتقد أن ما نشهده هنا هو رئيس يتبنى نهجا متقلبا للغاية. إنه يحاول الآن إعادتنا إلى ما كنا عليه في فبراير/شباط الماضي. وأعتقد أنه لو كان بإمكانه، أو لو كان لديه زر إعادة ضبط كبير لكان بالتأكيد قد اختار هذا الخيار".
تقلب
شهدت فترة الصراع عدة لحظات أظهر فيها ترمب ميله إلى العدوانية، ثم تراجع في اللحظة الأخيرة، معلنا أن تهديداته حفزت التقدم.
ففي أوائل أبريل/نيسان الماضي، اتفقت الولايات المتحدة وإيران على وقف إطلاق نار لمدة أسبوعين، في إعلان صدر قبل أقل من ساعتين من الموعد النهائي الذي حدده ترمب لطهران للاستسلام أو مواجهة هجمات على الجسور ومحطات الطاقة، وهي ضربات قال إنها ستعني "زوال حضارة بأكملها".
وبعد أيام من التهديدات الخطيرة ضد إيران، أعلن ترمب في 18 مايو/أيار الماضي أنه سيؤجل ضربة عسكرية كبيرة كان يخطط لها، وذلك لوجود "مفاوضات جادة" جارية، مُشيدا بحلفائه الخليجيين لإقناعه بضبط النفس.
ثم في يونيو/حزيران، هدد ترمب بضرب إيران "بقوة شديدة" والاستيلاء على قاعدة الطاقة الإيرانية في جزيرة خارك "للسيطرة الكاملة على أسواق النفط والغاز"، كما كتب على وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن يُلغي الضربات في منشور لاحق بعد أن ادعى أن مفاوضات السلام قد أحرزت تقدما مع كبار القادة الإيرانيين.
وما لم يصرح به ترمب هو أن مثل هذا المسعى سيتطلب وجود قوات برية أمريكية في إيران، وهو أمر محفوف بالمخاطر سياسيا لرئيس خاض حملته الانتخابية على أساس تجنب التورط في الشؤون الخارجية، وانتقد الإدارات السابقة لتورطها في حروب لا نهاية لها.
وفي هذه الحلقة الأخيرة، ألمح ترمب إلى أن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لعب دورا بالغ الأهمية في تراجعه عن تصعيد المواجهة.
حسابات انتخابية
مع تهديد ترمب بالتصعيد، يواجه الجمهوريون تراجعا حادا في استطلاعات الرأي. وأصرّ ترمب على أن انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر/تشرين الثاني لا تُؤثر على نهجه تجاه الصراع الذي أثار قلقا في الاقتصاد العالمي، لكن هذا الأمر يشغل بال زملائه الجمهوريين بالتأكيد.
فقد أظهر استطلاع رأي أجراه مركز أسوشيتد برس-نورك لأبحاث الشؤون العامة، ونُشر الأسبوع الماضي، أن نحو ثلثي البالغين في الولايات المتحدة يرون أن الحرب مع إيران، التي بدأت في 28 فبراير/شباط الماضي، لم تكن مجدية. ويشمل ذلك الغالبية العظمى من الديمقراطيين والمستقلين، بالإضافة إلى نحو 37% من الجمهوريين.
وأشار أحد أبرز حلفاء ترمب في الكونغرس، الأحد، إلى ضرورة تعديل الإدارة الأمريكية لنهجها تجاه إيران.
وفي تصريحات تلفزيونية له، قال السيناتور جون كينيدي، من ولاية لويزيانا، إن "النقاش الدائر في واشنطن قد أغفل حجم الدمار الذي ألحقه الجيش الأمريكي بإيران منذ بداية الحرب". ومع ذلك، أقرّ النائب الجمهوري بأن تصعيد الصراع قد يؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة المرتفعة أصلا، و"تضخم كبير على الشعب الأمريكي".
ورأى كينيدي أن تشديد العقوبات واستهداف البرنامج النووي الإيراني -بدلا من تصعيد الصراع- قد يكون الخيار الأمثل في الوقت الراهن. وخلص إلى القول "جميعها خيارات صعبة للغاية، لكنني سأبقي الوضع الراهن على حاله في الوقت الراهن".
________________
