افراسيانت - يمكن القول إن الأزمة السياسية والاقتصادية في فنزويلا، والتدخلات الدولية حولها، طغت على قضايا أخرى، مع أن هذه الأزمات نفسها تغذي قضايا حقوق الإنسان والفساد والانهيار الاقتصادي، بينما تتصارع القوى الكبرى على نفوذها النفطي والجيوسياسي في البلاد، مما يجعل الأزمة الفنزويلية محور اهتمام دولي كبير وتغيب معه أحياناً تفاصيل الأوضاع الداخلية الأخرى .
الموقع الجيوسياسي: فنزويلا نقطة صراع بين أمريكا (بماضيها الاستعماري وتنافسها مع القوى الأخرى) وروسيا والصين التي تدعم النظام أو لديها مصالح اقتصادية، حسب عربي21.
النفط: الثروات النفطية الهائلة تجعل فنزويلا ساحة استراتيجية للصراع الدولي، خاصة مع سعي واشنطن للوصول إليه وإضعاف النظام .
التركيز الدولي المتغير: الأحداث الأخيرة، مثل الهجمات الأمريكية واعتقال مادورو، جعلت فنزويلا محور الأخبار العالمية، مما يطغى على تفاصيل الأزمات الداخلية الأخرى .
باختصار، القضايا الرئيسية في فنزويلا (السياسة، الاقتصاد، النفط، التدخلات) متداخلة وتتغذى على بعضها البعض، مما يجعل التركيز عليها على حساب قضايا أخرى أمراً طبيعياً في سياق الأزمة المستمرة.
فنزويلا وغزة، وعودة عصر الإمبراطوريات
لا يعد اختطاف الولايات المتحدة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته، في الثالث من ينايركانون الثاني 2026، عقب هجمات ليلية استهدفت كاراكاس والممر الساحلي، مجرد تصعيد في نزاع طويل، بل هو إعلان المتغطرس، يجري فرضه بالقوة، مفاده أن مفهوم السيادة في نصف الكرة الغربي سراب؛ لأنه خاضع للتدخل الأميركي، وأن القانون الدولي ليس ملزما للإمبراطورية أو للقوى العظمى، بل أداة تستخدم ضد الخصوم والدول الضعيفة.
صورت الولايات المتحدة العملية على أنها “إنفاذ للقانون”، ولكنها في الواقع غارة عسكرية، وهو ما أكدته كلمات البيت الأبيض نفسه. فقد وصف دونالد ترامب العملية بأنها “ناجحة للغاية”، وقال إن الولايات المتحدة ستتولى “إدارة البلاد” إلى حين إنجاز “انتقال آمن وسليم ورشيد”. كما حذر القادة الفنزويليين من أن “ما حدث لمادورو يمكن أن يحدث لهم”، مضيفا أنه لا يخشى وضع “قوات على الأرض”.
ولعل الأشد دلالة على الهدف الحقيقي من هذه العملية هو قيام ترامب بربطها مباشرة بالنفط، حيث وعد بأن تدخل الشركات الأميركية إلى فنزويلا “لإصلاح البنية التحتية المتداعية بشدة” و”البدء في جني الأرباح”، زاعما أن فنزويلا “سرقت” نفطا “بنتْه” الولايات المتحدة بـ “الموهبة والعمل والمهارة الأميركية”، واصفا ذلك بأنه “واحدة من أكبر سرقات الممتلكات الأميركية” في تاريخ الولايات المتحدة.
هذه اللغة، المستقاة مباشرة من توصيف ترامب نفسه للعملية، تنتمي إلى معجم متعجرف للغزو والهيمنة، لا إلى لغة الشرعية والعدالة.
الإمبراطورية وعقيدة مونرو بوصفها نظام تشغيل للسيطرة
لفهم أفعال ترامب في فنزويلا، لا بد من وضعها ضمن نمط أوسع من استيعاب العقلية الإمبريالية. فقد أعلنت عقيدة مونرو عام 1823 على يد خامس رئيس للولايات المتحدة، جيمس مونرو، بهدف ترسيخ نصف الكرة الغربي ليكون مجالا للنفوذ الأميركي.
ولقد قدمت في بدايتها كتحذير للقوى الأوروبية بإنهاء وجودها العسكري في المنطقة، بما يخدم تثبيت الهيمنة الأميركية. ومع مرور الوقت، تطورت إلى عقيدة إستراتيجية على مستوى نصف الكرة الغربي، حيث تقرر فيها الولايات المتحدة أي الحكومات تعدها “شرعية”، وأيها توصم بأنها “خطرة” تعرضها للعقوبات أو للإطاحة، وأي الموارد تعد “إستراتيجية”، وبالتالي يمكن الاستحواذ عليها بأي وسيلة.
قائمة الدول المستهدفة مألوفة لأن النمط واحد. إيران (1953)، غواتيمالا (1954)، البرازيل (1964)، تشيلي (1973)، غرينادا (1983)، نيكاراغوا خلال حقبة “الكونترا” (في ثمانينيات القرن الماضي)، هاييتي (1994)، وحتى فنزويلا نفسها في محاولة الانقلاب الفاشلة عام 2002 ضد رئيسها آنذاك هوغو شافيز، ليست أحداثا معزولة. فكلها أحداث تتبع منطق واحد: عندما تعرقل حكومة أو بلد ما الهيمنة الأميركية أو أولوياتها الإستراتيجية والاقتصادية، تصبح زعزعة استقرارها سياسة معتمدة، وتتحول شعارات مثل “الديمقراطية” و”مناهضة الشيوعية” و”مكافحة الإرهاب” أو “الحرب على المخدرات” إلى أدوات لتبرير الضغط أو العقوبات أو التغيير بالإكراه والإطاحة.
الجديد هذه المرة ليس النية، بل الوقاحة. فقد اعتمدت التدخلات السابقة على الإنكار، والوكلاء، والتمويل السري، و”المستشارين”. أما الآن، فقد تبنى الرئيس الأميركي علنا منطق السيطرة والهيمنة، مفترضا أن العالم سيرهب ويصدم أمام الاستعراض العلني للقوة الأميركية الغاشمة.
النفط، العقوبات، واقتصاديات تغيير الأنظمة
تقع فنزويلا فوق أكثر من 300 مليار برميل من النفط، مما يجعلها صاحبة أكبر احتياطي نفطي مثبت في العالم. لم يكن هذا الواقع يوما محايدا أخلاقيا في نظام إمبراطوري يعامل الطاقة بوصفها قوة.
غير أن الأمر لا يقتصر على النفط. فالحزام التعديني الجنوبي لفنزويلا، ولا سيما في منطقة أورينوكو، غني باستخراج الذهب والمعادن النفيسة الأخرى. ومع امتلاك البلاد أكثر من 8 آلاف طن من موارد الذهب، فإنها تعد من بين الدول ذات أكبر الاحتياطيات الذهبية عالميا.
وتكمن أهمية ذلك في أن التدخلات التي تسوق تحت عناوين “مكافحة المخدرات” أو “مكافحة الفساد” غالبا ما تخفي هدفا آخر، يتمثل هنا في منح ترامب ورؤساء الشركات متعددة الجنسيات سلطة تقرير من يسيطر على الامتيازات، ومن يتحكم بمسارات التجارة، ومن يستخرج ويستغل ما تحت الأرض.
كما تمتلك فنزويلا مليارات الأطنان من خام الحديد، إلى جانب كميات هائلة من العناصر الأرضية النادرة والنيكل والنحاس والفوسفات. وتعد هذه الموارد مدخلات أساسية للتكنولوجيا الحديثة وللإنتاج الصناعي، بما في ذلك صناعة الصلب الضرورية لتصنيع العتاد العسكري. وفي المنافسة الجيوسياسية، غالبا ما يحدد التحكم بموارد الصناعات الثقيلة ميزان القوى بين الدول الكبرى.
في الأسابيع والأشهر التي سبقت الهجوم، شددت الولايات المتحدة الخناق بطرق تكشف عن أهدافها الإستراتيجية. ففي ديسمبر/كانون الأول 2025، فرضت حصارا بحريا عطل حركة ناقلات النفط، وصادرت شحنات نفطية، وخفضت صادرات النفط إلى النصف، من نحو 900 ألف برميل يوميا في نوفمبر/تشرين الثاني. وفي الشهر نفسه، عطل هجوم سيبراني عمل شركة النفط الوطنية الفنزويلية “بيديفيسا”، مما اضطرها إلى اعتماد تشغيلها بطرق يدوية بدائية.
ما أظهرته واشنطن لم يكن مجرد أن العقوبات تلحق ضررا، بل أن العقوبات والحصارات والمصادرات وسرديات “إنفاذ القانون” تستخدم كتمهيد خشن لتغيير النظام.
في هذا السياق، دخلت الصين على الخط مع تحول صادرات النفط الفنزويلي بشكل متزايد نحو الأسواق الآسيوية خارج سيطرة واشنطن. ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2025، استحوذت الصين على نحو 80% من صادرات فنزويلا النفطية، أي قرابة 746 ألف برميل يوميا، فيما ارتفعت الشحنات إلى الولايات المتحدة عبر قنوات مرتبطة بشركة “شيفرون” إلى نحو 150 ألف برميل يوميا.
وبعبارة أخرى، لم يعد نفط فنزويلا “تحت مادورو” فحسب، بل بات موجها بشكل متزايد نحو آسيا، وهو تحول تعاملت معه واشنطن، في عصر التنافس الإستراتيجي، كجريمة جيوسياسية.
وما سعت واشنطن إلى عكسه ليس فقط وجهة تدفق النفط الفنزويلي، بل كيف استُخدمت هذه الموارد للبناء الداخلي. فلا يمكن فهم المسار السياسي الذي حاولت الولايات المتحدة قلبه منذ أواخر التسعينيات دون الإشارة إلى الثورة البوليفارية والتحولات الاجتماعية التي أفرزتها.
فبعد انتخاب هوغو شافيز عام 1998، أعادت فنزويلا توجيه عائدات النفط نحو برامج اجتماعية واسعة النطاق لمعالجة عقود من التفاوت الحاد في الدخل بين المواطنين. فبين عامي 2003 و2012، انخفضت معدلات الفقر إلى أكثر من النصف، وتراجع الفقر المدقع بشكل كبير.
كما توسعت فرص الوصول إلى الرعاية الصحية والتعليم والسكن ودعم الغذاء، لا سيما في المجتمعات المهمشة تاريخيا. وحصل ملايين الفنزويليين على رعاية صحية أولية مجانية عبر برنامج “باريو أدينترو”، وانخفضت معدلات الأمية إلى ما يقارب الصفر وفق معايير اليونسكو، وتضاعف الالتحاق بالجامعات العامة. كل هذه الإنجازات مولت أساسا عبر سيطرة الدولة على قطاع النفط، وإعادة توزيع الموارد العامة بشكل مدروس.
هذا النموذج بالذات هو ما سعت السياسة الأميركية إلى تفكيكه. فمنذ منتصف العقد الأول من هذه الألفية، ومع تصاعد عقوبات الإجراءات المالية المستهدفة قطاعات عديدة، خصوصا بعد عام 2015، فرضت عقوبات شاملة على النفط والمصارف والتجارة، وقيدت التدابير القسرية الأميركية بشدة قدرة فنزويلا على استيراد الغذاء والدواء وقطع الغيار ومعدات التكرير، وحرمتها من الوصول إلى أسواق الائتمان الدولية، حتى إن هيئة رقابية حكومية أميركية، هي مكتب المحاسبة الحكومي، أقرت بأن العقوبات النفطية، ولا سيما تلك التي استهدفت “بيديفيسا”، سارعت في الانكماش الاقتصادي عبر قطع شريان الإيرادات الأساسي للدولة.
لم يكن التدهور الإنساني الذي تلا ذلك سببا للعقوبات، بل نتيجتها: انقلابا متعمدا على المكاسب الاجتماعية من خلال خنق اقتصادي مفروض خارجيا، لا يهدف إلى إصلاح الحكم، بل إلى دفع النظام نحو الانهيار بجعل بقائه غير قابل للحياة اقتصاديا.
انهيار ذرائع الشرعية
بعد نجاح عملية الاختطاف، وصف وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الذي كان يدفع باستمرار باتجاه تغيير النظام في فنزويلا منذ أشهر، الهجوم بأنه “عملية إنفاذ قانون”. ثم زعم ترامب أن روبيو تحدث مع نائبة الرئيس الفنزويلي ديلسي رودريغيز، وأنها ستدعم الجهود الأميركية، على حد ادعائه المفاجئ.
أما في الجانب الفنزويلي، فجاء الرد الرسمي الأول بمطلب بسيط يكشف طبيعة الفعل غير القانوني. فقد أكدت رودريغيز أن مكان وجود مادورو غير معروف، وطالبت الولايات المتحدة بتقديم دليل على أنه ما زال على قيد الحياة. ثم أعلنت حالة الطوارئ، وأصدرت بيانا حددت فيه الهدف الإستراتيجي للهجوم الأميركي غير القانوني وهو “الاستيلاء على الموارد الإستراتيجية لفنزويلا، ولا سيما النفط والمعادن”، و”كسر الاستقلال السياسي للأمة بالقوة”.
على الصعيدين؛ الإقليمي والدولي، أدانت دول عديدة العملية الأميركية، من بينها المكسيك والبرازيل وكولومبيا في نصف الكرة الغربي. ولقد حذر الرئيس البرازيلي في منشور على منصة “إكس” من أن “مهاجمة دول أخرى، في انتهاك صارخ للقانون الدولي، هي الخطوة الأولى نحو عالم من العنف والفوضى وعدم الاستقرار، حيث يسود قانون الأقوى على حساب التعددية”.
كما دعا المجتمع الدولي إلى “الرد بقوة” على الأفعال الأميركية عبر الأمم المتحدة.
أما الصين، التي كان مبعوثها الخاص لأميركا اللاتينية موجودا في كاراكاس لعقد اجتماعات مع مادورو، فقالت إنها “مصدومة بعمق وتدين بشدة الولايات المتحدة لاستخدامها القوة بتهور ضد دولة ذات سيادة واستهداف رئيسها”.
لهذا، فإن إصرار الولايات المتحدة على وصف الاختطاف بأنه مجرد “إنفاذ للقانون” ليس غير مقنع فحسب، بل كاشف سياسيا. فاتهام أميركي لمادورو، كُشف عنه بعد الغارة العسكرية، ليس دليلا على جريمة، بل هو ختم يوضع بأثر رجعي لتطبيع ما قامت به الإمبراطورية الأميركية.
وفي مفارقة لافتة، بينما ادعى ترامب أن الولايات المتحدة ستدير فنزويلا، أصدرت وزارة خارجيته تحذيرا بأنها لا تستطيع مساعدة المواطنين الأميركيين الذين قد يكونون عالقين في البلاد.
غزة، أوكرانيا، والشرعية الانتقائية كعقيدة
لا يمكن فهم فنزويلا بمعزل عن غزة، التي باتت اختبارا عالميا لمدى الالتزام بالقانون في السياسة الدولية. فبينما قدمت واشنطن إجراءاتها ضد كاراكاس بوصفها “إنفاذا للقانون”، أمضت العامين الماضيين في توفير الغطاء السياسي للكيان الصهيوني، وتسليحه عسكريا، وتقويض أي مسعى للمساءلة عن جرائمه العديدة.
ففي قضية جنوب أفريقيا بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية، أصدرت محكمة العدل الدولية تدابير مؤقتة في يناير/كانون الثاني 2024، وأعيد تأكيدها في مارس/آذار، ومايو/أيار من العام نفسه.
ومع ذلك، ظل الوضع الإنساني في غزة، كما وثقته مرارا هيئات الأمم المتحدة، كارثيا، مع استمرار القتل والنزوح الجماعي حتى خلال ما سمي باتفاقات وقف إطلاق النار. وعلى صعيد المساءلة الجنائية، صدر وأعيد تأكيد أمر اعتقال بحق بنيامين نتنياهو في ملفات مقدمة إلى المحكمة الجنائية الدولية.
وهنا تتجلى المفارقة بوضوح: فمادورو يختطف دون محاكمة وتوضع بلاده تحت إدارة “انتقالية” أجنبية، بينما يعامل نتنياهو كشريك إستراتيجي.
إن نظاما يدعي الشرعية العالمية يقوض نفسه عبر منظومة استثناءاته الخاصة. ففي أوكرانيا، يصر الغرب على أن الحدود مصونة وأن العدوان جريمة. أما في غزة وفنزويلا، فيبرر العكس. فبالنسبة لهم إن القوة، لا المبدأ، التي تحدد متى تكون السيادة ذات شأن.
لماذا لا يمكن أن يحدث ذلك مع كوريا الشمالية، وما يعنيه الأمر لإيران؟!
الدرس المركزي الذي تقدمه فنزويلا للعالم قاتم، لكنه واضح. لا تستطيع الولايات المتحدة أن تفعل بكوريا الشمالية ما فعلته بفنزويلا، لأن بيونغ يانغ تمتلك ردعا نوويا موثقا. بينما فنزويلا لا تمتلك ذلك.
ويؤكد سجل ترامب نفسه هذا المنطق؛ فمع كوريا الشمالية، اضطرت واشنطن إلى إدارة الردع والدخول في مفاوضات، لأن كلفة أي سيناريو للهجوم أو الاحتلال ستكون تصعيدية إلى حد التهديد الوجودي.
وهكذا، تصبح فنزويلا دراسة حالة تعزز الحجة، في أنحاء الجنوب العالمي، بأن القدرة النووية تعمل كضمانة لبقاء الأنظمة. وهذا ليس تبريرا أخلاقيا للانتشار النووي، بل قراءة تجريبية لسلوك إمبراطوري يستند إلى منطق الجيوسياسي الواقعي.
وينطبق منطق الردع هذا بدرجة أقوى على إيران، وهو ما يفسر لماذا يرجح أن تفشل عملية على غرار فنزويلا هناك، بينما لا يزال البعض في واشنطن وتل أبيب يتخيلها. فأي هجوم مماثل على إيران سيخفق على الأرجح؛ بسبب قيود بنيوية لا تستطيع الولايات المتحدة التعامل معها من خلال القوة.
لقد أظهرت إيران قدرتها على الرد خلال حرب الأيام الـ12 في يونيو/حزيران الماضي. فبترسانة كبيرة من الصواريخ والطائرات المسيرة، ومنشآت محصنة، وقدرة على ضرب القواعد الإقليمية والبنى التحتية الحيوية، تستطيع إيران إلحاق أضرار جسيمة بخصومها.
كذلك لن يظل أي تصعيد محصورا محليا. فمضيق هرمز شريان حيوي للاقتصاد العالمي. ووفق إدارة معلومات الطاقة الأميركية، شكلت تدفقات النفط عبر المضيق في عامي 2024 و2025 أكثر من ربع تجارة النفط المنقولة بحرا عالميا، ونحو خمس الاستهلاك العالمي للنفط ومشتقاته.
ومع عدد سكان يبلغ 92 مليون نسمة ومساحة تصل إلى 1.7 مليون كيلومتر مربع، فإن إيران ليست قابلة للإدارة ديمغرافيا أو جغرافيا كمشروع احتلال. وقد أظهرت التجربتان الأميركيتان في العراق وأفغانستان أن القوة الساحقة قد تسقط دولة، لكنها لا تستطيع حكم مجتمع يرفض المحتل. ولقد أمضت إيران عقدين في دراسة تلك الإخفاقات وتطوير أدوات رد غير متماثلة، بما في ذلك استغلال العمق الإقليمي.
المقاومة وحدود القوة في فنزويلا
حذرت حكومة مادورو منذ وقت طويل من استخدام عمليات استخباراتية سرية لتقويض سيادة فنزويلا، متهمة الولايات المتحدة بنشر وكالة الاستخبارات المركزية داخل البلاد تحت غطاء مكافحة المخدرات والهجرة، وذلك قبل وقت طويل من غارة يناير/كانون الثاني 2026.
وما تلا اختطاف مادورو يوضح لماذا يرجح أن تفشل العملية في تحقيق النتائج السياسية التي تتوقعها واشنطن. فلم تنقسم الأجهزة الدفاعية والأمنية الفنزويلية. كما رفض وزير الدفاع فلاديمير بادرينو لوبيز علنا وجود قوات أجنبية داخل البلاد، وأعلن أن القوات المسلحة ستقاوم أي محاولة للسيطرة الخارجية، واصفا العملية بأنها عدوان لا عملية انتقالية سياسية.
كما نددت نائبة الرئيس رودريغيز بالغارة ودعت إلى الوحدة الوطنية دفاعا عن السيادة، في حين أكدت المحكمة العليا استمرارية العمل بالسلطة الدستورية.
كما دعت رودريغيز كذلك القوات المسلحة، وقوات الاحتياط المدنية التابعة للمليشيا البوليفارية، والمنظمات الشعبية، إلى التعبئة دفاعا عن السيادة الوطنية. وقالت في اتصال هاتفي مع قناة “في تي في” الفنزويلية: “يجب على الشعب أن يتحرك دفاعا عن موارده الطبيعية، وعن حقه في الاستقلال والسلام والتنمية والمستقبل. وطن حر، بلا أي وصاية خارجية، فلن نكون عبيدا مرة أخرى”.
وتبرز هذه الردود درسا طالما شددت عليه القيادة البوليفارية: فعمليات تغيير الأنظمة تعتمد أقل على القبول الشعبي، وأكثر على الاختراق الاستخباري والانشقاقات والخيانة الداخلية.
ومن ثم، فإن عملية يناير/كانون الثاني 2026 ستؤدي على الأرجح إلى تكثيف الجهود داخل فنزويلا لتفكيك الشبكات الاستخباراتية الأجنبية ومنع المزيد من الاختراق، وهو استنتاج يتشكل في ضوء تجارب سابقة، بما في ذلك محاولة انقلاب 2002 الفاشلة ضد هوغو شافيز.
أما على المستوى المجتمعي، تعكس التعبئة العامة المؤيدة للحكومة، بما في ذلك دعوات قوات الاحتياط والهياكل الدفاعية الشعبية لمواجهة التدخل الخارجي، نمطا أساءت واشنطن قراءته مرارا في العراق وأفغانستان.
فإزاحة قائد لا تطفئ المقاومة حين يُفهم التدخل على نطاق واسع بوصفه هيمنة أجنبية مرتبطة بالاستيلاء على الموارد الوطنية. وهكذا تواجه فنزويلا، الولايات المتحدة بمعضلة مألوفة: قد تضعف الدولة بالعقوبات، لكن المجتمع يتماسك سياسيا تحت الحصار، فيما يؤدي الإكراه من الخارج إلى ترسيخ المعارضة في الداخل.
لقد كشفت غزة خواء ادعاءات الكونية الغربية والليبرالية والعولمة. وتنقل فنزويلا هذا الدرس إلى نصف الكرة الغربي بوضوح يصعب حتى على الحلفاء تجاهله. فعندما يطبق القانون فقط على الخصوم، كما تظهر غزة وفنزويلا اليوم، يكفّ عن أن يكون قانونا ويغدو أداة للسلطة والهيمنة. وحين يربط العدوان صراحة بالنفط، تتوقف الإمبراطورية عن التظاهر بأنها شيء آخر.
قبل أكثر من ألفي عام، قدم الإمبراطور الروماني ماركوس أوريليوس تحذيرا بسيطا للحكام: “تأمل الماضي، بإمبراطورياته التي قامت وسقطت، وستستشرف المستقبل أيضا”. ولكن لم يُتَّهم ترامب يوما بالإصغاء إلى حكمة كهذه.
ملف الإغراق.. عن نتنياهو ولعبة القفز على الشرق من طريق فنزويلا
في ملف لا يبتعد كثيرا عن الموضوع , عاد نتنياهو من الولايات المتحدة مثلما ذهب إليها تقريبا، لا حصّل مكسبا ظاهرا ولا قدم تنازلا اضطراريا؛ أقله فى الجانب المعلن من الزيارة ولقائه بترامب ومداولات الكواليس مع رموز إدارته.
وُضعت ملفات المنطقة فوق الطاولة، ويبدو أنها رُفعت على حالها بلا تغيير يُذكَر فى وضعها الراهن وترتيباتها المستقبلية. لا أُفق واضحا للانتقال من المرحلة الأولى للثانية فى اتفاق غزة.
الجبهة اللبنانية جمرة لا تتأجج ولا تبرد، وسوريا ترتضى بالقليل ولا تصل إليه، بينما يتواصل خطاب التصعيد فى تل أبيب تجاه إيران، بين ادعاء أنها ترمم قدراتها وقد توجه ضربة استباقية للدولة العبرية، واستعداد الأخيرة لجولة ثانية من الحرب المباشرة معها، بمفردها أو بالشراكة مع واشنطن.
يُعلّق رئيس حكومة الاحتلال ما تبقى من صفقة غزة على جثة وحيدة وسلاح حماس. وفى الأصل لا يريد أن يتزحزح عن مواضعه الحالية، وإن كان لا بد من الحلحلة فليس أكثر من تثبيت الخطوط المؤقتة، وإطلاق عملية الإعمار جزئيا فى المناطق الواقعة تحت سيطرته، على أن تظل الفصائل محصورة فى الجهة الغربية بين الخراب والجوع.
والهوى الأمريكى يهفو بالطبيعة إلى تفضيلات تل أبيب؛ لكن الوسطاء والضامنين لا يُقرّون بمقتضيات تلك العلاقة، وأخفقت كل محاولات ترويضهم طيلة الشهور الماضية؛ حتى كانت خطة البنود العشرين حلا وسيطا بين الانحياز والاعتدال، بما لا ينهى المسألة مرة واحدة لصالح أحد الطرفين، ولا يبقيها طويلا عند نقطة الصفر.
ويظل الاحتمال قائما بأن الإدارة الجمهورية تحتال على العقبات، وتُضمر خلاف ما تُظهر؛ إنما لا بديل لدى الساعين إلى تجاوز المأساة الغزية وإعادة تعويم القضية على موج السياسة لا طوفان النكبة، إلا أن يُحسنوا الظن ويسلكوا المسار المتاح إلى آخره.
وذلك؛ مع الإقرار بحقيقة أنه لا فائدة من الاختلاف والجدل على أكوام الركام، وليس أفضل من تحريك الجمود ليُبنَى على الشىء مقتضاه، ويتحرر القانونى فى المسألة من أسر الإنسانى. والعدو ماكر ولا تخفى عليه تبعات إلقاء القفازات ومغادرة الميدان، وما يترتب على ذلك من تدويل الجولة الراهنة من الصراع، ووضعه فى مواجهة مظلة دولية مُعزّزة بقرار أُممى، سيكون من آثارها الوقتية تحييد الآلة العسكرية جزئيا، وابتكار صيغة تنظيمية تشبه الدولة أو تُؤسس لها فى مدى قريب.
ومهما كانت صفعة السنوار قاسية؛ فإنها كانت أقل من توسعة حلقة النار وفردها بامتداد الإقليم طولا وعرضا. وبمُجرّد قدح الزناد وتطاير الشرر تيسّر لنتنياهو أن يزيح غزة إلى الهامش، ويقتفى أثر بقية الجبهات، ولم يكن الغرض الوحيد أن يُجهز على حزام الممانَعة مرة وللأبد، لا سيما أنه لم يكن يعرف حدود قدرات الطرف الآخر، وما يمكن أن يتمادى فيه أو يرتدع عنه؛ لكن فائدته الكبرى تحققت بالازدحام وخلط الأوراق، لتعزيز موقفه وتماسك الجبهة الداخلية من حوله، واستدراج الحليف الأمريكى لمستوى يُلامس الانخراط المباشر.
والأهم على الإطلاق إرباك الجميع وتعطيل ملكة التفكير وحسن التدبير لديهم، بما يقودهم بالضرورة إلى ارتكاب الأخطاء والإصرار عليها، ويضمن له بالمبادأة أن يكون سباقا فى كثير من التفاصيل، وبالزخم أن تُغفَر خطاياه ويُرخى له ستار الاحتضان الغربى، ثم بتعدد الجبهات أن يظل قابضا على حبل غليظ يشد المنطقة من طرف؛ ولو تعقدت الأحوال واختلّت الحسابات وسُحبت من يديه بقية الأطراف.
يُحفّز ضبع الليكود خصومه ويُغريهم بالتجرّؤ عليه. يصطنع الحوادث ليقتنص الذريعة، ثم يُشبّك الخيوط ببعضها، ويُغرق الجميع فى التفاصيل بين الزخام وخلط الأوراق، وبعدما تتكاثف الأشجار وتتعانق أغصانها فى الغابة المُلفّقة، يقبض كل طرفٍ فيها على جانب من الصورة، ويقف العجوز الماكر وحده مُمسكًا بالخريطة الكاملة، مُلمًّا بكل تفاصيلها، ومُحتكرًا لآلية الانتقال من نقطة إلى نقطة، ووصل النقاط أو عزلها عن بعضها.
وتبدّى أثر تلك اللعبة بوضوح فى حرف الأنظار أو توجيهها إلى ما يريد بحسب هواه. ركّز فى الأسابيع الأولى على غزة تحت سقف الاستثمار فى فظاعات الطوفان، وحقه فى الثأر أو الدفاع عن النفس. وعندما تصاعدت وتيرة القتل وتحول رصيده الدائن إلى مَدين.
انتقل بثقله إلى الجبهة الشمالية مع الحزب، متدرجا من اغتيال صالح العارورى فى الضاحية إلى فؤاد شكر بعد حادثة قرية مجدل شمس الدرزية، وبينهما التحرش بإيران فى الشام عبر قصف القنصلية وتنفيذ اغتيالات وضربات نوعية، اقتضت من الجمهورية الإسلامية أن ترد بعدها بأيام؛ فغطّت بردها على اجتياح رفح جنوبى القطاع. وهكذا فى كل الجولات كان يسحر العيون فى ناحية، ليهوى بقبضته الثقيلة على غيرها.
وبالكيفية ذاتها ذهب إلى فلوريدا فى سفرته الأخيرة. يُماطل فى صفقة غزة، ولا يتوقف عن خرق اتفاق وقف الأعمال العدائية مع الحزب فى لبنان، ودورياته وشغله الرمادى فى أعلى مستويات النشاط وراء الجولان السورى، ورسائل الترهيب والوعيد تتطاير من تل أبيب إلى طهران، وفوق كل ذلك استبق الرحلة باعترافه باستقلال إقليم «أرض الصومال» عند القرن الأفريقى وبحر العرب؛ ليضع عقبة جديدة فى طريق دول الاعتدال وضامنى اتفاق شرم الشيخ.
ولا يُستثنَى من ذلك أنه فتح قنوات اتصال مع المجلس الانتقالى الجنوبى فى اليمن، وترددت إشارات عن ترحيب قادته بالتطبيع ودخول الاتفاقات الإبراهيمية فى صفقة اعتراف شبيهة بالحالة الصومالية. وكثير من تلك التفاصيل، أو كلها، لا تضر الولايات المتحدة ولا تغضبها؛ لكنها ليست فى متسع يسمح لها بتفجير مزيد من البراكين، أو خلخلة التوازنات الإقليمية المختلة أصلا، فيما تركز وينصرف اهتمامها إلى بيئات وقضايا أبعد وأكثر أهمية وتقدما على لائحة أولوياتها.
وإذا كانت خطوة «صومالى لاند» تنطلق من حسابات جيوسياسية تسعى إلى وضع موطئ قدم فى خليج عدن؛ فليست بعيدة فى الوقت ذاته عن طموحات التهجير وتصفية القضية الفلسطينية. وحال اكتمال المخطط بفصل جنوب اليمين ستنزل بقدميها الاثنتين فى حلق البحر الأحمر، وتقطع شوطا طويلا على طريق إعادة ترسيم المنطقة التى وعد بها نتنياهو عقب الطوفان.
وكلها أدوات إغراق وإشغال كسابقاتها، قد تتم أو تتعطل؛ لكنها ليست مطلوبة لذاتها فى المدى المنظور على الأقل، إنما المهم فاعليتها فى خلط الأوراق واصطناع الفوضى، وهو ما يتوجب تعويضه من قنوات بديلة حال تعطّل المسارات الأصيلة.
ربما لهذا بادر زعيم الليكود بامتداح العملية الأمريكية فى فنزويلا، وهنأ ترامب بالهجمة غير القانونية التى اختُطف فيها الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته. وقد لا يبدو فى الظاهر أنها مفيدة له بصورة مباشرة؛ لكنه أحد الرابحين منها على مستويات عدة: أولا لأن كاراكاس كانت وثيقة الصلة بإيران ومحورها فى السياسة والاقتصاد وسلاسل الإمداد، ولها مواقف صلبة مع القضية الفلسطينية.
كما أنها تُسوّغ له ضمنيا عمليات القرصنة الشبيهة فى خصوماته الإقليمية المفتوحة، وتزيد أهميتها على كل ذلك بأنها تشغل الرئيس الأمريكى وتصرف اهتمامه عن الموضوعات المثارة فى المنطقة، أو تعيد ترتيب أولوياته نوعيا وزمنيا، بما يقلص الضغوط على تل أبيب ويُرجئ بعد الالتزامات أو يسقطها تماما، فضلا عن أمثولة «رأس الذئب الطائر» التى قد تنعكس تأثيراتها على الحزب وحماس والجولانى والمرشد الأعلى فى خندقه العميق، لا سيما أن إيران تشهد تظاهرات متصاعدة دخلت أسبوعها الثانى، ولم يتباطأ سيد البيت الأبيض فى التعليق عليها، محذرا من التدخل حال التنكيل بالمتظاهرين.
الإغارة على الدولة اللاتينية مطلع الأسبوع الجارى فى عملية «العزم المطلق» من قبيل التنبيه على مطلق السراح بالضرب على يد المقيد. أى أن لها مستويين من الدلالة: الأولى مباشرة مع صاحبها، والثانية إيحائية لبقية المناوئين بأنهم قد يتعرضون للمصير ذاته إذا لم يُسلّموا للإرادة الأمريكية.
أثبت ترامب عمليا أنه لا يهدد فى الفراغ، وما زال الرجل المزاجى غير المتوقع، والقادر على الذهاب إلى أقصى حدود الخيارات الخشنة وغير المنطقية. ونظريا لا يبدو نتنياهو فى مأمن، وقد كثّف مُحلّلو الصحافة العبرية تحذيراتهم له من إغضاب الحليف الأكبر أو التصادم معه؛ لكنه يُعوّل على الصداقة والمصالح وجذرية العلاقة بين البلدين، وأنه فى أية مفاضلة مع الرؤوس الحامية فى المنطقة ستكون له الأفضلية، ولن يتجه ترامب لممارسة مزيد من الضغوط عليه؛ طالما أن هناك من يمكن حصاره وتقويض خياراته فى جبهات الاحتراب.
وبهذا؛ فإنه بالامتداح المتعجل يضيف نفسه إلى فرقة «دلتا»، ويُجيّر الأثر النفسى من عملية كاراكاس لحسابه، ويضيفها إلى عداد ملفات المزاحمة والإغراق، ويُعوّل عليها فى أن تتيح له هامشا للإبقاء على الجمر المتقد تحت الرماد فى فلسطين ولبنان وسوريا وعلى خط التحضير لرقصة نار جديدة مع إيران.
كان ترامب قد صرّح فى جلسة فلوريدا مع نتنياهو برغبته فى الانتقال بصفقة غزة، وبشّر بحدوث ذلك فى غضون أسبوعين، أى بحلول منتصف يناير الجارى.
اجتماعات لجنة الميكانيزم تتواصل فى لبنان بعد توسعتها لتشمل مُكوّنا مدنيًّا، فيما يجتمع الكابينت فى تل أبيب للنظر بشأن آليات التعامل مع الحزب وموضوع حصرية السلاح. كل التفاصيل تتحرّك ببطء؛ إنما لا تخلو من إيجابية، وكلها تعود إلى ترتيبات سابقة على مفاجأة فنزويلا، وليس شرطًا أن تُقضى لشىء طالما أن الراعى الأمريكى يُركز على موضوع آخر.
وتتساوى الاحتمالات للأسف؛ بين أن يسعى ترامب لتحسين صورته بعد الهجمة غير القانونية، فيُدفّع اتفاق غزّة ويسوّى الخلافات العالقة فى الجنوبين اللبنانى والسورى، أو أن ينسحب بالكُلية وكامل اهتمامه إلى السيولة الحالية فى حديقته الخلفية، وخطط إدارة فنزويلا ووضع يده على نظامها ونفطها ومكامن ثرواتها.
وفى المقابل؛ لا تعرف سلطة الأمر الواقع فى دمشق مخرجا من مأزقها، ويناكف الحزب مع العهد فى تخليص الدولة من حبائل الدويلة، وتتعثر حماس بين الوطنى والفصائلى .
سوريا ساحة فسيحة للاعبين من كل شكل ولون، وبعدما كانت عُقدة بما تُتيحه للجمهورية الإسلامية من منفذ على المتوسط، صارت خط التماس بين تل أبيب وأنقرة، فكأن بينهما حدودًا مباشرة للمرة الأولى فى التاريخ، خاصة أن سقوط الإمبراطورية العثمانية كان سابقًا على نشوء الدولة العبرية. والهامش الوحيد لدى الفصائل الغزية، وليس بالقطيعة مع الخارج بعدما صارت تفصيلاً هامشيا؛ إنما بالوصل مع الداخل وتلزيم القضايا والأصول الاستراتيجية للسلطة الشرعية، لا على سبيل التنازل أمام العدو؛ بل لحرمانه من ذريعة إضافية تمكّنه من المراوغة والإغراق.
وغزّة فى القاع منذ سنتين ولا رفاهية للبحث فى خيارات سوى الانتشال
.
مادورو عنوان لمرحلة لن تكون ظالمة كسابقاتها؛ بل يغيب عنها العقل بأية درجة، ولا تُؤمَن فيها كُلفة المُغامرات واستمراء الرعونة والمقامرة على مصائر البلدان ومعاش أهلها. واستراتيجية الأمن القومى الأمريكى الجديدة إذا كانت افتُتِحت عمليا فى فنزويلا، فإنها تُبشّر فى الشرق بالتخفف من الأعباء، وإدارة الصراعات بدلاً من حلها، والتعويل على الاقتصاد لا السياسة، وكلها مفاتيح لحقبة ستتغير فيها الأوزان والتوازنات الجيوسياسية، ويُستَحسن دخولها من فترة النقاهة، لا من فراش المرض.
وأوّل التداوى أن تُسيّج الحدود بالأفكار الوطنية الصافية، لا بالأيديولوجيا أو الشعارات. غزة قضية العرب أخلاقيا؛ لكنها محنة أهلها واقعيا، وفلسطين كذلك، ولبنان وسوريا وغيرهما. اجتماع الضعفاء لا يزيدهم إلا ضعفا، والإغراق فى التفاصيل الساذجة دائمًا ما ينتهى إلى الغرق.
النفط و"العداوات" المشتركة: عاملا الربط بين فنزويلا والشرق الأوسط
لا يقتصر التقارب بين فنزويلا وبعض دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على النفط وحده، بل يقوم أيضاً على تشابه إيديولوجي وعداء مشترك للسياسات الأمريكية، تعزز منذ عهد هوغو تشافيز واستمر في عهد نيكولاس مادورو.
ومنذ نفذت واشنطن عمليتها العسكرية في كراكاس و"اعتقلت" مادورو، يكرر وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، في مقابلاته مع الإعلام الأمريكي ذكر "إنهاء وجود إيران وحزب الله في فنزويلا" كواحد من أهداف العملية.
وفي مقابلة على قناة ABC الأمريكية قبل أيام، قال روبيو في ردّه على أسئلة حول ما طرحه ترامب بشأن إدارة واشنطن لفنزويلا في هذه المرحلة، إن واشنطن تريد وضع حد لما وصفه بـ "تحويل حزب الله وإيران فنزويلا إلى ملعبهم الخاص".
ما صحة اتهامات ترامب ؟
خلال جلسة استماع في الكونغرس في أكتوبر العام الماضي، قال مارشال بلنغسلي، مساعد وزير الخزانة الأمريكية السابق لشؤون مكافحة تمويل الإرهاب إن" فنزويلا باتت المسهل الرئيسي لتحركات وعمليات حزب الله في أمريكا اللاتينية" وإنها في عهد تشافيز فتحت مجالاً لحزب الله بأن يقوم بأنشطة مختلفة من بينها بناء مركز تدريب شبه عسكري على جزيرة مارغريتا. وإن وجود وتوسع حزب الله في فنزويلا زاد بشكل كبير في عهد مادورو.
واتهم بلنغسلي طارق العيسمي، الذي كان قبل نيابته لمادورو، رئيس وكالة الجوازات الفنزويلية بـ"إدارة وتسهيل تزوير عدد كبير من الجوازات الفنزويلية لأعضاء من حزب الله وحماس". وكانت الولايات المتحدة قد فرضت عقوبات على العيسمي عام 2017 متهمة إياه بالضلوع في تجارة المخدرات.
تقارب فنزويلي إيراني قائم على "العداوات المشتركة" و"العقوبات الغربية"
في حلقة أعداء الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها، تبرز كل من فنزويلا وإيران. والدولتان تعانيان من عقوبات أمريكية مطولة ومشددة عليهما وتتمتعان بثروات طبيعية ظلت لفترة طويلة خارج السيطرة الأمريكية.
والعلاقات بين واشنطن وكاراكاس سيئة منذ عهد تشافيز وازدادت قطيعة بتولي مادورو الرئاسة عام 2013.
وبلغت العقوبات ذروتها في 2019 عندما فرضت واشنطن حظراً على النفط الفنزويلي. لكن فنزويلا استمرت في تصدير كميات هامة من نفطها بطرق تعتبرها الولايات المتحدة غير قانونية أو ما يعرف بـ"أساطيل الظل" وهي سفن شحن تعمل بشكل غير علني لنقل النفط الخاضع لعقوبات، خارج أطر الرقابة.
وبنفس الطريقة أيضاً تصدر إيران الكثير من نفطها رغم العقوبات الأمريكية.
إذ تستمر العقوبات الأمريكية على إيران رغم تخفيف أو رفع العقوبات الأممية والأوروبية التي فرضت عليها بسبب برنامجها النووي.
تساعد إيران فنزويلا بالتمويل والمعدات والخبرات لإعادة تشغيل مصافي النفط الفنزويلية. ووقع البلدان اتفاقاً بقيمة 110 مليون يورو عام 2022 لتأهيل وفتح مصفاة "ال باليتو" الرئيسي، وذلك في إطار وثيقة تعاون استراتيجي شامل لمدة عشرين عاما.
لم يكن واضحاً أبداً ماكانت تجنيه إيران من مكاسب مالية مقابل مساعدة فنزويلا في هذا المجال، يقول هومايون فلكشاهي، المحلل المختص في تحليل حركة النفط الخام المرتبطة بديناميكيات السوق والعوامل الجيوسياسية في مؤسسة كبلر لبي بي سي.
لكن هذا التعاون الاقتصادي، جعل من البلدين حليفين سياسيين أيضاً.
• ما موقف إيران من تهديدات ترامب بالتدخل عسكرياً في البلاد في حال مقتل متظاهرين؟
ويرى فلكشاهي أن هذا التعاون الفنزويلي الإيراني يشوبه تناقض واضح بالنظر إلى أن البلدين يتنافسان على السوق الصينية للنفط وهي السوق الأكبر لكليهما، يصدران لها نفطهما عبر نفس الطريقة باعتماد"أساطيل الظل".
ويرى فلكشاهي أنه مهما كان اتجاه التغيير الذي قد يطرأ على انتاج وتصدير النفط الفنزويلي، ستكون إيران المستفيدة منه.
إذا حوصر النفط الفنزويلي وقل تصديره، سيكون لإيران نصيب أكبر في السوق الصينية. وإذا رفع الحظر عن النفط الفنزويلي وصدر بشكل قانوني ستنفرد إيران بشحنات الظل وترفع تصديرها، يقول فلكشاهي لبي بي سي.
بعيداً عن التعاون النفطي، تتهم الولايات المتحدة إيران وفنزويلا أيضاً بالتعاون العسكري. حيث قال بيان لوزارة الخزانة الأمريكية نهاية شهر ديسمبر/ كانون الأول 2025 إن ايران تزود فنزويلا بطائرات بدون طيار منذ عام 2006 وأعلن البيان عقوبات على عدد من الشركات والأشخاص من البلدين بتهمة تجارة الأسلحة.
موقف فنزويلا المناهض لإسرائيل "رابط إضافي" مع إيران
رحبت الحكومة الإسرائيلية بالعملية الأمريكية في فنزويلا. إذ نشر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تغريدة على X يهنئ فيها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على ما يصفه ب "قيادته الجريئة والتاريخية دفاعًا عن الحرية والعدالة."
بينما قال وزير الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر، إن الولايات المتحدة تصرفت "كقائد للعالم الحر".
هذا الترحيب الإسرائيلي الشديد ليس غريباً بالنظر إلى تحول العلاقة بين فنزويلا وإسرائيل من "الصداقة"، كما وصفت خلال زيارة شيمون بيريز إلى كراكاس عام 1995، إلى العداء. وقد بدأت العلاقة بين البلدين تتدهور منذ بداية حكم هوغو تشافيز نهاية التسعينات.
أدان تشافيز بشدة إسرائيل خلال حربها مع حزب الله في لبنان عام 2006 وسحب سفير بلاده من إسرائيل.
ووصف تشافيز الحرب الإسرائيلية في غزة عام 2009 بأنها عملية "إبادة" واعترفت فنزويلا رسمياً بدولة فلسطين منذ 2009 وقطعت علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل.
وفي أزمة الرئاسة الفنزويلية في 2019 انضمت إسرائيل إلى الدول التي أنكرت شرعية مادورو ودعمت معارضه خوان غوايدو.
فنزويلا وشمال أفريقيا: التقارب الجزائري الفنزويلي ومسألة الصحراء الغربية
منذ عهد تشافيز توطدت العلاقات بين فنزويلا وشمال أفريقيا.
كانت علاقة تشافيز وثيقة بالزعيم الليبي معمر القذافي، وكان الرجلان يقودان نظامان اشتراكيان ويشتركان أيضاً في عداء معلن لأمريكا.
أما الرئيس المصري الراحل، جمال عبد الناصر، فيقف تمثاله النصفي في العاصمة الفنزويلية كراكاس، منذ 2013، عندما نصبته الحكومة الفنزويلية تكريما لما وصفتهم بـ"أبطال وبطلات أفريقيا".
وتحتل قضية الصحراء الغربية، حيزاً من اهتمام فنزويلا.
إذ تعترف فنزويلا منذ الثمانينات بالصحراء الغربية جمهورية مستقلة وتربطهما علاقات دبلوماسية رسمية. بينما توجد سفارة للجمهورية العربية الصحراوية في كراكاس.
ولم تخف حكومة مادورو يوماً دعمها الصريح والواضح لجبهة البوليساريو التي تطالب باستقلال الصحراء الغربية عن المغرب.
ويرتبط هذا الموقف أيضاً بمتانة العلاقات بين فنزويلا والجزائر، التي تدعم هي الأخرى جبهة البوليساريو في مطلبها.
ورغم العلاقات الوثيقة بين البلدين لم تصدر الجزائر تعليقاً رسمياً على "اعتقال" الرئيس الفنزويلي.
ويرجح الكاتب الصحافي الجزائري علي بوخلاف أن بلاده تريد تفادي التصادم مع ترامب لا سيما أن ما يحصل بعيد وغير مرتبط بمصالح الجزائر بشكل مباشر، كما يقول.
وقال بوخلاف لبي بي سي إن تغيير النظام في فنزويلا لن يؤثر بشكل كبير على الجزائر حتى في موقفها الثابت من قضية الصحراء الغربية. إذ أن دعم فنزويلا لاستقلال الصحراء الغربية، حسب رأيه، لم يكن له ثقل يشكل ضغطاً في هذا الاتجاه.
وكان نيكولاس مادورو قد زار الجزائر عام 2022 حيث التقى بنظيره عبد المجيد تبون. وأكد اللقاء على تناغم مواقف البلدين بشأن عدد من القضايا في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
قال تبون في مؤتمر صحفي بعد اللقاء إنه ونظيره الفنزويلي متفقان بشكل تام "على أساس النضال من أجل مساعدة الشعب الفلسطيني في بناء دولته" و" مساعدة الشعب الصحراوي للحصول على استفتاء تقرير مصيره واستقلاله" بالإضافة إلى دعم السماح للشعب الليبي بإجراء انتخابات حرة يختارون فيها من يريدون أن يمثله.
وأعلن الطرفان رفع سقف التعاون بين بلديها ليشمل مجالات مختلفة من بينها التعاون الاقتصادي.
وعن موقف المغرب قال الدكتور عبد الفتاح الفاتحي، مدير مركز الصحراء وأفريقيا للدراسات الاستراتيجية في المغرب لبي بي سي، إنه رغم غياب موقف رسمي فإن المملكة ترحب بانتهاء حكم مادورو الذي كان موقفه الداعم لجبهة البوليساريو يشكل عبئاً عليها.
وبحسب الفاتحي، فإن الدعم الفنزويلي لجبهة البوليساريو لم يكن سياسياً فقط، وإنما كان مالياً وعسكرياً أيضاً وبالتالي فإن سقوط حكومة مادورو وتمكين المعارضة التي تدعم بالأساس موقف المغرب المتمسك بالحكم الذاتي للصحراء الغربية تحت السيادة المغربية سيضعف الجبهة الداعمة للبوليساريو ويزيد موقف المغرب صلابة من حيث رقعة المؤيدين له.
ليس من الواضح حتى الآن ما سيؤول إليه الوضع في فنزويلا، لكن مهما كان توجه النظام الجديد في البلد الأمريكي اللاتيني، فسيكون صداه واسعا في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

