كل أسبوع

دبلوماسية الزعفران: هكذا تفاوض الجمهورية الإيرانية العالم 

دبلوماسية الزعفران: هكذا تفاوض الجمهورية الإيرانية العالم 

افراسيانت - نورالدين قدور رافع - يوشك العدوان الصهيوني الأمريكي على الجمهورية الإسلامية الإيرانية أن يأخذ منعطفا بالغ الخطورة، بالتزامن مع المساعي الحثيثة لإسكات دوي المدافع في الشرق الأوسط، حيث تقود دول عدة، منها باكستان، جهود التهدئة بين أطراف النزاع، في الوقت الذي تسارع فيه إسرائيل إلى اغتيال عدد كبير من القادة الإيرانيين، وهم على طاولة المفاوضات الدبلوماسية.


وبالنظر إلى بنك الأهداف الذي أعلنت عنه الولايات المتحدة وحلفاؤها في عملية «ملحمة الغضب»، والمتمثل في إسقاط النظام والإجهاز على البرنامج النووي والصاروخي، يعيش العالم العربي تداعيات الحرب من خلال قصف منشآت حيوية واستهداف مباشر للقواعد العسكرية، وفي المقابل، تفرض إيران تحديات جديدة بإغلاقها مضيق هرمز، ودخول الحوثي في صراع المضائق، وتهديدهم بقطع الملاحة في باب المندب، كمؤشر على تراجع الحل الدبلوماسي الذي قد ينقذ المنطقة والعالم من حرب لا رابح فيها سوى الاحتلال الصهيوني، الذي يسعى جاهدا لتحقيق نبوءة «إسرائيل الكبرى».


إنّ الاستراتيجية التي تتبعها الجمهورية الإسلامية في صدّ العدوان الصهيوني دبلوماسيا لا تقل صلابة ومرونة، في آنٍ معا، عن تلك التي ترسمها جبهات القتال في الميادين، فهل تنجح إيران في فرض معادلات الردع الاستراتيجي باتباع «دبلوماسية الزعفران»؟ أم أنّ الحرب فتحت مسارات أكثر تعقيدا وتكلفة على العالم؟


عن دبلوماسية الزعفران


لنَفهم معنى دبلوماسية الزعفران، كان لا بدّ من أن نقتفي أثر أبرز شخصيتين سياسيتين قادتا ملفات بالغة التعقيد والحساسية، وهما محمد جواد ظريف وعباس عراقجي، اللذان يمثلان جوهر الدبلوماسية الإيرانية في عملية التفاوض مع الغرب؛ حيث فتح اتفاق لوزان 2015 حول البرنامج النووي، «حقول الزعفران الإيراني» أمام المدّ السياسي للولايات المتحدة الأمريكية، تفاديا لصراع عسكري مباشر. وبعد الاتفاق، أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية عن استقبال شحنة مباشرة من الزعفران عام 2016، بعدما كان بيعه يتم عبر وسطاء إماراتيين وإسبان.

ومع أنّ استراتيجية إيران كانت، ولا تزال، تقوم على مبدأ التفاوض وحسن الجوار، فإنّ العدوان الأمريكي عليها فتح «نافذة ثالثة» بين الدبلوماسية التقليدية والناعمة تسمى بـ«دبلوماسية الزعفران»، التي تقوم في الأساس على أربعة محاور مهمّة وفاعلة، لدرجة أنّ الغرب، بدأ يبحث سبلا للخروج من المأزق الإيراني. تتلخّص المحاور الأربعة التي قامت عليها الدبلوماسية الإيرانية في:


1 ـ استغلال مصادر القوّة، لا الثروة الطاقوية، وذلك بتسيير مضيق هرمز وفق التفاهمات السياسية، التي فرضتها الجمهورية الإسلامية على الملاحة، ما يجعل الحرب ذات بُعد عالمي، من دون أن تُلقى القنابل على العواصم الأخرى.


2 ـ تفكيك التحالفات السياسية بالضمانات الاقتصادية؛ وهذه النقطة في غاية الحساسية لما ترسمه من جغرافيا تحالفات جديدة. فحين تعلن إسبانيا وإيطاليا وغيرهما عدم المشاركة في العدوان، يعيد ذلك للغرب، خصوصا، نسقه القومي خارج الفضاء الأوروبي الاتحادي، الذي يخضع بالمطلق للهيمنة الأمريكية. وهذا التفكيك ينسحب سلبا على قرارات حلف شمال الأطلسي في اتخاذ موقف عسكري داعم لأمريكا.


صاغت السياسة الإيرانية نظاما متكاملا من الدبلوماسية المتكافئة، قوامه المرونة في التعامل مع ملفات أكثر حساسية وتعقيدا بالنسبة للجمهورية، والصلابة حينما يحتكم الطرفان إلى صوت الرصاص


3 ـ أما رفض التفاوض مع تفعيل الوساطة غير المباشرة، فهو في حدّ ذاته ما يقوم به مزارعو الزعفران، وهم يجمعون أوراق الصراع المزهرة في الشرق الأوسط؛ حيث يتهافت الجميع لإنهاء الحرب، بدل إسقاط النظام. ومن أجل ذلك، يسارع عباس عراقجي إلى تكذيب أي ادّعاء أمريكي حول قبول المفاوضات، ما يسمح للاحتلال الإسرائيلي باستكمال عدوانه وجرّ المنطقة نحو حافة العدم. فلا سبيل لوقف الحرب إلا أن تخمد المدافع، ويُسمع صوت السلام.


4 ـ ما قامت به إيران من بعثرة أوراق الصراع العسكري، عبر تحالفاتها مع قوى المقاومة في لبنان والعراق واليمن وغيرها، يفتح سؤالا مهما حول طبيعة الصراع الذي يتداعى العالم أجمع لإنهائه بأي وسيلة، فإعادة تعريفه ضمن فكرة «تصفية الاستعمار» هو ما نجحت فيه إيران، حين صاغت اللون الأحمر للعدوان على أنّه ليس استهدافا للنظام، ولا للبرنامج النووي والصاروخي، بل حرب بربرية ضد الحق الإنساني للأمة الإيرانية، وصراع وجودي لإزاحة آخر معاقل الاستعمار في الشرق.

فبعثرة الصراع لا تعني عدم السيطرة عليه، بل هي امتحان للقانون الدولي ومؤسساته، وللفضاء العربي والإسلامي، حول الالتزام الإنساني تجاه إنهاء الاستعمار بكل أشكاله. 

وهذا ما يعزّز تعريف دبلوماسية الزعفران، التي تعني جعل التناقضات، «كالحرب والمفاوضات، والتصعيد والوساطة»، أداة لتوسيع المجال التفاوضي، عبر إنتاج مأزق للخصم بدلا من الحل؛ حيث تصبح المفاوضات عبئا على الطرف الآخر، بما يدفع الجميع إلى البحث عن طريق للنجاة.

ومن أجل ذلك، تقوم دبلوماسية الزعفران على إدارة الصراع العسكري وتوجيهه نحو ساحات التفاوض، لخلق مزيد من الخيارات الواعية.


المأزق الإيراني


حين أعلنت الولايات المتحدة أنّ عملية «ملحمة الغضب» قد استكملت مراحلها الأخيرة بالقضاء على النظام الإيراني، كانت صواريخ الجمهورية تدكّ الأراضي الفلسطينية المحتلة؛ في مفارقة تدعو للسخرية، لكنها تلخّص معنى أن تكون المدافع صوتا خافتا أمام ترسانة هائلة من الخطابات الدبلوماسية التي ترسم، بالضرورة، ملامح الخروج من مأزق الشرق الأوسط.

صاغت السياسة الإيرانية نظاما متكاملا من الدبلوماسية المتكافئة، قوامه المرونة في التعامل مع ملفات أكثر حساسية وتعقيدا بالنسبة للجمهورية، والصلابة حينما يحتكم الطرفان إلى صوت الرصاص. فبينما خاضت الجغرافيا الفارسية حروبا متعددة منذ إعلان قيام الثورة الإيرانية، كانت أطر الدبلوماسية تصبغ سجادها السياسي بلون الزعفران الأحمر، فاتحة مجالات الاقتصاد والثقافة والهوية الإيرانية على العالم. 

قامت دبلوماسية الجمهورية الإسلامية على نسق متعدد الرؤوس والمؤسسات، ضمن إطار ثوري زعم أنّه يعادي الغرب، لكنه في واقع الأمر كان يبحث عن منفذ نحو طموح حضاري يضيف إلى الأمة الإيرانية مستقبلها ورفاهية شعبها. وقد خضعت تلك السياسات لنهج ثوري يفرض الحاجة إلى سردية خاصة بالجمهورية الإيرانية في المنطقة،

حيث شكّل النظام وجهين لعملة سياسية واحدة: يقود المحافظون المؤسسة العسكرية والهوياتية، بينما يغازل الإصلاحيون الغرب عبر الانفتاح وتبادل المصالح، غير أنّ طموحات الجمهورية الإسلامية تعقّدت بفعل مساعيها للحصول على برنامج نووي وتطوير برنامجها الصاروخي، الأمر الذي جعل استهدافها عسكريا مسألة وقت.

فقد أبرمت إيران اتفاقا نوويا مع مجموعة «5+1»، بهدف الحد من قدرات طهران النووية، مقابل رفع تدريجي للعقوبات المفروضة عليها. وبموجب هذا الاتفاق، قلّصت إيران أنشطتها النووية ووافقت على إخضاعها للرقابة الدولية، غير أنّ انسحاب الولايات المتحدة منه عام 2018 أدى إلى تعثره وتصاعد التوترات الإقليمية.

لم ترهن إيران مستقبلها النووي بمصير الجمهورية، بل دفعت الغرب نحو تقويض مسار المفاوضات لسبب كان يمكن تفاديه، وهو سعي إسرائيل إلى التوسع في الشرق الأوسط والبحث عن مناطق نفوذ جديدة.

وقد استُخدمت في ذلك ما يُسمّى بـ«دبلوماسية الزعفران»، التي تجعل من المفاوضات مأزقا للآخر، بدل أن تكون حلا مبدئيا لإنهاء الصراع. والآن، في خضم هذه الحرب التي ورّطت العالم في مأزق «حقول الزعفران»،

تتكشف خيوط لعبة أمريكية ـ إسرائيلية عنوانها الإطاحة بنظام الجمهورية، وهدفها النهائي السيطرة على موارد الطاقة والملاحة في العالم، لإقرار الهيمنة المطلقة للثيوليبرالية، فهل يعي العالم أنّ تكلفة «عملية ملحمة الغضب» قد جعلت الحلول الدبلوماسية أشبه بقطف خيوط الزعفران؟


كاتب جزائري

 

أفراسيانت
الباحثون عن العدالة، الحرية، وحقوق الإنسان.!

 
  • عدد الزيارات 12408381
Please fill the required field.