مجلة أفراسيا

“تفاحة قابيل” لـ د. زكريا شاهين .. عندما يكون العذر أسوأ بكثير من الجريمة

“تفاحة قابيل” لـ د. زكريا شاهين .. عندما يكون العذر أسوأ بكثير من الجريمة

افراسيانت - وليد الزريبي - عندما يهدي د. زكريا شاهين كتابه “تفاحة قابيل” إلى الباحثين عن العدالة.. إلى المستهدفين بالظلم… إلى المدافعين عن الإنسان…


فهذا يعني أنه يخوض مشروعاً يشرح أشكال الظلم وينادي بحقوق الإنسان في بقعة من العالم تكرر فيها انتهاك حقوق الإنسان بكافة الأشكال ومن خلال نموذجين يكرسان ثقافة القتل هما الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني، فأمريكا التي أبادت ما يقارب 60 مليون شخص من الشعوب الأصلية للقارة الأمريكية، كانت قدوة للكيان الصهيوني التي سارت على الوتيرة نفسها في إبادة الشعب الفلسطيني، وليوضح الكاتب ذلك، يعتمد في كتابه على الرصد والمتابعة واستشراف آراء مفكرين ومحللين وكتاب عرب وأجانب في فترة تقع مابين عامي 2000 و2006.‏


ولا يكتفي المؤلف بالكلمات، وإنما يرفق مع كتابه شريطا وثائقيا يجسد بالصورة الحية، ثقافة القتل التي استمرت منذ نشأة الدولة الأمريكية وحتى الآن.


المفتتح:


حين يكون العذر أسوء بكثير من الجريمة، يرقى إلى ما هو أخطر منها، تفقد العدالة معناها، وتفتقد الكلمات حدود الوصف، حيث القتل يصبح اجتهادا، والكارثة تصبح تقليدا، دونما ردة فعل، حيث الصدفة لا تنطبق على العمل المُمنهج، وحين الصوت، يختنق في أوراق الإدانة التي لا تزيد على الوضع إلا الحبر واجتهادات النصوص، حين السلوك يغمض الضمير، لا شيء يمكن أن تفاخر به الإنسانية من إنجازات.


لم يعد التاريخ بحضوره الوحشي، وبحديثه عن الإنسان الذي يصفه بما قبل الحضارات، يعني شيئا، ربما علينا الآن، أن نفتش عن أعذار للأمم القديمة، التي كانت تمتهن الغزو، ذلك أنها لم تدعي الحضارة والحفاظ على حقوق الإنسان، وهي لم تجتمع على مؤسسات مشتركة، وقوانين مدروسة، ووعي يستفيد من التجربة.


ربما علينا أن نجد الأعذار للقتلة الأفراد، حين تتبنى الدول، تلك التي تدعي التقدم، قوانين القتل كمدخل للحوار مع الآخر، مدخلا يكاد يشي بأن القادم لن يستثني أحدا، ربما تصبح أشرطة الخيال العلمي، التي تنبئ بدمار الإنسان بيد الإنسان واقعا، إذ أنه حين يكون السلاح باليد وثقافة القتل في الذاكرة، تأخذ الصفة التدميرية مداها…


السلوك الإنساني، محصلة آلاف السنين من الحضارة، ونتاج الأفكار التي رسمت اختلاف الرؤى ولكن لاتفاق سيأتي، والوصايا التي رسمتها العقائد، لا تقتل، وتراكمات التجارب في حكايات الشعوب، واقتراب المسافات إلى درجة الاندماج، كل هذا.. لا شيء، فالمشهد يرسم للحظة القادمة، يؤسس لها في بدايات لم تعد تحرك الهواجس باقتراب ما يقال أنه العالم الجديد، هذا العالم-الحلم-، حيث تسود العدالة، و لا يلد الناس في العراء أطفالا مشوهين. 


القفز فوق التسويات


تحت هذا العنوان يوضح الكاتب، كيف تقوم الولايات المتحدة بممارسة الخداع، فيما يتعلق بكذبة التسوية للصراع العربي– الصهيوني، ذلك إن استتباب الأمر لأمريكا وللكيان الصهيوني لا يشترط أية تسوية وإنما يقفز فوقها من أجل إعادة صياغة المنطقة، لقد تدرجت السياسة الأمريكية من مدريد, إلى بغداد أولاً ثم القدس، إلى بغداد ثانياً ثم خصصت مشروع بناء الشرق الأوسط الكبير ضد فلسطين، فالمتاعب التي تواجهها الولايات المتحدة الأمريكية في العراق هي مدعاة في نظر الإدارة الأمريكية إلى تعزيز العلاقة بإسرائيل وتجنب أي محاولة لتوتيرها. 


العراق.. غزو واحتلال


تحت هذا العنوان يوضح الكاتب أن العشرين من آذار كان يوماً أسقط القناع بالكامل عن المخططات الأمريكية مع إبرازه لكافة التناقضات التي تتحكم بالمجتمع الدولي من خلال الرؤى المختلفة للسياسات والعراق، ورغم المبالغة الأمريكية الهادفة أصلاً للذهاب إلى الغزو، اعتبرت أن احتلال العراق كان هدفاً سهلاً بكل المقاييس, خاصة أمام التقدم الهائل للترسانة الأمريكية فالولايات المتحدة الأمريكية تمتلك أسلحة تراكمت منذ خمسة أجيال تصنيعاً وتحديثاً, الجيل الأول منها استخدم في الحرب العالمية الأولى, ثم استخدم الثاني في الحرب العالمية الثانية، أما الجيل الثالث فقد استخدم في حروب مختلفة, فيما استخدم الجيل الرابع في يوغسلافيا، ومن ثم الحرب على العراق التي سميت “عاصفة الصحراء” ثم استخدمت جميعاً بما في ذلك الجيل الخامس في الحرب الأخيرة على العراق.‏


وبرأي الكاتب، أن الخطط الأمريكية التي يتم رسمها للعراق، تصطدم بعقبات كثيرة خاصة مع ازدياد العمليات العسكرية ضد الاحتلال وتطور هذه العمليات إلى حالة نوعية مما دفع بالمحتل الأمريكي، أن يمارس سياسة التعتيم الإعلامي وقتل الصحفيين واستهداف مراكزهم ومكاتبهم لم يستطع أن يخفي تردي وضع الاحتلال

.‏
أما عن التبريرات التي سيقت لاحتلال العراق، وأهمها الزعم بامتلاكه أسلحة دمار شامل، يفند الكتاب كذب التقرير الأمريكي حول امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل، وكيف استخدمت أمريكا نفسها أسلحة الدمار الشامل منذ بدأ الغزو الأمريكي للعراق يوم 20 آذار عام 2003 بغارات ألقت آلاف الأطنان من المتفجرات على المدن العراقية.

‏ 
جرائم حرب، وأخرى جرائم ضد الإنسانية


يقدم الكاتب بشكل توثيقي دقيق سواء من خلال الكتاب أو الشريط الوثائقي، الأسباب التي يجب من خلالها محاكمة المسؤولين عن غزو العراق باعتبار أن الحرب بمجرياتها وممارسات الغزاة فيها اعتبرت أكبر انتهاك لحقوق الإنسان وللمواثيق الدولية فقد ارتكبوا جرائم أكبر من أن تحصى, وهي جرائم متنوعة لم يسلم منها الإنسان ولا الحيوان ولا الأرض ولا البناء ولا البنيات التحتية.. ولكن كأمثلة فإن القوات الأمريكية استخدمت الأسلحة الكيماوية في ضرب الفلوجة وحسب الإحصائيات الدولية فإن عشرات الآلاف من أهالي الفلوجة قتلوا أو شردوا بسبب مزاعم بوجود إرهاب في المدينة ويومياً تداهم القوات الأمريكية المستشفيات الرئيسية وتعتقل كل مصاب فيها.


تشريع التعذيب


مؤلف الكتاب يستدعي شهادات الصحافة الغربية حول أساليب التعذيب التي يمارسها الاحتلال في العراق فعلى سبيل المثال قال الأكاديمي “ستيفن مايلزمن” من جامعة مينسوتا: أن التقارير المؤكدة بشأن الانتهاكات في العراق وأفغانستان تشتمل الضرب والحرق والصدمات والتعليق من الأطراف والحرمان من الأوكسجين والتهديد ضد المعتقلين وذويهم والإذلال الجنسي والسجن الانفرادي..


وحسب الفقرات التي نشرتها صحيفة “لوس أنجلس تايمز” الأمريكية فإن وسائل التعذيب شملت: اللكم والصفع والركل والدوس على الأقدام العارية وتصوير السجناء والسجينات عراة, وصفّ المعتقلين في أوضاع جنسية مختلفة وتصويرهم وترك السجناء عراة لعدة أيام وترتيب المعتقلين وهم عراة على شكل كومة, سكب مادة فسفورية على المعتقلين..الخ.‏ وقد اطلع الرئيس الأمريكي جورج بوش على صورة بشأن عملية اغتصاب جنسي جماعي قام بها ثلاثة جنود أمريكيين ضد معتقلة عراقية, كما أنه اطلع على عشرات الصور الملونة التي تصور سلوكاً جنسياً فاضحاً للجنود الأمريكيين ضد المعتقلين العراقيين وقد جربت أمريكا في العراق أحدث الأسلحة فتكاً, كالقنبلة العنقودية التي يزيد وزنها عن 10 أطنان وقذائف المدفعية والدبابات المحشوة باليورانيوم المنضب وبعض القذائف الصّاهرة للحديد وهي كلها أسلحة محرمة دولياً.‏


إدانة الاحتلال بالوثائق‏


كتاب “تفاحة قابيل” لزكريا شاهين جهد توثيقي يعتمد على آلاف شهادات وسائل الإعلام الغربية والأمريكية وأقوال أكاديميين غربيين ومنظمات حقوق الإنسان..

وليقدم من خلال هذا الجهد إدانة لا تقبل الجدل للاحتلال الأمريكي والبريطاني للعراق وممارسات الصهاينة الوحشية في فلسطين وليعلن بأنه عندما يكون العذر أسوأ بكثير من الجريمة يرقى إلى ما هو أخطر منها، فتفقد العدالة معناها وحيث القتل يصبح اجتهاداً والكارثة تصبح تقليداً دونما ردة فعل.

وليد الزريبي – كاتب وصحفي من تونس. 

 

أفراسيانت
الباحثون عن العدالة، الحرية، وحقوق الإنسان.!

 
  • عدد الزيارات 12356575
Please fill the required field.