كل أسبوع

هل تعيد الحروب تشكيل النظام العربي؟

الكاتب: الجامعة العربية في حاجة ملحة إلى إعادة هيكلة أو لتوسيع دائرة التحالفات في المنطقة (مواقع التواصل)

- هل تعيد الحرب بناء إستراتيجية عربية موحدة؟!


افراسيانت - محمد عبد العظيم العجمي - كما هو معلوم حسب سنن الحروب وحتميات التاريخ، لن يكون خروج المنطقة العربية ولا العالم من هذه الحرب كما دخلوها، وإلا لما كان هناك داع لإشعالها، فلا بد للحرب أن تقوض أبنية لتقيم مكانها أخرى، وتنفض تحالفات لتصنع بدلا منها تحالفات جديدة، ولتعيد الدول والمناطق والأقاليم النظر في إستراتيجيتها طويلة المدى، وأهدافها الحالية والمؤجلة.


وقد طرح هذا السؤال القائد الفيلد مارشال مونتغمري على الكاتب محمد حسنين هيكل، في أحد لقاءاته: "فما هي إذن إستراتيجيتكم العربية الآن؟"، فأجاب هيكل: "تحقيق الوحدة العربية على أي مستوى تسمح به الظروف"، فأعاد مونتغمري السؤال: وهل بين الشعوب العربية ما يكفي لتحقيق هذه الإستراتيجية وتحقيق هذا المشروع الكبير؟ فأجاب الكاتب: في العالم العربي، ألا تكفي أواصر اللغة والثقافة والتاريخ والعرق والدين والجوار؟ فأجاب: بلى تكفي.


فهذا الذي كان مطروحا إبان أو قبل سقوط الإمبراطورية العثمانية -الذي كان محتما بحكم فروض التاريخ والجغرافيا- وكان السعي لبناء وحدة عربية شاملة، تحت قيادة عربية موحدة، وربما تعذر المشروع لعوامل جمة لا يتسع المجال لذكرها، حين جاءت عليه فكرة التقسيم (سايكس بيكو)، ثم أتت بعد التحرير القومية والبعثية والاشتراكية، مرورا بـ(الدولة القُطرية) كبديل عن الفكرة أو الدولة القومية الغربية.


السعي الحثيث في أحقية الطرف العربي في امتلاك الطاقة النووية السلمية -والعسكرية إن استدعى الأمر- إن بقيت التهديدات الإسرائيلية بامتلاك القنابل النووية.


إن فكرة الدولة القطرية (الوطن) التي راقت للعقل والفكر العربي إبان ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، هي التمركز حول الوطن بمفهومه الضيق السياسي والقانوني والمصالح المجتمعة، والرؤى المتقاربة، حيث فيها من السكون النسبي قبل وبعد حرب العراق، فقد أوحت حالة السكون هذه بدوام واستمرار فرضية الدولة القطرية. أما الآن، فلم تعد تلك الفكرة ناجعة أو ناجحة في ظل التغيرات القاهرة التي تفرض نفسها على المنطقة والعالم، والحديث عن الحرب الخليجية الدائرة.


لكن نقف هنا عند جملة هيكل: "تحقيق الوحدة بين الشعوب العربية على أي مستوى متاح أو تسمح به الظروف"، والآن، وأثناء وبعد انقضاء الحرب، لا نجد الظروف تسمح فقط، بل تفرض على المنطقة العربية حكاما وشعوبا السعي الحثيث في وضع إستراتيجية عربية موحدة، وإن تعذر أن تكون شاملة على كل المستويات، فلا أقل أن يكون أولها وعلى رأسها:


•    تشكيل قوة عربية مشتركة، وهو أمر أصبح محتما تفرضه الأحداث والوقائع، كما جاء في إعلان دمشق (1991)، ثم الانتقال بعده إلى حزمة تعاونية اقتصادية وسياسية لا بد منها، لدعم هذه القوة العربية.


•    تعاون معلوماتي على مستوى الأنظمة، يتيح التأسيس والتأصيل لبناء هذه الإستراتيجية على المدى القريب والبعيد، فالأمن القومي العربي- استنادا إلى الطرح السابق- لم يعد يجدي أن يكون أمنا منفردا، لكن أمنا جماعيا أو شاملا (عربيا وليس قُطريا).


•    صياغة رؤية عربية موحدة، أو متكاملة، تجاه القضايا الجغرافية السياسية في المنطقة، على رأسها القضية الفلسطينية ومقترح حل الدولتين، وكذلك السودان، وليبيا، وسوريا، واليمن، والسعي إلى توصيل هذه الرؤية للعالم، وتشكيل فرق عمل دبلوماسي لحل هذه القضايا والدفاع عنها تجاه المجتمع الدولي.


•    إعادة النظر في شكل العلاقات العربية الإسرائيلية، خصوصا تجاه السياسات الإسرائيلية العدائية، والتي لا تسعى بشكل جاد إلى حل مرض للقضية الفلسطينية، إنما لا تزال تنتهج التفوق العسكري الإستراتيجي، والتوسع الإقليمي السافر على حساب دول الجوار، وخلق حالة تصادمية مستمرة لضمان استمرار الفكرة الصهيونية المفتراة.


•    إعادة النظر في شكل العلاقات العربية العربية، وتشكيل لجان فض المنازعات المستمرة التي تفرضها ظروف المنطقة مع القوى الكبرى العالمية، على ألا تخلق هذه النزاعات رؤى منفصلة أو متقطعة تجاه القضايا المصيرية الكبرى.


•    إعادة النظر في أحقية الطرف العربي التاريخية في إدارة أو المشاركة في إدارة الممرات الدولية (باب المندب ومضيق هرمز والبحر الأحمر والخليج العربي)، ومدى لعب هذه الأحقية دورا في تجنب الصدامات الدولية والحروب الإقليمية.


•    السعي الحثيث في أحقية الطرف العربي في امتلاك الطاقة النووية السلمية -والعسكرية إن استدعى الأمر- إن بقيت التهديدات الإسرائيلية بامتلاك القنابل النووية، وكذلك الطرف الإيراني الذي يسعى جاهدا في ذلك، مما يخل بتوازنات القوى في منطقة الشرق الأوسط، وتفعيل صراعات وصدامات مستمرة لعدم تكافؤ القوى.


•    بناء قوة اقتصادية مشتركة تمثل ركيزة عربية في نهضة صناعية تكنولوجية، تستطيع منافسة أو مجابهة تلك النهضة العلمية في الإقليم (تركيا وإيران وإسرائيل) كمثال.


وبالتالي الخروج من مضيق الطرف المستورد المستقبل أو المستجدي، خصوصا التكنولوجيات العسكرية مع عدم التكافؤ مع المحيط، إلى سعة الطرف المصنع أو المورد، ولن يعدم العقل العربي العلمي ولا الاقتصادي أن يقوم بمثل هذه المهام إن توفرت له الإمكانات والوسائل والموارد.


 العالم الآن يعاد تشكيله قسرا (عن طريق الحروب)، وطوعا (عن طريق ثورة التقنيات والمعلومات الرقمية)، ولن يكون مجديا للمنطقة العربية أن تكون غائبة عن مثل هذا التغيير


أما (العقل العربي التقني والعلمي)، فلا أظنه يقل قوة ولا كفاءة عن العقل الأوروبي والأمريكي، وإن رصد ميزانيات للبعثات العلمية والبحث العلمي على مستوى الجامعة العربية، لا على مستوى الأقطار العربية، ضرورة تفرض نفسها لنقل المنطقة العربية إلى العقل المنتج، خاصة مع انفتاح وتهيؤ كثير من الفرص التعاونية البديلة للغرب الأوروبي والأمريكي.


أما عن الجامعة العربية التي تحولت إلى شكل من أشكال الروتين العربي أو التابلوهات التي أتت عليها عوامل الزمن، كما أتت على غيرها من التحالفات والتجمعات الدولية، وما الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو عنا ببعيد، فقد رأينا حالة الانفصام بين الفكر الأمريكي والواقع الجديد ودول أوروبا تجاه القضايا الدولية، على عكس ما جمعتهما الرؤى في حربي العراق الأولى والثانية (1991، 2003).


فالجامعة العربية في حاجة ملحة إلى إعادة هيكلة، أو لتوسيع دائرة التحالفات في المنطقة (تركيا، باكستان، ماليزيا، إندونيسيا)، حيث هذه الدول، كقوى اقتصادية وعسكرية وتقنية، ليست ذات رؤى سياسية أو أيديولوجية منفصلة عن الكيانات العربية وجامعتها، إنما تحتاج فقط إلى توسيع الرؤية العربية لإعادة بناء إستراتيجية (قريبة وبعيدة المدى).


أما الانكفاء والإصرار على فكرة الدولة القطرية السابقة، فهو أشبه ما يكون بحال من حالات الانتحار السياسي والعسكري، وقد رأينا -حتى الآن- مدى جدوى التحالفات المعلنة وغير المعلنة، والتعاون الذي صنعته إيران مع الدول الكبرى (الصين وروسيا)، والذي جعلها أكثر قدرة على الاستمرار في الحرب أمام قوة أمريكا وإسرائيل المزودة بأحدث التقنيات العسكرية، وتقاطع المصالح الذي فتح الجسر المعلوماتي (الصيني الروسي) أمام الحليف الإيراني.


إن العالم الآن يعاد تشكيله قسرا (عن طريق الحروب)، وطوعا (عن طريق ثورة التقنيات والمعلومات الرقمية)، ولن يكون مجديا للمنطقة العربية أن تكون غائبة عن مثل هذا التغيير، فإما أن تختاره طوعا فتواكب العالم بتغيراته، وإما قسرا فتبتلعها سنن التغيير والتبديل، ثم حينها "لات ساعة مندم".

 

أفراسيانت
الباحثون عن العدالة، الحرية، وحقوق الإنسان.!

 
  • عدد الزيارات 12442934
Please fill the required field.