مجلة أفراسيا

"فلسطين 36" لوحة لمرحلة تاريخية وسياسية حساسة 

"فلسطين 36" لوحة لمرحلة تاريخية وسياسية حساسة 

آن ماري جاسر تستعيد الذاكرة المسلوبة وتسير بها نحو الأوسكار.


فترة محورية من تاريخ فلسطين


افراسيانت - علي المسعود - تعود المخرجة الفلسطينية آن ماري جاسر في فيلمها "فلسطين 36" إلى الجذور الأولى للمأساة، مقدمة دراما تاريخية ملحمية اختارتها فلسطين لتمثيلها في سباق أوسكار 2026. الفيلم الذي يجمع نجوما عالميين لا يكتفي برصد الانتفاضة الكبرى ضد الانتداب البريطاني، بل يرسم لوحة شديدة الدقة لعامٍ وضع حجر الأساس لكل ما تبعه من نكبات.


فيلم “فلسطين 36” الدراما التاريخية الطموحة التي تم اختيارها كمرشح رسمي لفلسطين لجوائز الأوسكار لعام 2026، رغم تعرض العمل لحملة تشويه منظمة وشرسة، تهدف إلى اغتياله فنيا وتجاريا وهو لا يزال في رحم العروض السينمائية الأولى، بعد أن رصد سلسلة من التسريبات المقرصنة، والتعليقات المسيئة، والتقييمات المضللة على المنصات العالمية وكذلك تشويها ممنهجا.


يسرد الفيلم قصة الانتفاضة الفلسطينية ضد الحكم البريطاني في ثلاثينيات القرن الماضي، وهي فترة محورية تستكشفها المخرجة مع طاقم عمل مرموق، بما في ذلك الإنجليزي جيريمي آيرونز والممثلة الفلسطينية هيام عباس، من خلال الجمع بين الخيال الملحمي واللقطات الأرشيفية.


الفيلم إنتاج دولي مشترك بين فلسطين وبريطانيا وفرنسا والدنمارك وقطر والسعودية والأردن، وهو من تأليف آن ماري جاسر وإخراجها، وهي كاتبة ومخرجة ومنتجة فلسطينية.


التاريخ يفسر الحاضر


تقدم المخرجة لوحة لحقبة تاريخية حساسة، تفتتحها من مشهد لشاب فلسطيني يسير في القدس عام 1936، بينما تتردد خطواته بين مسار قريته ونداء مستقبل لا يزال غير مرئي. الشاب اسمه يوسف، يوقفه الجندي البريطاني بعد نزوله من القطار ويطلب منه بطاقته الشخصية. يروي هذا الفيلم قصة أشخاص يواجهون قوة تتجاوزهم، كما تقول آن ماري جاسير "فلسطين 36" كانت أكثر المغامرات صعوبة في حياتي. إن كون هذا العام من الدم والعنف والموت قد ولد أيضا عملا نسجته العديد من الأيدي والقلوب هو بالنسبة لي عمل من أعمال الحب والتحدي.”


مع ستة عشر فيلما في رصيدها، تعد المخرجة جاسر واحدة من رواد السينما الفلسطينية، مثلت أفلامها الروائية الثلاثة السابقة فلسطين بالفعل في حفل توزيع جوائز الأوسكار، ” ملح هذا البحر” 2008، أول فيلم فلسطيني من إخراج امرأة، ونال استحسانا في مهرجان كان. وكذلك فيلم “عندما رأيتك” 2012، الذي فاز بأحد جوائز مهرجان برلين. وفيلم “واجب” 2017، الذي فاز بستة وثلاثين جائزة حول العالم. وهي في فيلمها الجديد تحكي قصة لا تكون فيها ذاكرة شعب على المحك فحسب، بل أيضا قدرة السينما على الشهادة والمقاومة والتوثيق.


الفيلم يعمل كنوع من قياس الزلازل التاريخي، حيث يسجل بدقة هزات الاستيلاء على الأراضي والخيانة السياسية والتمرد الناشئ


تبدأ القصة في ربيع عام 1936، بدولة فلسطين التي تديرها سلطة الانتداب البريطاني بعد الحرب العالمية الأولى، لكن السابقة الأساسية هي وعد بلفور لعام 1917 ، وهو بذرة  الاحتلال الإسرائيلي والتمهيد الطريق لنزع ملكية السكان الأصليين بشكل منهجي. تختار جاسر مكانين كمركز للأحداث: القدس، حيث تتفاوض النخبة الحضرية مع البريطانيين والمستوطنين، وقرية البسمة حيث يتحمل الفلاحون العبء الأكبر من القمع وفقدان الأراضي. اندلاع التوترات الاجتماعية والسياسية، ثم إضراب عام وتمرد يقابله قمع استعماري مهد الطريق للتقسيم.


في القصة يبرز يوسف (كريم داود عناية)، وهو شاب من قرية ريفية يسافر إلى القدس على أمل مستقبل أفضل. يعمل كسائق لأمير (ظافر العابدين)، وهو شخصية سياسية. يجد يوسف نفسه ممزقا بين نمط الحياة التقليدي لعائلته ومواكبة المدينة سريعة التغير.


يركز الفيلم على المقاومة ويشكك في فكرتين مشتركتين حول الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني: أن الفلسطينيين بدأوا الصراع وأن السلام كان قائما قبل 7 أكتوبر. على الرغم من أنه تم إنتاجه قبل الأحداث الأخيرة، إلا أن إصدار الفيلم ينقل الآن رسالة قوية ومفعمة بالأمل بشكل خاص.


في الفيلم نرى الزوجان أمير وخلود وهما من برجوازيي القدس ولديهما جريدة، حيث تكتب خلود تحت اسم مستعار هو “أحمد كنعاني”، في حين ينشط زوجها بتكوين جمعية إسلامية، ولكنه يدعو لعدم الاحتكاك بالمهاجرين اليهود ومحاولة فهم معاناتهم والعمل لاستيعابهم. نكتشف بعدها أن أمير شكّل الجمعية الإسلامية لمواجهة تحالف الأحزاب الوطنية الفلسطينية الخمسة بعد أن اشترته الوكالة الصهيوينة ودفعت له المال لهذا الغرض وكأن اليوم صدى ذلك الماضي البعيد.


أما البريطانيون فهناك العسكري الفظ وكذلك سكرتير الحاكم العام الذي يتظاهر بالسعي لتقليل مصاعب الفلسطينيين، مثلا اقترح على مختار بلدة البسمة قرب القدس أن يسجّلوا أراضيهم الزراعية لأن العثمانيين لم يسجلوا الأراضي خارج البلدات والمدن لكن المختار رفض، لأن الأراضي عاش عليها أهل القرية لأجيال متعاقبة. ربما كان الغرض من المقترح خلق فئة ملاكي الأراضي الزراعية لضمان ولائهم للبريطانيين، وربما كان غرضهم أن يطلقوا يد المهاجرين اليهود في الأراضي غير المسجلة.


لم يكن الفلسطينيون يتوقعون تدهور الأمور فتصبح الأراضي التي يعيشون عليها ساحة حرب ونزاع على ملكيتها. إنها مصادفة قاتمة في فيلم جاسر حين تركز على لحظة محورية في التاريخ الفلسطيني، وتسلط الضوء على لحظة تكوينية مؤلمة أخرى للبلاد.


ممثلون أبدوا تمكنا من أدوارهم

 
سرد طموح


 تتعامل المخرجة جاسر مع هذا التحدي من خلال سرد طموح متعدد السلاسل يضم مجموعة متنوعة من الشخصيات التي تقدم معا قطاعا عرضيا لمجتمع في حالة تغير مستمر. عامل الميناء خالد (صالح بكري) يدفع إلى حركة ثورية بسبب ظروف العمل السيئة. تجد الصحفية الخلود (ياسمين المصري) نفسها على خلاف مع المجتمع الراقي في القدس عندما تكشف عن المظالم الاستعمارية. يواجه مجوعة من أهالي القرية، منهم الشابة عفراء (وردي إيلابون) وجدتها حنان (هيام عباس) تهديدات متصاعدة من المستوطنين.


في هذه الأثناء، يكافح المسؤولون البريطانيون بما في ذلك المسؤول (بيلي هاول)، والمفوض السامي غير الكفء (جيريمي آيرونز) وضابط الجيش الصهيوني (أورد وينجيت) الذي يلعبه (روبرت أرامايو كسادي)، للحفاظ على الوضع الراهن في مواجهة المقاومة المتزايدة من الفلسطينيين.


 من خلال أفلامها السابقة أثبتت المخرجة آن ماري جاسر نفسها كمؤرخة دقيقة للحياة الفلسطينية، وتابعت ذلك في هذا الفيلم حيث تناولت الهوية وثقل التاريخ – على نطاق أوسع بكثير، جامعة بين أعراف الدراما الكلاسيكية والتفريغ الشامل للإخفاقات الجيوسياسية التي شكلت المنطقة، تشرع في دراسة وقت التغييرات التي أحدثها تدفق المهاجرين اليهود الأوروبيين.


وعن اختيارها للموضوع توضح المخرجة المولودة في بيت لحم والمقيمة في مدينة حيفا الإسرائيلية قائلة "هذه واحدة من أهم اللحظات في تاريخنا كفلسطينيين. لحظة تضع الأساس لكل شيء، لكل ما سيتبعها. لا يمكنك فهم النكبة ونزوح الفلسطينيين عام 1948 بعد هزيمة الدول العربية في الحرب الأولى ضد إسرائيل أو الانتفاضة أو الوضع الحالي دون فهم كيف تم إعداد المشهد في ذلك الوقت. هذه الثورة رائعة: انتفاضة فلاحية اكتسبت اليد العليا في مواجهة الإمبراطورية. كنت أرغب في تجسيد هذه الانتفاضة في الفيلم، لذلك كان علي أن أفعل ذلك".


جاسر تستخدم فصولا مؤرخة لإظهار كيف يميل ميزان القوى لصالح المستوطنين اليهود المدعومين من الآلة الاستعمارية البريطانية


وتستخدم جاسر فصولا مؤرخة لإظهار كيف يميل ميزان القوى بشكل كبير لصالح المستوطنين اليهود المدعومين من الآلة الاستعمارية البريطانية. تجمع في العرض بين الميلودراما وإعادة الاعمار التاريخي والدقة التربوية. هذا هو السياق الحاسم الذي توفره الكاتبة والمخرجة. إنها تعطي وزنا لكل جزء من اللغز الذي قادنا في النهاية إلى الإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني اليوم.


 لم يكن الأمر مجرد غرباء مثل بريطانيا الاستعمارية أو الوافدين الجدد مثل التدفق السريع للمستوطنين اليهود إلى المنطقة. كانت الأفعال المضللة لقادة فلسطين نفسها التي سمحت بإمكانية التقدم الذاتي من خلال النفوذ الأوروبي بتلقي ظلالها على حكمهم. تصور القصة المزارعين وسكان المدن والثوار الفلسطينيين وبطش المستعمر البريطاني، مما يدل على المخاطر الإنسانية والسياسية العالية في ذلك الوقت.


 شددت المخرجة على أهمية سرد هذه الرواية التي لم تحظ حتى الآن باهتمام دولي يذكر، مما وضع أسس الأحداث التي ميزت تاريخ فلسطين. وحول أهمية القصة، قالت جاسر: “سألت هذا السؤال أيضا. لماذا لم يتم استكشاف هذه القصة من قبل؟ إنها واحدة من أهم اللحظات في تاريخنا كفلسطينيين. ويضع الأساس لكل ما يأتي بعد ذلك، كل شيء على الإطلاق”.


حرائق لا زالت مشتعلة


جديلة التمرد والثورة عند الفلسطينيين – ليست بدافع شهوة الدم أو الكراهية، ولكن بدافع البقاء المطلق والدفاع عن الأرض التي عملها الفلسطينيون وتحتوي على قبور الفلسطينيين وتاريخهم وذكرياتهم، ثم تسلب منهم وتمنح للمستوطنين اليهود مجانا بموجب مرسوم صادر عن التاج البريطاني. وفي اللحظة التي تتخلى فيها بريطانيا عن تلك الأرض، فجأة يمنح المستوطنون الحق في الدفاع عنها، ورفضت الحقوق للفلسطينيين الذين سرقت منهم. كما تكشف عناوين فصول جاسر وعلامات التاريخ، فإن هذا الاستحواذ الكامل يحدث بين عشية وضحاها تقريبا. إن العنف من قبل البريطانيين ودعمهم يمنح الإسرائيليين اليد العليا الكاملة بناء على فكرة أن لديهم القدرة على إعلان تشكيل دولة يهودية في أرض لم تكن ملكهم للسيطرة عليها.


الفيلم مهم لأنه يمهد الطريق لتقديم رواية أخرى، وفي الوقت الذي يتم فيه بث الإبادة الجماعية على التلفزيون ويحاول تبريرها، تبني “فلسطين 36” هذه الذاكرة من خلال سرد خطي شبه روائي. هناك حاجة ملحة حقيقية، وهي إعطاء وجه وصوت للفلسطينيين الذين رأوا أراضيهم تُسلب وهويتهم مهددة.


في الواقع، الميزة الكبرى للفيلم هي جعل الميلودراما سلاحا. هناك مسار سياسي عميق في الإصرار على إظهار المعاناة كاستمرارية ترفضها النظرة الغربية عادة. السينما هنا، دورها كشاهد وتراث، تبقى ثابتة في وظيفتها كتذكير بوجود فلسطين أخرى قبل الكارثة.


آن ماري جاسر مؤرخة الحياة الفلسطينية

 
يعمل الفيلم كنوع من قياس الزلازل التاريخي، حيث يسجل بدقة هزات الاستيلاء على الأراضي والخيانة السياسية والتمرد الناشئ الذي سيندلع قريبا إلى زلزال كامل. إنه عمل ذو خطورة هائلة، وثيقة سينمائية تتطلع إلى ماض معين لطرح أسئلة مؤلمة حول الحاضر.


 يتبع الفيلم الفلسطينيين الذين يرزحون تحت الحكم الاستعماري ووصول المستوطنين اليهود الأوروبيين، مع التركيز على كيفية تشكيل خيارات المقاومة للمصير الشخصي والمجتمعي خلال التنقيب عن أحداث عام 1936 بهذه الدقة والتعاطف، لا يقدم الفيلم إجابة، بل يأتي كاستصلاح تاريخي يتحدى الروايات المبسطة التي سيطرت على الخطاب منذ فترة طويلة، ويظهر لنا أن الحرائق القديمة لا تزال مشتعلة تحت أقدامنا.


وكما يوحي العنوان، يغطي الفيلم أكثر من عام بقليل في فلسطين، ويظهر موضوعان كمحور أساسي في السرد: الحرب والطريقة التي يدرك بها المواطنون أن بلدهم يسرق ويبدؤون في تنظيم المقاومة. يصور سيناريو جاسر بشكل حاد الانقسام الطبقي بين الفلسطينيين، ويقارن بين المزارعين في المناطق الريفية والنخبة المتعلمة في المدينة.


تم تصوير الفيلم بشفافية داخل منظر طبيعي أخضر مدهش ومع استخدام الموسيقى التصويرية لبن فروست، التي تعتمد على الألحان العربية والتوليفات والآلات التقليدية. الفيلم يهدف إلى إدانة استخدام اللاجئين اليهود كبيادق سياسية من قبل الحكومة البريطانية التي لا تهتم بهم في الواقع.


ويصور الفيلم بثا إذاعيا يعلن عن نتائج لجنة بيل سيئة السمعة التي أعلنت رسميا عن خطة التقسيم الفلسطينية، حيث يعلن مذيع الراديو بشكل مخيف أن هذا حل “للمشكلة اليهودية”. من الحكمة الحفاظ على التركيز على أفعال الحكومة البريطانية، وما فعلته المخرجة جاسر هنا هو إعادة تاريخ الحياة الذي لا ينبغي نسيانه عبر ملحمة مترامية الأطراف ترسم بدقة أصول مأساة حديثة.

 

أفراسيانت
الباحثون عن العدالة، الحرية، وحقوق الإنسان.!

 
  • عدد الزيارات 12356470
Please fill the required field.