رأي

التصعيد المؤجل: لماذا تراجع ترامب عن ضرب إيران؟ 

التصعيد المؤجل: لماذا تراجع ترامب عن ضرب إيران؟ 

افراسيانت - التحذيرات التي جاءت عبر قنوات دبلوماسية سرية وعلنية رسمت صورة واضحة لواشنطن: حتى أولئك الذين يرون في إيران تهديدا وجوديا لا يرغبون في حرب مفتوحة في هذه اللحظة.

إرباك الخصم وإرباك المراقبين


في مساء الثالث من يناير، بدا العالم على حافة هاوية جديدة في الشرق الأوسط المتأجج أصلاً. تصريحات رئاسية حادة ورسائل عبر “تويتر” (الذي تحول إلى مسمى “إكس”) لم تترك مجالاً للشك في أن عقابا عسكريا أميركيا موجعا في طريقه إلى إيران، راحت الاستعدادات الإعلامية والسياسية تستشعر اقتراب الضربة، متوقعة سيناريو مألوفا من الردع بالقوة الذي مارسته إدارات أميركية سابقة.

غير أن المفاجأة كانت تنتظر الجميع. في غضون ساعات، تحول المسار من حافة المواجهة إلى مربع التراجع، ويتم الإعلان عن قرار غير متوقع لإدارة الرئيس دونالد ترامب بعدم المضي قدما في الهجوم. هذا التحول المفاجئ، في خضم احتجاجات إيرانية واسعة وتوتر إقليمي حاد، يطرح سؤالاً مركزيا عن العوامل الخفية والظاهرة التي دفعت واشنطن إلى كبح جماحها، متخليةً عن خطابها التصعيدي لصالح حكمة التريث، في مشهد معقد جمع بين حسابات القوة وضرورات الدبلوماسية وتأثيرات الضغوط الحليفة وشخصية الرئيس المتقلبة.


لفهم أبعاد هذا التحول، لا بد من استحضار السياق العام الذي أحاط بالقرار. ففي الأسابيع التي سبقت قرار الهجوم كان المشهد الإيراني الداخلي يغلي باحتجاجات شعبية اندلعت على خلفية اقتصادية واجتماعية، وسرعان ما تحولت إلى مواجهات دامية سقط فيها ضحايا، في وقت اتهمت فيه طهران قوى خارجية بالوقوف خلف هذه الاضطرابات.

في هذا الجو المشحون، أطلق ترامب تهديداته العلنية مطلع يناير، محملاً النظام الإيراني مسؤولية العنف، ومتوعّدا بردٍّ قاسٍ إذا استمرت العمليات القمعية. التقييم الاستخباراتي الأميركي الأولي كان يشير إلى أن الاحتجاجات، رغم حدتها،

لا تشكل تهديدا وجوديا للنظام القائم، وهو ما أتاح هامشا للتصعيد اللفظي. لكن مع تطور الأحداث وتصاعد وتيرة العنف، بدأ التقدير يتغير، ليرسم صورة أكثر خطورة: أي تدخل عسكري خارجي قد يحول هذه الاحتجاجات إلى حرب أهلية شاملة، أو قد يوحد الشعب الإيراني خلف النظام تحت راية الدفاع عن السيادة الوطنية، ما سيفقد واشنطن شرعية أي عمل عسكري في عيون الشعب الإيراني والعالم. كان هذا التحول في التقدير الاستخباراتي أول المؤشرات على أن الأرضية لم تكن مهيأة لضربة ناجحة.


التناقض الظاهر بين التهديدات العلنية والقرار الفعلي المرن ليس ضعفا في هذه الرؤية بل هو أسلوب مقصود لإدارة الأزمات عبر خلق حالة من عدم اليقين تمنع الخصم من التكهن بالردود.


لكن العوامل العسكرية واللوجستية الميدانية شكلت عائقاً أكبر أمام أي مغامرة عسكرية. فالقدرات الأميركية في المنطقة لم تكن في ذروتها، خاصة بعد إعادة نشر عدد من الوحدات والمعدات في مناطق أخرى مثل الكاريبي وشرق آسيا، في إطار إستراتيجية تركز على المنافسة مع الصين.

هذا النقص اللوجستي كان يعني أن أي ضربة محتملة قد لا تكون حاسمة أو سريعة بما يكفي لتحقيق الأهداف المعلنة، بل قد تتحول إلى عملية محدودة تثير ردا إيرانيا عنيفا دون أن تحقق غطاء سياسيا واضحا. 

وكانت المخاوف الأمنية الميدانية تتركز على أن الرد الإيراني لن يقتصر على الأراضي الإيرانية، بل سيمتد ليهدد القوات الأميركية المنتشرة في العراق وسوريا ودول الخليج، علاوة على حلفاء مثل إسرائيل والسعودية. 

وبالنظر إلى التاريخ العسكري الإيراني في حرب الصواريخ والعمليات عبر الوكلاء، فإن هذا الخطر كان حقيقيا وملموسا. إضافة إلى ذلك، كانت التقديرات الإستراتيجية تشير إلى أن أي مواجهة مفتوحة ستؤثر حتما على أمن الطاقة العالمي، حيث يمر نحو خُمس النفط العالمي عبر مضيق هرمز، الذي تملك إيران القدرة على إغلاقه أو تعطيل حركة الملاحة فيه. هذا السيناريو الكابوسي كان كفيلاً بإثارة أزمة اقتصادية عالمية في وقت لم تكن اقتصادات العالم قد تعافت بعد من آثار جائحة كورونا. هذه المعادلة العسكرية المعقدة جعلت من أي ضربة مجازفة غير محسوبة العواقب.


ولم تكن الضغوط العسكرية هي الوحيدة التي أحاطت بالقرار، بل جاءت التحذيرات من الحلفاء لتضيف طبقة أخرى من التعقيد. ففي مكالمة هاتفية جرت بين الرئيس ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، عبر الأخير عن قلقه من أن أي ضربة أميركية قد تدفع إيران إلى إطلاق صواريخها باتجاه إسرائيل، في وقت لم تكن الجبهة الداخلية الإسرائيلية مهيأة تماما لمواجهة مثل هذا الهجوم.

هذا الموقف الإسرائيلي الحذر، رغم التاريخ الطويل من العداء مع إيران، كان له وقع خاص في البيت الأبيض، لأنه يعني أن أقرب حلفاء واشنطن في المنطقة غير مستعدين لتحمل تبعات التصعيد. كذلك، عبرت دول خليجية، رغم صراعها السياسي مع طهران، عن قلقها العميق من أن أي ضربة ستزعزع استقرار المنطقة برمتها، قد تعيد رسم الخرائط السياسية بطرق لا يمكن التنبؤ بها. هذه التحذيرات، التي جاءت عبر قنوات دبلوماسية سرية وعلنية، رسمت صورة واضحة لواشنطن: حتى أولئك الذين يرون في إيران تهديدا وجوديا لا يرغبون في حرب مفتوحة في هذه اللحظة.

هذا التوافق النادر حول ضرورة التريث لم يكن بالإمكان تجاوزه بسهولة، خاصة في ظل إدارة تميل عادة إلى تغليب التحالفات الثنائية على التنسيق متعدد الأطراف.


تراجع ترامب عن ضرب إيران لا يعني إغلاق باب الخيار العسكري إلى الأبد، بل هو تأجيل له إلى حين، في انتظار تطورات قد تكون أكثر ملاءمة لواشنطن أو قد لا تكون.


لكن ربما كان العامل الأكثر حسما في تغيير المسار هو تلك القناة الخلفية السرية التي تم فتحها بين مسؤولين إيرانيين وأميركيين. فمن خلال وسيط أوروبي، تبادل الدبلوماسي الإيراني المخضرم عباس عراقجي رسائل مع المسؤول الأميركي ستيف ويتكوف، تضمنت وعودا إيرانية غير علنية بوقف تنفيذ عمليات إعدام المحتجزين خلال الاحتجاجات، والحد من العنف ضد المتظاهرين.

هذه الرسائل، رغم عدم كونها اتفاقا رسميا منحت الإدارة الأميركية هامشا للقول إن الضغط الدولي والدبلوماسية الخفية قد حققا بعض المكاسب، وإن النظام الإيراني قد يكون مستعدا لخطوات تهدئة. وبالنسبة إلى ترامب، الذي يقدّر الصفقات والنتائج الملموسة، شكل هذا العنصر “مكسبا” يمكن الترويج له سياسيا، كبديل عن المخاطرة بحرب قد لا تحظى بدعم داخلي أو دولي. هذه القناة الخلفية كشفت عن هامش للمناورة كان موجودا رغم الصراع العلني، وعن رغبة طرفي الصراع في عدم الانزلاق إلى الهاوية، حتى في لحظات التهديد الأقصى.


وفي قلب هذه العوامل جميعا تطل شخصية ترامب الفريدة في اتخاذ القرار كعنصر حاسم لا يمكن إغفاله. ففي تصريح لاحق، قال ترامب إنه “أقنع نفسه” بالتراجع، في عبارة تعكس النزعة الفردية الشديدة التي تميز أسلوبه في الحكم. فقرارات هذه الإدارة، خاصة في السياسة الخارجية، كثيرا ما كانت تتشكل بناء على حدس الرئيس ومشاعره اللحظية، أكثر من اعتمادها على تحليلات المؤسسة الأمنية أو الخبرة البيروقراطية الطويلة. هذا النمط من القيادة، رغم انتقاده كمتهور وغير منهجي، فإنه في هذه الحالة بالذات قد يكون قد أدى إلى نتيجة مختلفة عن المسار المتوقع.

ترامب، بتركيزه على “القوة الذكية” والمفاوضات المباشرة، قد وجد في التراجع خيارا يجمع بين إظهار القوة (من خلال التهديد) والمرونة (من خلال التراجع)، في لعبة نفسية معقدة تهدف إلى إرباك الخصم وإرباك المراقبين في الوقت ذاته. التناقض الظاهر بين التهديدات العلنية الصلبة والقرار الفعلي المرن ليس ضعفا في هذه الرؤية، بل هو أسلوب مقصود لإدارة الأزمات عبر خلق حالة من عدم اليقين تمنع الخصم من التكهن بالردود. ولكن هذا الأسلوب يحمل في طياته خطرا كبيرا، لأنه قد يُقرأ من قبل الطرف الآخر على أنه تردد أو انقسام داخلي، ما قد يشجعه على المزيد من التحدي في أزمات مستقبلية.


في النهاية، فإن تراجع ترامب عن ضرب إيران لا يعني إغلاق باب الخيار العسكري إلى الأبد، بل هو تأجيل له إلى حين، في انتظار تطورات قد تكون أكثر ملاءمة لواشنطن أو قد لا تكون. القرار يعكس مزيجا من الضغوط العسكرية الواقعية، والتحذيرات السياسية للحلفاء، والإشارات الدبلوماسية الخفية من العدو، كل ذلك ضمن بوتقة شخصية رئيس يميل إلى الارتجال والحدس.

وهذا المشهد يفتح الباب أمام أسئلة نقدية عميقة: هل كان التراجع حكمة واقعية أنقذت المنطقة من حرب مدمرة؟ أم كان ضعفا شجع إيران على المزيد من التحدي؟ 

وهل يدفع هذا النمط من إدارة الأزمات، القائم على الابتزاز المتبادل والمفاوضات الخلفية، نحو استقرار هش قابل للانفجار في أي لحظة؟ أم أنه يؤسس لمرحلة جديدة من “التصاعد المُدار” الذي يتجنب الحرب الكبرى لكنه يغذي نزاعات صغيرة متواصلة؟ الإجابة عن هذه الأسئلة قد لا تأتي الآن، لكن ما هو واضح أن اللعبة بين واشنطن وطهران لم تنته، بل دخلت مرحلة جديدة أكثر تعقيدا، حيث تختلط التهديدات العلنية بالمواجهات الخفية، وتتقاطع حسابات الداخل الإيراني مع الصراع الإقليمي والمنافسة الدولية، في معادلة يصعب معها التنبؤ بالفصل التالي، إلا أن فصول الصراع ستستمر، بعيدة عن حسم الحرب، وقريبة من استنزاف الدبلوماسية.

بين الحرب والتفاوض.. واشنطن تحشد وطهران تعزز تحالفاتها


وفي وقت تشهد فيه الساحة الإقليمية حالة من الترقب القلق، تتحرك واشنطن بحشود عسكرية جديدة إلى الشرق الأوسط وسط تقارير عن وصول تسليحات إستراتيجية شرقية إلى إيران، مما يطرح تساؤلات جوهرية حول ما إذا كانت المنطقة على أعتاب جولة تصعيد كبرى، أم أن المشهد لا يعدو كونه مسرحا لمعركة نفسية وإعدادات استباقية لإملاء شروط التفاوض المستقبلي.


وعلى ضوء التقارير الغربية بشأن مواصلة حاملة الطائرات الأميركية "أبراهام لينكولن" شق طريقها نحو الشرق الأوسط وسط حديث عن إمكانية تحرك حاملة الطائرات "جورج بوش" إلى المنطقة وإمكانية وصول أسراب مقاتلة إضافية إلى قواعد أميركية خلال الفترة المقبلة، تتناقل أوساط إيرانية أنباء عن فتح قناة جوية مع روسيا مكنت من وصول شحنات أسلحة متقدمة إلى إيران، في مؤشر على أن العزلة الدولية ليست مطلقة وأن التحالفات الشرقية قادرة على تعزيز القدرات الإيرانية.


تعزيزات شرقية


وفي ظل التصعيد الإقليمي المتزايد، يتحدث الباحث السياسي علي رضا تقوي نيا، عن تعزيزات جوية ودعم عسكري متقدم، تحصل عليه بلاده من حليفتيها الشرقيتين روسيا والصين، قد يحدث نقلة نوعية في قدراتها القتالية، مؤكدا أن تدفق طائرات الشحن الروسية الثقيلة إلى المطارات الإيرانية في الأشهر الماضية لم يكن عشوائيا، بل يأتي في سياق الشراكة بين البلدين.


ويشير تقوي نيا ، إلى وصول مروحيات هجومية متطورة من طراز مي-28 الروسية، واصفا إياها بأنها "صياد ليلي" بقدرات قتالية متكاملة، إلى جانب وصول أنظمة دفاع جوي صينية وروسية متقدمة ومنها أنظمة مثل HQ-9 الصينية، التي تعتبر نظيرا للنظام الأمريكي "باتريوت"، والنظام الروسي الشهير S-400.


ولدى إشارته إلى تقارير الصحافة الايرانية حول تسلّم طهران أعدادا من مقاتلات سوخوي-35 الروسية، أضاف تقوي نيا أن بلاده تعتمد أساسا على قدراتها الذاتية ومنها المسيّرات والصواريخ الباليستية لا سيما الفرط صوتية منها التي أنتجت أعدادا هائلة منها عقب حرب يونيو/حزيران الماضي، مؤكدا أن التعزيزات الجوية الشرقية التي تزودت بها إيران خلال الأشهر الأخيرة ستشكل تحديا كبيرا لأي عدوان جوي محتمل عليها.


وتنقسم الأوساط الإيرانية حول التصعيد الحالي بين من يرى أن الحرب قادمة على بلاده، ومن يعتقد أن واشنطن لا تنوي شن حرب جديدة، بل تسعى لكسر إرادة طهران من خلال شن حرب أعصاب وحملات تخويف ممنهجة، عبر التحشيد العسكري، وإجبارها على التراجع أو تقديم تنازلات دون إشعال مواجهة ميدانية واسعة النطاق.


حرب مرجحة


وبينما يهدد مسؤولون إيرانيون علنا بضرب القواعد الأميركية في المنطقة إذا تعرضت الجمهورية الإسلامية لهجوم، يلمس الباحث السياسي صلاح الدين خديو، وراء تدفق الإمدادات العسكرية الأميركية للمنطقة "تمهيدا للمواجهة" معتبرا أن تراجع ترامب الأسبوع الماضي عن الهجوم يعود لأسباب لوجستية وبعض التمهيدات السياسية التي تحتاج إليها واشنطن وحليفتها إسرائيل.


ويشدد خديو في تحليله على أن خيار الحرب لا يزال قائما بقوة، وأن ما جرى في قمة فلوريدا بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو -المطلوب من قِبل المحكمة الجنائية الدولية– ليس مجرد لقاء عابر، بل خطة "ستُنفذ خطوة بخطوة"، وأن المسألة تتعلق فقط بضبط التوقيت وإعادة رسم الأهداف الميدانية لتحقيق أقصى أثر.


ويرى المحلل ذاته أن واشنطن وتل أبيب تنظران إلى الاضطرابات الداخلية والتدهور الاقتصادي في إيران على أنهما "فرصة مناسبة" لتحقيق "أهداف إستراتيجية"، مشيرا إلى أن تركيز المحور الأميركي والإسرائيلي منصبّ بشكل أساسي على إضعاف "القدرة الصاروخية" الإيرانية والملف النووي، خصوصا ما يتعلق بالمواد المخصبة، كمدخل لفرض أجندة أشمل.


ويخلص خديو إلى أن احتمالية اندلاع صراع عسكري مباشر بين الولايات المتحدة وإيران "أعلى من أي وقت مضى"، خاصة خلال الأشهر الستة الماضية التي تلت حرب الـ12 يوما، ويتوقع دخول المنطقة مرحلة حاسمة خلال الأسابيع المقبلة، فإما نحو التسويات تحت وطأة التهديد، أو نحو مواجهة يصعب احتواء تبعاتها.


ضغط نفسي


في المقابل، يعتقد الباحث في الشؤون الدولية رضا بردستاني، أن التحركات العسكرية الأميركية هي جزء من إستراتيجية ضغط نفسي معقدة تهدف لإيجاد بيئة من الترقب والضغط المستمر لإجبار طهران على التراجع وانتزاع امتيازات منها انطلاقا من الاقتناع الأميركي بأن "إدارة مرحلة ما بعد الهجوم ستكون وخيمة العواقب وقد تخرج عن سيطرتها".


ويوضح بردستاني ، أن القوة العسكرية الهائلة لا تكفي وحدها لضمان النجاح الإستراتيجي، وبالرغم من أن الولايات المتحدة تمتلك "قوة الضربة"، فإنها قد تفتقر إلى القدرة الكاملة على إدارة تداعيات مرحلة ما بعد أي هجوم واسع النطاق، مما يتيح فرصة للجانب الإيراني، مضيفا أن طهران قادرة من خلال "الخطوات المدروسة والخطط المعدة سلفا" على قلب الطاولة واستعادة المبادرة من يد المهاجم.


ويختتم -المتحدث نفسه- بأن مسار الرد الإيراني لا بد أن يعتمد على الاستعداد العسكري، لكن من دون الانخراط في لعبة يريدها الخصم، بل وفق إستراتيجية ذكية طويلة النفس تهدف إلى تحويل التهديد إلى فرصة، من خلال تعزيز الاقتصاد لامتصاص صدمات العقوبات، وبناء رواية إعلامية ودبلوماسية مضادة لكشف طبيعة السياسة الأميركية، وتفعيل دبلوماسية إقليمية نشطة لتقوية التحالفات، والعمل على تعزيز الانسجام الداخلي.


سيناريوهات محتملة


وفي ظل التصعيد الإقليمي الحاد، يقدم أستاذ العلاقات الدولية بجامعة طهران، محسن جليلوند، تقييما متشائما للمستقبل القريب، يرسم خلاله ثلاثة سيناريوهات محتملة لمآلات الأزمة، وفق التالي:


•     خيار الحرب في صدارة السيناريوهات الأكثر ترجيحا، مع مؤشرات على وجود تخطيط مسبق من قبل إسرائيل وحليفتها الولايات المتحدة منذ وقت طويل.


ويستشهد بما يصفه بـ"الصمت الإسرائيلي" اللافت عقب الحرب الأخيرة، معتبرا أنه ليس صمتا عابرا، بل جزء من إستراتيجية محسوبة، ويربط هذه المقاربة بالاحتجاجات الأخيرة في إيران، التي يرى أنها تُستثمر ضمن الإستراتيجية الأميركية والإسرائيلية في التعامل مع طهران.


•    الحوار الداخلي: ويتمثل في إقدام النظام الإيراني على إطلاق حوار داخلي جاد مع شعبه، يعترف من خلاله بمطالب المواطنين ويباشر إصلاحات اقتصادية وسياسية عميقة، غير أن المتحدث يرى أن فرص تحقق هذا السيناريو تبقى "محدودة".


•    المسار الدبلوماسي: ويعده جليلوند السيناريو الثالث والأضعف احتمالا، ويتمثل في استئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة، غير أنه يرى صعوبة التعويل عليه لسببين أساسيين، أولهما الشروط الأميركية الصارمة، وثانيهما ارتباط ذلك بواقع داخلي وخارجي لا يوفر مساحة كافية لتقديم تنازلات.


•    الحرب الهجينة الأمريكية- الإسرائيلية ضد إيران: تصعيد بلا حرب شاملة وفوضى بلا افق .


يرى مفكران بارزان أن الولايات المتحدة وإسرائيل تخوضان منذ سنوات حربًا «هجينة» واسعة النطاق ضد إيران، تقوم على العقوبات الخانقة، والضربات المحدودة، والحرب السيبرانية، وعمليات الاغتيال، وحملات التضليل، بدل الانزلاق إلى حرب شاملة قد تقود إلى تصعيد نووي.


وفي مقال نشره موقع كومن دريمز، قال الاقتصادي الأمريكي جيفري دي. ساكس والباحثة سيبيل فارس إن السؤال لم يعد ما إذا كانت واشنطن وتل أبيب ستهاجمان إيران، بل متى، مشيرين إلى أن منطق الحرب الهجينة يفسّر التناقض الحاد في خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بين التهديد بالحرب والتلويح بعروض سلام وصفاها بـ«الزائفة».


خبراء: منطق الحرب الهجينة يفسّر التناقض الحاد في خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بين التهديد بالحرب والتلويح بعروض سلام “زائفة”


وأوضح الكاتبان أن «الدولة العميقة» في الولايات المتحدة وإسرائيل باتت تعتمد بشكل ممنهج على هذا النوع من الحروب، عبر تنسيق بين وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) والموساد، وشبكة واسعة من المتعاقدين العسكريين والأجهزة الأمنية، ما أدى إلى إشاعة الفوضى في مناطق واسعة من أفريقيا والشرق الأوسط، من ليبيا والصومال والسودان إلى فلسطين ولبنان وسوريا والعراق وإيران واليمن.


وأشار التقرير إلى أن الحصيلة خلال أكثر من ربع قرن كانت «كارثية»: تدمير اقتصادي، وتعطيل للتنمية، وتفشي العنف، وموجات لجوء جماعية، من دون تحقيق أمن أو استقرار أو تحالفات دائمة موالية لواشنطن أو تل أبيب. ولفت إلى أن هذه السياسات تقوّض بشكل مباشر ميثاق الأمم المتحدة، الذي يحظر استخدام القوة ضد الدول الأخرى، ويضع الحرب الهجينة في خانة الانتهاك الصريح للقانون الدولي.


وبحسب الكاتبين، فإن المستفيد الأبرز من هذا المسار هو «المركّب العسكري–الصناعي–الرقمي» في الولايات المتحدة وإسرائيل، حيث تحقق شركات تكنولوجية وأمنية أرباحًا متزايدة من أدوات المراقبة والذكاء الاصطناعي وخوارزميات الاغتيال. وذكّرا بتحذير الرئيس الأمريكي الأسبق دوايت أيزنهاور عام 1961 من خطر المركّب العسكري–الصناعي، معتبرين أن هذا الخطر تفاقم اليوم مع توظيف الذكاء الاصطناعي والدعاية واسعة النطاق.


وتناول التقرير تصعيدين متزامنين وصفهما بـ«الحربين الهجينتين» في فنزويلا وإيران. ففي فنزويلا، قال الكاتبان إن واشنطن تسعى منذ سنوات للسيطرة على احتياطيات النفط الضخمة وإسقاط الحكومة اليسارية القائمة منذ 1999، عبر العقوبات، ومصادرة الأصول، وشل قطاع النفط، من دون أن تنجح في إسقاط النظام. وأضافا أن إدارة ترامب صعّدت أخيرًا عبر عمليات عسكرية وحصار بحري، في خطوة اعتبراها «عملًا حربيًا مستمرًا»، حظيت بدعم علني من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.


أما في إيران، فحذّر التقرير من أن الحرب الهجينة الجارية قد تنزلق بسهولة إلى مواجهة إقليمية مدمّرة، وربما أوسع، رغم محاولات دبلوماسية تبذلها دول في المنطقة، خصوصًا الخليجية، لثني واشنطن عن الخيار العسكري. وذكّر بتاريخ طويل من التدخل الأمريكي في إيران يعود إلى انقلاب عام 1953 ضد رئيس الوزراء المنتخب محمد مصدّق، مرورًا بدعم نظام الشاه، ثم الحرب العراقية–الإيرانية في الثمانينيات.


وأكد الكاتبان أن الهدف الأمريكي–الإسرائيلي لا يتمثل في تسوية تفاوضية تدمج إيران في النظام الدولي مع ضبط برنامجها النووي، بل في إبقائها «منهكة اقتصاديًا، ومحاصرة دبلوماسيًا، ومضغوطة داخليًا». واعتبرا أن انسحاب ترامب من الاتفاق النووي عام 2016 (JCPOA) مثّل محطة مركزية في تقويض فرص الحلّ السياسي.


وختم التقرير بالدعوة إلى تحرك دولي أوسع، مطالبًا الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، باستثناء الولايات المتحدة وإسرائيل، برفض سياسات تغيير الأنظمة، والعقوبات الأحادية، وتسليح الدولار، والانتهاك المتكرر لميثاق الأمم المتحدة. وخلص إلى أن الشعوب، بما فيها الشعب الأمريكي، لا تدعم «لاقانونية» هذه السياسات، لكنها تجد صعوبة في إيصال صوتها، في وقت يزداد فيه خطر الانزلاق إلى حروب أوسع ما لم يتم كبح هذا المسار.

 

أفراسيانت
الباحثون عن العدالة، الحرية، وحقوق الإنسان.!

 
  • عدد الزيارات 12390530
Please fill the required field.