الكاتب: النزاهة هي المسافة بين القول والفعل، وبين المبادئ المعلنة والتعارض معها عبر ما نمارسه تحت بند المبادئ.
البحث عن ضمير العالم: تقنية "الفار" والنزاهة المريبة
افراسيانت - هلال بن سالم الزيدي - يحاول هذا المقال تقصي واقع النزاهة عبر مجسات الأحداث التي أشغلت العالم وأربكت تجليات أخلاقيات التعامل، فكيف يتجه العالم في البحث عن النزاهة الغائبة من خلال مراجعته دقة أهداف كرة القدم، ولا يراجع ضميره عما يحدث من جور سياسي وعسكري في غزة؟
هل نحن بحاجة إلى تقنية الفار في الواقع السياسي لمراجعة القرارات الكارثية وإعادة التمعن في مشهد الضحايا بعيدا عن شاشات غرف العمليات فقط؟
3 أحداث تنسل منها حكاية تقصي النزاهة، والتي لم تقو النباهة البشرية على تحقيقها أو تأكيدها بناء على الوقائع التي تشهدها الساحة بمختلف قبعاتها، سواء الرياضية أو السياسية أو الأخلاقية الحقوقية.
أولها: انشغال العالم بما يدور في المستطيل الأخضر باعتبار أن الرياضة تجمع ولا تفرق، وحالة الإرباك التي اعتمدت على تقديرات بشرية في ضبط إيقاع التنافس، لتتحول المسألة عند الخلاف إلى حكم الفيديو المساعد أو ما يعرف بـ"تقنية الفار"، التي ما زالت تثير الجدل في الحالات التي تعتمد على تقديرات الحكم، خاصة في الالتحام الجسدي.
وثانيها: انهيار الهدنة بين أمريكا وإيران في ظل تباين تقديرات المختصين حول حالة التصعيد: هل تتجه إلى حرب شاملة بحسب ما يصرح به ترمب؟ أم أن الطرفين يستعدان لمعركة طويلة تقوم على الضغط المتبادل واستخدام أوراق أكثر ردعا وفاعلية من الحرب العسكرية، لا سيما حالة التموضع الجغرافي؟
أما ثالثها: نفاد الأكفان في غزة مع استمرار تصاعد أعداد الشهداء رغم اتفاق وقف إطلاق النار، وحالة النسيان أو التجاهل التي يعيشها العالم عن القضية الأولى؛ القضية الفلسطينية، وما يقوم به الكيان المحتل من تدمير وتهجير وتجويع، بعيدا عن تقديرات النزاهة في الاتفاقات المبرمة بين الطرفين.
تتدخل "تقنية الفار" لمنح الحكم فرصة مراجعة قراره، دون أن تكون التقنية هي المتحكم في القرار، فيعود التقدير وفق التصور الذي يراه صائبا، لأن العين البشرية لا تكفي في ملاحظة كل التفاصيل
النزاهة فاصلة بين القول والفعل
يبلغ التناقض في السياق البشري ذروته عند صياغة القيم بقدر واسع من المعرفة، فيقابله عجز متكرر عن الالتزام بها، فنتعمق في الحديث عن العدالة، لكننا في ذات الوقت نبحث عن استثناء يخدم مصالحنا، ونرفع مطالباتنا لبلوغ الشفافية حين نكون متضررين، ونراوغ حين نكون مستفيدين، نشجب ونستنكر وندين القوة حينما تقع علينا، لكننا نبحث عن أسماء ومصطلحات مخففة حين نمارسها على الآخرين.
فالنزاهة هي المسافة بين القول والفعل، وبين المبادئ المعلنة والتعارض معها عبر ما نمارسه تحت بند المبادئ. وبحسب المعاملات الإنسانية، فإن الفرد لا يختبر في النزاهة عندما تتوافق الرغبة مع الواقع، وإنما حين تصبح الحقيقة عبئا، فيكون الاعتراف بالخطأ انتقاصا وزعزعة للمكانة.
التقديرات البشرية لا تكفي!
هل تتوافق التقديرات البشرية في المستطيل الأخضر مع مستوى مقبول من النزاهة بعيدا عن العاطفة؟
سؤال يطرح نفسه في خضم الاختلاف السائد حول مهنية حكام كرة القدم في عدم التأثر بما يدور خارج ذلك المستطيل، فمهما بلغت خبرة الحكم وقوة الثقة التي يتمتع بها، إلا أنه يظل إنسانا مرهونا بمحدودية الرؤية، ويعتمد قراره على نقطة ارتكازه في الملعب وزاوية المتابعة وسرعة اللعبة التي قد تؤثر في قدرته على التقدير، فيتأثر قراره وفق سياق اللحظة.
لذا تتدخل "تقنية الفار" لمنح الحكم فرصة مراجعة قراره، دون أن تكون التقنية هي المتحكم في القرار، فيعود التقدير وفق التصور الذي يراه صائبا، لأن العين البشرية لا تكفي في ملاحظة كل التفاصيل، مع التأكيد على الفلسفة التي تقوم على الحد الأدنى من التدخل لتحقيق أقصى قدر من العدالة دون اشتراط عصمة صاحب القرار، بل شجاعته في قول الحق بعيدا عن فلسفة الاستثناء.
تلك التقنية، وعلى الرغم من أنها بروتوكول رياضي معترف به، إلا أنها لا يمكن أن تصنع عدالة مطلقة، بل تحتاج إلى تفسيرات بشرية ونزاهة يقرأ بها الدليل، باعتبار أن الفار يكشف الفعل ويعرض الصورة من زوايا مختلفة، لكنه لا ينقي الضمير ولا يمنع العاطفة الانتقائية.
سياسيا، غالبية القرارات لا تعترف بالحكم المستقل، على الرغم من وجود المجتمع الدولي الذي تشبه قراراته "جعجعة بلا طحن"، ولا يعير النزاهة أدنى اهتمام في إيجاد مراجعة محايدة، ولا توجد لديه قاعدة ملزمة تقضي بإلغاء القرار حين يتضح خطؤه؛ لأن الطرف الأقوى هو اللاعب والحكم والمستحكم في أثير البث، وهو من يمتلك قرار الحل والعقد.
هنا يتجلى التناقض الحقيقي بين عالم يرفع صوته ويطالب بتحقيق النزاهة في مباراة تستغرق 90 دقيقة، وتظهر خلالها الولاءات بعصبية فجة بين جمهور المتنافسين، فترفع الصور وتكتب العبارات وتصل إلى تلاحم خارج أرضية الملعب، بينما يتراجع حرص العالم واهتمامه في المطالبة بالنزاهة عندما تقرر آلة الحرب قتل الآلاف وتهجير الملايين وتهدد مناطق بأكملها وتنهب الحقوق.
كيف يمكن أن تسير المفاوضات بالتوازي مع التهديدات والعقوبات والضربات العسكرية؟ وهل من النزاهة أن تعمل الدبلوماسية تحت وطأة أصوات الصواريخ؟
أمريكا وإيران.. سلام هش
تنهار نزاهة التفاوض بين أمريكا وإيران في كل مرة، بل تزداد دموية جراء الهجمات والتهديدات بشكل ينم عن أن الهدنة لم تكن لتسوية جذور الصراع، بل كانت تعليقا مؤقتا لترتيب الصفوف وإشعال إيقاع القوة بهدف إعادة التموضع دون الالتزام الأخلاقي بإنهاء الحرب.
إن الأثر المترتب على المواجهة التي أشعلتها أمريكا والكيان المحتل ضد إيران تجاوز حدود الأطراف المتصارعة، فامتد ليصل إلى دول الخليج مع تأثر خطوط الملاحة والطاقة وتذبذب الاقتصاد العالمي، وكثيرا ما يعلن الرئيس الأمريكي عن انتهاء الحوار وتعثر المفاوضات، لتشن الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل ضربات جديدة على إيران.
من جهتها، إيران تنفذ هجمات باستهداف مواقع عسكرية في مواقع مرتبطة بحلفاء واشنطن ردا على ما قامت به الطائرات الأمريكية والإسرائيلية، لذا فإن انهيار الهدنة والعودة إلى القوة يكشفان فشلا دبلوماسيا وتناقضا بين خطاب السلام وممارسات الإكراه.
فكيف يمكن أن تسير المفاوضات بالتوازي مع التهديدات والعقوبات والضربات العسكرية؟ وهل من النزاهة أن تعمل الدبلوماسية تحت وطأة أصوات الصواريخ؟
لقد ابتعدت هدنة التفاوض التي أتاحت 60 يوما لإيجاد تسوية ذات أثر عن السلام، بسبب أنه لم يصاحبها تغيير في منطق الصراع، فالانهيار تجاوز لحظة إطلاق المسيرة أو الصاروخ، بل بدأ منذ لحظة الدخول في المفاوضات والبحث عن اعتراف باستسلام الطرف الآخر وتجاهل التسوية التي تحفظ للجميع الحد الأدنى من الكرامة والأمن.
كشف واقع غزة حالة النظام الدولي الذي يوثق الانتهاكات لكنه لا يريد منع استمرارها، فهو يطالب بحماية المدنيين ثم يكتفي بإحصائهم بعد موتهم، يدين التهجير ثم يطالب بتوفير الخيام والمساعدات دون الإشارة إلى الفعل الذي يجب إيقافه ومحاسبة مجرمي الحرب.
غزة خارج المشهد
لقد خطف المستطيل الأخضر والهجوم على إيران الأضواء عما يدور في غزة، وها هي غزة تدفع لتكون خارج المشهد، من خلال إشعال جبهة جديدة تتراجع على إثرها معاناة ومأساة الشعب الفلسطيني، ليكون الحدث الذي انتهت صلاحيته، ويمنح الكيان صك التصرف وشرعية تنفيذ الأعمال الإرهابية.
لقد حجم النظام السياسي العالمي الألم الواقع على أطفال غزة بين تجويع وتشريد، وحقوق مسلوبة، ليصل إلى حد إهانة الكرامة في توفير الأكفان، وهي إحدى صور انعدام النزاهة التي يمارسها المجتمع الدولي بصمته.
تمثل حادثة نقص الأكفان وصعوبة تجهيز الموتى أقصى انهيار لشروط الحياة والموت معا، وهي أكبر دليل لا يحتاج إلى مراجعة "الفار الأخلاقي" لعجز العالم عن تحقيق كرامة الموتى قبل أن يكون للأحياء حقوق مكتسبة بفطرة المبادئ الإنسانية.
كشف واقع غزة حالة النظام الدولي الذي يوثق الانتهاكات لكنه لا يريد منع استمرارها، فهو يطالب بحماية المدنيين ثم يكتفي بإحصائهم بعد موتهم، يدين التهجير ثم يطالب بتوفير الخيام والمساعدات دون الإشارة إلى الفعل الذي يجب إيقافه ومحاسبة مجرمي الحرب، وهذا هو تكريس للعدالة الانتقائية التي تبتعد عن منهج العدالة أصلا.
تصبح حالة النسيان أو التجاهل لما يدور في غزة شكلا من أشكال المشاركة في الظلم، فتكمن الخطورة في تحويل مأساة القضية الفلسطينية إلى خلفية ثابتة في المشهد بين أرقام تتجدد وصور تتكرر وبيانات تدين وتشجب وتستنكر، فيتحول العالم تجاه حالة القتل من أقل وحشية إلى أقل حساسية.
الحكم واللاعب والمصلحة
استطاع العقل البشري ابتكار تقنية تحمي مباراة كرة القدم من خطأ تقديري إلى حد ما، لكن البشرية لم تستطع بناء منظومة تحمي شعبا وحضارة من خطأ سياسي مستمر، أو من قوة منحت نفسها أن تكون شرطي العالم، ولا تخضع لمراجعات ملزمة، وهذا هو التناقض في الحضارة المعاصرة؛ إذ إننا نمتلك أدوات دقيقة لرؤية الظلم، لكننا نفتقد إلى النزاهة المطلوبة لإيقافه.
إذا سلمنا رياضيا، وفق البروتوكول الملزم، بإمكانية إيقاف المباراة وإعادة اللقطة واستدعاء الحكم إلى الشاشة، فهل سياسيا هناك من يستطيع أن يستدعي القوى العظمى إلى شاشة المراجعة ويطلب من مجلس الأمن مراجعة المشاهد دون حق النقض؟
إن الحقيقة المرة تكمن في أن بعض الوقائع، مهما كانت واضحة، لا تغير القرار ما دام ميزان القوة هو الحكم الأخير، فالعالم شاهد من كل الزوايا، وأعيدت جميع المشاهد بشهادة الأرقام والتقارير والإثباتات، إلا أن العالم يعاني نقصا في النزاهة وانعداما في إرادة النظر.
