الحدث

تصاعد مفاجئ للعنف.. هل تشهد ليبيا إعادة هندسة سياسية؟

تصاعد مفاجئ للعنف.. هل تشهد ليبيا إعادة هندسة سياسية؟

افراسيانت - على مدار الأيام القليلة الماضية، شهدت ليبيا العديد من أعمال العنف التي يعزوها محللون إلى تمسك الأطراف المتصارعة بمكاسبها الخاصة، وخصوصا الأموال التي يحصلون عليها من تهريب النفط، وسعي كل فريق لإثبات قدرته على إدارة الجزء الخاضع له من البلاد.


فقد تعرضت مصفاة الزاوية النفطية ذات الأهمية الإستراتيجية في غرب ليبيا لهجمات بمسيّرات على مدى الأيام القليلة الماضية، في حين شهدت مدينة بنغازي شرقي البلاد اغتيال مدير الاستخبارات العسكرية اللواء فوزي المنصوري بقنبلة استهدفت سيارته.


ولم يقتصر التدهور الأمني على منطقة بعينها، ففي الوقت الذي اغتيل فيه المنصوري ببنغازي، شهد الغرب الليبي تصعيدا آخر تمثل في هجمات بمسيّرات استهدفت مصفاة الزاوية النفطية الإستراتيجية.


وسُجلت أحدث الهجمات -الثلاثاء- بعد يوم من استهداف خزان يحتوي على نحو 4.5 ملايين لتر من البنزين، مما أدى إلى اندلاع حريق فيه، وهو ما دفع مؤسسة النفط الليبية إلى التلويح بإعلان حالة القوة القاهرة ووقف العمل في مجمع الزاوية النفطي.


وتأتي هذه التطورات الأمنية المتلاحقة في توقيت حساس يزداد فيه الحديث محليا ودوليا عن مبادرات جادة للتقريب بين معسكري الشرق والغرب والعمل على توحيد المؤسسة العسكرية والمؤسسات السيادية.


كما تأتي في ظل تزايد الضغوط الاقتصادية على العملة الليبية وشح النقد الأجنبي، الأمر الذي دفع محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى إلى تقديم استقالته التي رفضها مجلس الدولة الليبي.


صراع مصالح


وتعكس هذه التطورات تمسك الطرفين المتصارعين في الشرق والغرب بالمكاسب التي حققها كل منهما من عمليات بيع النفط غير القانونية، والسعي لإثبات قدرته على إدارة المناطق الخاضعة له، كما يقول الباحث والأكاديمي فرج دردور.


وخلال مشاركته في برنامج "ما وراء الخبر"، قال دردور إن هذه الأطراف تبيع ما يصل إلى نصف النفط الليبي خارج إطار القانون، وإنها غير مستعدة للتخلي عن مئات ملايين الدولارات التي تُجنى من هذه العمليات، مشيرا إلى حديث اللواء المتقاعد خليفة حفتر، الذي قال لضباطه قبل يومين إنه لن يسمح للساسة بأن يفرضوا عليه ما يريدون بعد كل ما حققه من إنجازات.


ولم تتمكن ليبيا من إجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية التي كانت مقررة في عام 2021، لكنها أُرجئت منذ ذلك الحين بعد أن أعلنت المفوضية العليا للانتخابات "استحالة إجرائها".


ولا يقف تهريب النفط على المنطقة الشرقية، لكنه يمتد أيضا إلى المنطقة الغربية الخاضعة لحكومة الوحدة الوطنية التي يقودها عبد الحميد الدبيبة، المعترف بها دوليا، والتي تنشط فيها مليشيات قال دردور إنها غير خاضعة عمليا لسلطة الدولة، وإن كانت تابعة للحكومة من الناحية النظرية.


فمن يحاولون الآن تقاسم النفوذ والثروة لا يريدون إقامة دولة موحدة ذات سيادة تكون قادرة على محاسبة من يخالفون القانون، بحسب المتحدث، الذي اعتبر اغتيال المنصوري في بنغازي محاولة من خليفة حفتر للتخلص من كل الشهود على ما وصفها بجرائم الماضي.


فالمنصوري -بحسب الأكاديمي الليبي- كان من بين القادة الذين شاركوا في الهجوم على جنوب طرابلس عام 2019، وقُتل كثير من الناس في العمليات التي قادها بنفسه، فضلا عن أنه "كان شاهدا على مجزرة ترهونة"، حسب المتحدث.


ولا يلقي دردور باللوم على طرف دون آخر، وإنما يتهم جميع المتصارعين على الحكم والنفوذ والثروة بالحيلولة دون نجاح أي مبادرة محلية أو إقليمية أو دولية لإنهاء هذا الوضع وتوحيد البلاد.


مقدمة لحل خارجي


ولا يمكن فصل ما يجري بمنطقة في ليبيا عما يحدث في أخرى، كما يقول المحلل السياسي أحمد التواتي، الذي يعتقد أن ليبيا تشهد حالة من تمهيد الأرضية لحل خارجي لم يشارك الليبيون في صياغته ولا هم قادرون على التدخل فيه.


فكلتا الحكومتين لم تعد قادرة على القيام بمهامها في المنطقة التي تسيطر عليها، ومن ثَم فإن هذه التطورات الأمنية والمالية ليست إلا محاولة لتخويف المواطن والضغط عليه معيشيا حتى يقبل بأي حل يُطرح لاحقا، حسب ما قاله التواتي لـ"ما وراء الخبر".


فالانقسام السياسي ومحاولة كل طرف إثبات قوته هو الدافع الأساسي لهذه المشاهد التي توقع المتحدث تكرارها، قائلا إن ليبيا "دخلت مرحلة إعادة هندسة للسلطة وتوحيد المؤسسات، نتيجة وصول الصراع بشكله الحالي إلى طريق مسدود".


فهذه الأحداث التي تضرب المواطن الليبي في أمنه ورزقه "ستجعله أقل معارضة لأي من المبادرات التي كان يرفضها سابقا، ومنها المبادرة التي طرحتها الولايات المتحدة قبل أقل من شهرين"، في رأي التواتي.


وفي يونيو/حزيران الماضي، كشفت واشنطن عن سعيها للتوسط في اتفاق لتقاسم السلطة بين الإدارتين المتنافستين في شرق ليبيا وغربها.


وتعيش ليبيا انقساما سياسيا بين حكومة الوحدة الوطنية برئاسة الدبيبة في طرابلس، والحكومة المكلفة من مجلس النواب مطلع 2022 برئاسة أسامة حماد في بنغازي وتدير الشرق ومعظم الجنوب


وسبق أن أعلنت قيادة قوات الشرق الليبي استعدادها للانخراط في مفاوضات بشأن مبادرة تقدمت بها الولايات المتحدة لتوحيد السلطة التنفيذية، في حين أعلن رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة ورئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي رفضهما للمبادرة.


وكان رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، رفقة تكالة والمنفي، قد أعلنوا في بيان مشترك الاتفاق على خريطة طريق جديدة، تتضمن تشكيل لجنة عليا للإشراف على انتخابات رئاسية وبرلمانية متزامنة قبل فبراير/شباط 2027، وسط جهود مستمرة للبعثة الأممية لإنهاء الانقسام.


اغتيال المنصوري واستهداف منشآت نفطية يثيران تساؤلات الليبيين


من ناحية اخرى ,أثارت سلسلة من التطورات الأمنية والسياسية والاقتصادية المتزامنة في ليبيا موجة واسعة من التساؤلات على منصات التواصل الاجتماعي، بعد اغتيال قائد جهاز الاستخبارات العسكرية اللواء فوزي المنصوري في بنغازي، واستهداف منشآت نفطية في مدينة الزاوية، إلى جانب إغلاق مقر بلدية قصر الأخيار، واستقالة محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى.


وتزامن وقوع هذه الأحداث في مناطق مختلفة من البلاد مع تصاعد المخاوف من عودة التوتر الأمني إلى الواجهة، في ظل استمرار الانقسام السياسي وتعدد القوى المسلحة، الأمر الذي دفع ليبيين إلى التساؤل عما إذا كانت هذه الوقائع منفصلة أم إنها تعكس تحولا أوسع في المشهد الليبي؟


اغتيال المنصوري


في بنغازي، قُتل اللواء فوزي المنصوري، مدير إدارة الاستخبارات العسكرية التابعة للقيادة العامة لقوات شرق ليبيا، إثر تفجير سيارته بعبوة ناسفة في منطقة الهواري مساء الاثنين.


ونشرت منصات وحسابات في شرقي ليبيا مشاهد توثق احتراق سيارة في المنطقة، وقالت إنها تعود إلى المنصوري، في حين أكد مصدران أمنيان لوكالة رويترز، طلبا عدم الكشف عن هويتيهما، مقتله في الانفجار.


ولم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن عملية الاغتيال، كما لم تتضح حتى الآن الجهة التي تقف وراءها أو تفاصيل العبوة الناسفة المستخدمة.


ونعى نائب القائد العام لقوات شرق ليبيا صدام حفتر، المنصوري ووصف مقتله بأنه نتيجة "عملية إرهابية غادرة"، في حين دعا نائب رئيس المجلس الرئاسي الليبي موسى الكوني إلى كشف ملابسات الاغتيال وتقديم المسؤولين عنه إلى العدالة.


وقال الكوني، في منشور على منصة إكس، إن بلاده تدين "بشدة" استهداف الأصول النفطية في الزاوية، وكذلك اغتيال المنصوري، مؤكدا أن "ثروة الليبيين خط أحمر، ودم كل ليبي حرمة مقدسة".


استهداف منشآت الزاوية


وبالتزامن مع اغتيال المنصوري في الشرق، شهدت مدينة الزاوية غربي البلاد تطورات أمنية استهدفت منشآت نفطية حيوية.


وأعلنت المؤسسة الوطنية للنفط، مساء الاثنين، حالة الطوارئ القصوى في المدينة، عقب انهيار خزان للوقود واندلاع النيران فيه، وقالت إن المجمع النفطي تعرض لاستهداف ضمن ما وصفته بـ"اعتداءات متكررة".


وأفادت مصادر محلية للجزيرة بأن الانفجار وقع في مصفاة الزاوية جراء هجوم بطائرات مسيّرة، في حين تحدثت منشورات متداولة عن انهيار خزان كان يحتوي على ملايين اللترات من البنزين. 


ويُعَد مجمع الزاوية النفطي من المنشآت الحيوية في ليبيا، وهو ما يضفي على استهدافه بُعدا يتجاوز الجانب الأمني، في ظل حساسية قطاع النفط بالنسبة للاقتصاد الليبي وإمدادات الوقود.


بلدية مهددة


ولم تتوقف التطورات عند استهداف الشخصيات الأمنية والمنشآت النفطية؛ إذ أعلنت بلدية قصر الأخيار إغلاق مقرها، وقالت عبر صفحتها على فيسبوك إن مجموعة من شباب المدينة أغلقت المقر على خلفية تعرض عميد البلدية عبد الرحمن خليفة وموظفي ديوان البلدية لتهديدات من قِبل قوة مسلحة.


وهذا التطور، إلى جانب الاغتيال واستهداف منشآت الطاقة، دفع ناشطين إلى الحديث عن حالة توتر أوسع تشمل مؤسسات وشخصيات في مناطق مختلفة من ليبيا.


ليبيا على نار حامية


وتفاعل ناشطون ومدونون مع تزامن هذه الأحداث، معتبرين أن ما جرى خلال ساعات قليلة يتجاوز مجرد وقائع منفصلة.


وقال الإعلامي والسياسي عمر الأنصاري إن "ليلة ساخنة" شهدتها ليبيا، مشيرا إلى اغتيال المنصوري واستهداف منشآت الزاوية، إضافة إلى التطورات المتعلقة بالمصرف المركزي.


وذهب ناشطون إلى اعتبار ما حدث "استهدافا متوازيا" لمراكز قوة في شرق البلاد وغربها، مشيرين إلى اغتيال المنصوري في بنغازي، واستهداف خزانات النفط في الزاوية، إلى جانب استقالة محافظ المصرف المركزي.


وتساءل مدونون: "اغتيال قيادي استخباراتي رفيع في الشرق، بالتزامن مع ضرب منشأة نفطية إستراتيجية في الغرب هل نحن أمام بداية تصعيد أمني جديد في ليبيا؟".


وفي المقابل، ذهبت منشورات أخرى إلى طرح فرضيات أكثر حدة بشأن الجهة التي تقف وراء اغتيال المنصوري، وربطت طريقة تفجير سيارته بصراعات داخلية محتملة، غير أن هذه الطروحات بقيت في إطار التكهنات ولم تقدم دليلا يثبت تورط جهة بعينها.


تساؤلات مفتوحة


وبين اغتيال مسؤول استخباراتي بارز في بنغازي، واستهداف منشآت نفطية في الزاوية، وإغلاق مقر بلدية، واستقالة محافظ المصرف المركزي، بدت ليبيا أمام ليلة استثنائية تداخلت فيها التطورات الأمنية والسياسية والاقتصادية.


وأعادت هذه الوقائع المتزامنة إلى الواجهة أسئلة بشأن الجهات التي تقف وراءها، وما إذا كانت حوادث منفصلة أم إنها مؤشرات على تصعيد أمني وسياسي أوسع؟


لكن السؤال الأبرز الذي يتداوله الليبيون لا يتعلق فقط بمن يقف وراء كل حادثة، بل بما إذا كان تزامنها يحمل دلالة على دخول البلاد مرحلة جديدة من التوتر، ومن يملك القدرة والمصلحة في دفع المشهد الليبي نحو هذه المواجهة مجددا.


وتأتي هذه التطورات بعد أيام من اشتباكات شهدتها مدينتا الزاوية وصرمان غربي ليبيا بين مجموعات مسلحة، وأسفرت عن سقوط قتلى وجرحى وفرار سجناء، من دون إعلان رسمي عن حصيلة الضحايا أو هوية الأطراف المشاركة فيها.


وتكشف هذه التطورات مجددا هشاشة المشهد الأمني والسياسي في ليبيا، التي تعيش منذ سنوات على وقع الانقسام بين مؤسسات وقوى متنافسة في الشرق والغرب، إلى جانب تعدد التشكيلات المسلحة التي تتمتع بنفوذ متفاوت في مناطق مختلفة من البلاد.

________________

المصدر: الجزيرة + مواقع التواصل الاجتماعي

________________

 

أفراسيانت

الباحثون عن العدالة، الحرية، وحقوق الإنسان.!


 
  • عدد الزيارات 12591951
Please fill the required field.