افراسيانت - في الوقت الذي يبدو فيه الموقف مفتوحا على كل الاحتمالات، بين كل من الولايات المتحدة وإيران، نشطت وماتزال تنشط جهود دبلوماسية متعددة ومكثفة، لمحاولة نزع فتيل حرب، تبدو وشيكة بين البلدين.
محاولات من كل اتجاه
وتنخرط في هذه الجهود المتواصلة، عدة دول عربية وإسلامية، إذ أجرى وزير الخارجية الإيراني الزائر عباس عراقجي، مباحثات الجمعة 30 كانون الثاني/يناير، مع المسؤولين الأتراك في اسطنبول، استهدفت خفض التصعيد، وسط سعي تركي، للحيلولة دون اندلاع حرب بين طهران وواشنطن.
وفي مؤتمر صحفي مشترك، مع نظيره التركي هاكان فيدان في اسطنبول،قال عراقجي بعد المحادثات : "لا توجد هناك مفاوضات مع التهديد، ولا توجد شروط مسبقة قبل الجلوس إلى طاولة المفاوضات". وأضاف أن إيران "جاهزة ومستعدة للمفاوضات، وهي مُستعدة للحرب أيضاً، بل وجاهزة بشكل أكبر بالمقارنة مع العام الماضي".
من جانبه قال فيدان إن تركيا "ستبذل قصارى جهدها للحيلولة دون وقوع هذه الحرب ضد إيران"، موضحاً أن الرئيس رجب طيب إردوغان ،اتصل بنظيره الإيراني مسعود بيزشكيان، وأن "مساعينا مستمرة مع المسؤولين الأمريكيين لإيجاد حلول دبلوماسية"، محذرا الولايات المتحدة، من الاستجابة للضغوط الإسرائيلية لشن هجوم عسكري على إيران.
ونقلت وكالة تسنيم الإيرانية للأنباء السبت 31 كانون الثاني/يناير عن وزير الخارجية الإيراني قوله إن الإدارة الأمريكية تسعى للتواصل مع إيران عبر أطراف ثالثة مشيرا إلى أن بلاده "منفتحة على اتفاق نووي عادل".
وفي مقابلة مع تلفزيون "سي إن إن ترك"، قال عراقجي: "ينقلون إلينا رسائل من مسؤولين أمريكيين ويطلبون منا التدخل الدبلوماسي. موقفنا واضح: نحن مستعدون لدبلوماسية عادلة ومتوازنة"، مشيرا إلى أنه "يجب على الولايات المتحدة التخلّي عن التهديدات والترهيب، وأن تكون مستعدة للتفاوض على قدم المساواة، استنادا إلى الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة".
ويوم السبت 31 يناير أيضا،حل رئيس مجلس الوزراء - وزير الخارجية القطري، الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، ضيفا في إيران، في إطار ذات الجهود الرامية لنزع فتيل الحرب، وبحث الوزير القطري مع عدد من المسؤولين الإيرانيين، تعزيز فرص السلام وتفادي الحرب .
ووفق وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية، فإن الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، التقى السبت 31 كانون الثاني/ يناير في طهران ،كلا من عباس عراقجي وزير الخارجية الإيراني، وعلي لاريجاني أمين المجلس الأعلى للأمن القومي في إيران".
الجانب الأمريكي
على الجانب الأمريكي، وفي آخر التصريحات، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إن إيران تجري "محادثات جادة" مع واشنطن، معربًا عن أمله، في أن تقبل طهران اتفاقًا، تتخلى بموجبه عن السعي لامتلاك سلاح نووي.
وفي رده على أسئلة الصحفيين على متن طائرة "إير فورس وان"، بشأن آخر تقييماته لملف إيران، قال ترامب "من الممكن التوصل إلى اتفاق تفاوضي ومُرضٍ، من دون سلاح نووي… عليهم أن يفعلوا ذلك، لكنني لا أعرف إن كانوا سيفعلون أم لا. إنهم يتحدثون معنا محادثات جادة".
من جانبه قال ماثيو ويتاكر، سفير الولايات المتحدة لدى حلف شمال الأطلسي (الناتو)، إن صبر الرئيس ترامب على موافقة الجمهورية الإسلامية، على المطالب الأمريكية "ليس بلا حدود"، واضاف في مقابلة مع شبكة "فوكس نيوز" السبت 31 كانون الثاني/يناير، أن "الرئيس ترامب كان واضحًا جدًا مع الجمهورية الإسلامية، إذ قال لهم: لا يمكنكم امتلاك سلاح نووي، ولا يمكنكم قتل المتظاهرين. لقد جلب أسطولًا حربيًا إلى محيط إيران ليكون داعمًا لهذه الشروط والمطالب".
غير أن شروط الرئيس الأمريكي لإيران، للتوصل إلى اتفاق، تتجاوز على مايبدو، قضية البرنامج النووي، إذ كشفت القناة 14 الإسرائيلية، عن أن الشروط، التي يضعها ترامب أمام القيادة الإيرانية، تتلخص في ثلاثة وهي: التخلي الكامل والنهائي عن البرنامج النووي العسكري، والتقليص الكامل والجذري لقدرات إيران الصاروخية، لضمان عدم وصولها إلى إسرائيل. أما الشرط الثالث، فيقضي بوقف تمويل ودعم كافة الفصائل الحليفة لطهران في المنطقة.
وكان موقع "والا " الإخباري الإسرائيلي، قد قال إن المسؤولين الإسرائيليين، يخشون نجاح المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وإبرام اتفاق، يقيّد توجيه أي ضربة إسرائيلية إلى طهران، ويضطر إسرائيل إلى التحرك العسكري منفردة.
في السياق ,يكتب السيد شبل ,لا يمكن استبعاد سيناريو أن تكون إيران صاحبة الضربة الأولى أو اليد الطولى في أيّ مواجهة مقبلة، ليس بدافع المغامرة، بل باعتبارها محاولة لفرض معادلة جديدة تُنهي حالة الاستنزاف.
ومع تصاعد الانتشار العسكري الأميركي في "الشرق الأوسط"، وتركّزه الواضح حول إيران، يبرز سؤال مركزي حول طبيعة هذا التصعيد: هل تستعد الولايات المتحدة لشنّ عدوان عسكري مباشر على إيران، أم أنّ ما يجري يندرج ضمن استراتيجية إنهاك أوسع تهدف إلى تطويق طهران واستنزافها سياسياً واقتصادياً، من دون الانزلاق إلى حرب شاملة؟
هذا التساؤل يكتسب أهمية خاصة في ظلّ التعقيدات الإقليمية والدولية التي تجعل أيّ مواجهة مفتوحة ذات كلفة مرتفعة على واشنطن وحلفائها.
خلال الأسابيع الماضية، عزّزت الولايات المتحدة وجودها العسكري عبر إرسال حاملة الطائرات "أبراهام لينكولن" إلى المنطقة، وزيادة انتشار الطائرات المقاتلة من طراز F-15، إلى جانب نشر منظومات دفاع جوي متقدّمة مثل Patriot وTHAAD.
هذا التصعيد أعاد إلى الواجهة سيناريوهات الحرب، وأثار جدلاً واسعاً بين المراقبين حول الخطوة الأميركية التالية؛ فبينما يرى البعض أنّ هذه التحرّكات تمهّد لضربة عسكرية وشيكة، يشكّك آخرون في قدرة واشنطن على تنفيذها، في ضوء حسابات المصالح الأميركية، ومواقف الحلفاء الإقليميين، وطبيعة الردّ الإيراني المحتمل.
التعزيزات الأميركية: تهديد مباشر أم فخّ للاستنزاف؟
تاريخياً، حرّكت الولايات المتحدة أساطيلها وحاملات طائراتها أكثر من مرة، وعادت إلى قواعدها من دون تنفيذ عمليات عسكرية واسعة، حدث ذلك أيام بيل كلينتون ضدّ كوريا الشمالية بين عامي 1993 و1994 فيما سمّي بـ"الأزمة النووية الأولى"، وحدث أيضاً ضدّ إيران بين عامي 2019 و2020، خلال فترة ولاية ترامب الأولى، حتى أنّ حاملة الطائرات "أبراهام لينكولن" رست لفترة طويلة بالقرب من مضيق هرمز، وكان منجز الإدارة الأميركية الوحيد في تلك الفترة هو اغتيال قائد فيلق القدس، الشهيد قاسم سليماني، وعلى أهمية تلك العملية، إلا أنها لا ترتبط بشكل مباشر بالـتموضع العسكري الأميركي الضخم الذي حصل.
تعي واشنطن أنّ إيران ليست لقمة سائغة؛ فهي لديها المقدرة على إغلاق مضيق هرمز بشكل تامّ، ما سيؤدّي إلى قفزة جنونية في أسعار النفط العالمية قد تنهار معها اقتصادات كبرى، كما أنها تملك استراتيجية "الدفاع الهجومي" عبر شبكة واسعة من الحلفاء في المنطقة، بما في ذلك حزب الله في لبنان وحركة أنصار الله في اليمن والحشد الشعبي في العراق، ناهيك عن التهديد الإيراني بشنّ "حرب شاملة" تستهدف المصالح الأميركية والقواعد المنتشرة في الخليج، وصولاً إلى العمق الإسرائيلي، وذلك رداً على أيّ ضربة أميركية، حتى لو كانت محدودة الأهداف.
وقد اختبر الإسرائيليون قدرة إيران على تهديد عمق كيانهم الاستراتيجي خلال حرب الأيام الاثنتي عشرة، وهو ما دفع رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، على غير العادة، إلى السعي لثني دونالد ترامب عن توجيه ضربة عسكرية لإيران، أو بصورة أدقّ، إلى العمل على إبقاء "إسرائيل" خارج أيّ مواجهة مباشرة محتملة بين واشنطن وطهران. وفي هذا السياق، جرى توجيه رسائل عبر وسطاء تفيد بأنّ "جيش" الاحتلال لا يعتزم تنفيذ ضربة استباقية ضدّ إيران، في محاولة لتقليص احتمالات تعرّض "إسرائيل" لردّ إيراني مباشر.
إضافة إلى ذلك، لا يمكن للولايات المتحدة شنّ حرب على دولة مثل إيران في ظلّ معطيات إقليمية معاكسة لهذا الخيار. فالتجارب السابقة تشير إلى أنّ الجيش الأميركي لا يُقدم على تدخّل عسكري واسع إلا بعد ضمان حدٍّ أدنى من التأييد الإقليمي لقراراته. وفي الحالة الإيرانية، ترفض الدول العربية المؤثّرة، والحليفة تقليدياً للبيت الأبيض، وفي مقدّمتها السعودية والإمارات ومصر، أيّ مواجهة عسكرية مع طهران، بل تسعى إلى تأدية دور الوسيط بين واشنطن وإيران في محاولة لاحتواء التصعيد. وينطلق هذا الموقف من إدراك جماعي بأنّ كلفة الحرب ستكون مرتفعة، وأنّ تداعياتها ستنعكس سلباً على أمن واستقرار المنطقة ومصالحها الاقتصادية.
وعليه، تتضاءل احتمالات إقدام دونالد ترامب على توجيه ضربة عسكرية ضدّ إيران، إذ لا يملك خيار شنّ حرب محدودة، بعدما قطعت طهران الطريق على هذا الاحتمال بإعلانها الضمني أنّ "أيّ ضربة، حتى وإن كانت استعراضية، ستُواجَه بردّ شامل". كما أنّ ترامب، بعقليته المالية البراغماتية، وفي ظلّ الأوضاع داخل الولايات المتحدة ذاتها، لا يبدو مستعداً للتورّط في حرب طويلة في الشرق الأوسط. وفي هذا الإطار، يُرجَّح أن يكون الوجود العسكري الأميركي أداة دبلوماسية، تُستخدم كـ "مطرقة" لترهيب إيران ودفعها إلى التراجع عن دورها الإقليمي، وهو هدف أشار إليه ترامب صراحة في استراتيجية الأمن القومي الصادرة مطلع كانون الأول/ديسمبر 2025.
في جوهر الأمر، لا تستهدف الولايات المتحدة إيران بوصفها دولة بقدر ما تستهدف دورها الإقليمي. فلو بقيت إيران مندمجة في المنظومة الغربية ومتصالحة مع "إسرائيل"، كما كان الحال قبل عام 1979، لما كانت موضع استهداف اليوم.
وانطلاقاً من ذلك، تقوم مقاربة ترامب على تعزيز الوجود العسكري الأميركي، ونشر عشرات الآلاف من الجنود، وتشديد الحصار البحري، والإعلان المتكرر بأنّ الضربة العسكرية توشك أن تحدث، في إطار سياسة الإجهاد الشديد التي تجمع بين التهديد العسكري والعقوبات الاقتصادية وضرب تماسك المجتمع، بالتوازي مع دعم العناصر التخريبية والانفصالية التي نشطت خلال الشهر الماضي داخل إيران.
ويختم السيد شبل : يهدف هذا التصعيد إلى زعزعة الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي الإيراني إلى أقصى حدّ، بما يفرض على طهران القبول بتسوية لا تقتصر على الملف النووي، بل تشمل برنامج الصواريخ، والأهمّ تقليص نشاطها الخارجي المعارض للهيمنة الأميركية، وهو ما تدرك واشنطن أنّ الإذعان له سيضع النظام الإيراني أمام أزمة وجودية.
البعد الاقتصادي للوجود العسكري
في سياق مبصل , تتلاقى الرؤية السياسية مع المصالح التجارية لشركات السلاح الأميركية، فقد خلقت التعزيزات الأميركية حالة من "القلق الأمني" لدى دول الخليج، ما دفعها لتعزيز قدراتها الدفاعية. إذ وقّعت السعودية وقطر والإمارات صفقات ضخمة لشراء منظومات "ثاد" و"باتريوت"، وتشغيل خبراء أميركيين لإدارة هذه المنظومات.
ففي عامي 2025 -2026، تخطّت قيمة صفقات الأسلحة الأميركية مع دول الخليج حاجز الربع بليون دولار. وبهذا المعنى، يصبح الوجود العسكري الأميركي مشروعاً مربحاً؛ فهو يضمن تدفّق رؤوس الأموال الخليجية نحو خزائن شركات الدفاع الأميركية (مثل لوكهيد مارتن وبوينغ)، وفي الوقت ذاته يُحكم الحصار حول إيران.
وقد عقدت الولايات المتحدة منذ أيام صفقة مع السعودية تُقدَّر قيمتها بنحو 9 مليارات دولار، تشمل نحو 730 صاروخاً من طراز Patriot PAC-3 MSE، إضافة إلى منظومات دعم لوجستي وتدريب وتشغيل، كما عقدت صفقات تسليح كبيرة مع "إسرائيل" تبلغ قيمتها الإجمالية نحو 607 مليارات دولار تضمّنت بيع 30 مروحية هجوم Apache ومركبات تكتيكية.
الحصار البحري والاقتصادي: الدروس المستفادة من العراق وسوريا
تتبنّى واشنطن نهجاً عسكرياً شبه ثابت يمكن تلخيصه بقاعدة مفادها أنّ "الإنهاك الاقتصادي والاجتماعي يسبق التدخّل العسكري المباشر". فالولايات المتحدة نادراً ما تخوض حرباً شاملة قبل استنزاف خصومها من الداخل، وهو ما يظهر بوضوح في نموذج العراق بين عامي 1990 و2003، حيث فُرض حصار شامل استمر نحو ثلاثة عشر عاماً، أدى إلى تفكيك البنية التحتية وإنهاك المجتمع، ما جعل الغزو ممكناً بأقل كلفة عسكرية مباشرة.
وتكرّر هذا النمط في الحالة السورية من خلال قانون قيصر (Caesar Act)، الذي استهدف خنق الاقتصاد ومنع التعاملات التجارية والمالية، ما أسفر عن انهيار العملة وتفاقم الأوضاع المعيشية، من دون حاجة إلى تدخّل بري واسع النطاق.
في الحالة الإيرانية، يستهدف الحصار البحري منع تصدير النفط، شريان الحياة الرئيسي لطهران، وعزل إيران في المجمل عن الأسواق العالمية، ومنعها من استيراد ما تحتاجه من الخارج. وقد انخفضت صادرات النفط الإيرانية بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة، ما أدّى إلى خسارة مليارات الدولارات سنوياً، وارتفاع التضخّم إلى مستويات عالية، مع تراجع قيمة الريال.
والهدف الأميركي من وراء الحصار، الذي يؤدّي إلى اضطراب الأسواق وارتفاع معدلات التضخّم، هو توفير بيئة خصبة للاضطرابات الداخلية والحركات الانفصالية في المحافظات الحدودية، ما يضع النظام أمام تحدّيات داخلية صعبة.
استراتيجية "الخنق الصامت".. وإمكانية أن تقلب إيران الطاولة؟
وفقاً للمعطيات الحالية، فإنّ الولايات المتحدة لا تقوى على "عدوان شامل" خوفاً من التبعات الكارثية على الاقتصاد العالمي وأمن حلفائها. لذا سيكون البديل هو "الخنق الصامت"، وهو يتحقّق عبر العزل البحري، والحصار الاقتصادي، وتحريك الداخل الإيراني. وبهذا لا يكون هدف التعزيزات العسكرية هو إعلان الحرب، بقدر ما يكون الهدف هو إنهاك إيران بغرض تجريدها من أوراق قوتها (النفط والصواريخ)، وجعلها تقبل بشروط واشنطن وهي في أضعف حالاتها.
لكن هنا تبرز فرضيّة معاكسة للمسار المتوقّع، مفادها أنّ طهران قد لا تكتفي بدور "الدولة الصامدة في وجه الضغوط"، بل قد تسعى إلى قلب الطاولة وفرض معادلة جديدة بالقوة. فالمعطيات الميدانية تشير إلى استعداد إيراني متزايد للمواجهة، تجلّى في الإعلان عن مناورات بحرية بالذخيرة الحيّة في مضيق هرمز، مع نشر حاملة الطائرات المسيّرة شهيد باقيري في مياه الخليج قرب المضيق على بعد قرابة 6 كم جنوب بندر عباس، كذلك تحريك أسراب من الزوارق السريعة والسفن المسيّرة والصواريخ، ما يعكس تحوّلاً من الردع الدفاعي التقليدي إلى التلويح بإمكانية المبادرة الهجومية لردع أيّ تصعيد أميركي محتمل.
فطهران تدرك أنّ القبول بوجود عسكري أميركي كثيف على حدودها، يحاصرها بحرياً، ويستنزف اقتصادها، ويدعم الاضطرابات الداخلية، يشكّل تهديداً وجودياً طويل الأمد. ومن هذا المنظور، قد ترى طهران أنّ توجيه ضربة محسوبة للقوات الأميركية أو لمصالحها في المنطقة، هو السبيل الوحيد لكسر الطوق المفروض عليها، وفرض كلفة مباشرة على واشنطن تدفعها إلى إعادة حساباتها، وربما الانسحاب أو تخفيف الحصار.
وعليه، لا يمكن استبعاد سيناريو أن تكون إيران صاحبة الضربة الأولى أو اليد الطولى في أيّ مواجهة مقبلة، ليس بدافع المغامرة، بل باعتبارها محاولة لفرض معادلة جديدة تُنهي حالة الاستنزاف وتُجبر الولايات المتحدة على التراجع.
التكتم الأميركي على خطط إيران يعمّق قلق الحلفاء في الخليج
هنا نرى ان القلق الخليجي لا ينبع من احتمال توجيه ضربة عسكرية لإيران، بل من الغموض الذي يحيط بسيناريوهات ما بعد الضربة.
اذ في ظل تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، اختارت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إدارة هذا الملف الحساس بسياسة تكتم غير مسبوقة حتى تجاه أقرب حلفائها في الخليج، ما عمّق حالة القلق وعدم اليقين لدى العواصم الخليجية، التي تجد نفسها في قلب أي سيناريو تصعيدي محتمل، من دون أن تكون مطلعة على ملامحه الأساسية.
وشكّلت تصريحات ترامب الأخيرة لقناة “فوكس نيوز”، والتي أكد فيها صراحة أن واشنطن لا تستطيع مشاركة خططها العسكرية مع الحلفاء الخليجيين أثناء التفاوض مع إيران، لحظة كاشفة لطبيعة العلاقة في هذه المرحلة. فالرئيس الأميركي لم يكتفِ بتبرير عدم إطلاع الحلفاء على الخطط، بل ذهب أبعد من ذلك حين شبّه إخبارهم بالخطة بإخبار الصحافة بها، معتبرًا أن الأمر قد يكون “أسوأ” من تسريبها للإعلام.
ويعكس هذا التصريح، بحد ذاته، مستوى عميقًا من انعدام الثقة، أو على الأقل أولوية مطلقة للاعتبارات الأمنية الأميركية على حساب الشراكة الاستراتيجية التقليدية مع دول الخليج.
ولا ينبع القلق الخليجي من احتمال توجيه ضربة عسكرية لإيران، بل من الغموض الذي يحيط بسيناريوهات ما بعد الضربة. فدول الخليج، بحكم موقعها الجغرافي وقربها من مسرح العمليات، ستكون الأكثر عرضة لردود فعل إيرانية محتملة، سواء عبر استهداف القواعد الأميركية المنتشرة على أراضيها، أو عبر تهديد الملاحة في الخليج، أو حتى من خلال أدوات غير مباشرة تشمل الهجمات السيبرانية أو تحريك حلفاء إقليميين.
وفي ظل غياب معلومات واضحة من واشنطن، تجد هذه الدول نفسها أمام معادلة صعبة: تحمّل تبعات قرارات لم تشارك في اتخاذها.
وتعكس التصريحات المنقولة عن مسؤولين خليجيين رفيعي المستوى حجم هذا القلق.
الحلفاء الخليجيين ينظرون بشك إلى فرص نجاح المفاوضات الجارية بين واشنطن وطهران. فرغم إقرارهم بأن إيران تسعى فعليًا للجلوس إلى طاولة التفاوض، إلا أنهم لا يثقون بأن هذه المحادثات ستفضي إلى اتفاق مستدام يحد من البرنامجين النووي والصاروخي الإيرانيين.
وأكد مسؤول سعودي أن المملكة لن تسمح باستخدام مجالها الجوي أو قواعدها لشن هجوم على إيران، في إشارة واضحة إلى رغبة الرياض في النأي بنفسها عن أي عمل عسكري قد يشعل المنطقة.
كما كشفت مصادر خليجية أخرى أن الولايات المتحدة لم تشارك الحلفاء أي تفاصيل تتعلق بالأهداف أو الخطط، رغم اجتماعات رفيعة المستوى عُقدت في واشنطن مؤخرًا خصيصًا لطلب الإيضاحات.
ويعكس هذا الانفصال بين التنسيق السياسي العلني وواقع اتخاذ القرار الفعلي تحولًا في طبيعة العلاقة الأمنية بين الطرفين.
ومن منظور أميركي، يمكن فهم هذا التكتم في إطار استراتيجية “الغموض البنّاء”، التي تهدف إلى إبقاء إيران في حالة ترقب وعدم يقين، ومنع تسرب أي معلومات قد تستغلها طهران لإفشال الضغوط أو الاستعداد لردود استباقية.
كما أن إدارة ترامب، التي تتعامل مع الملف الإيراني بعقلية تفاوضية صدامية، ترى أن الكشف المبكر عن النوايا العسكرية قد يضعف موقفها التفاوضي، سواء مع إيران أو على المستوى الدولي. غير أن هذا المنطق، وإن بدا مبررًا من زاوية واشنطن، لا يبدد المخاوف الخليجية، بل يضاعفها.
فالخليج ليس مجرد مسرح جانبي في الصراع مع إيران، بل يمثل خط التماس الأول لأي تصعيد. وتاريخ المواجهات السابقة، بما فيها الهجوم الإسرائيلي المدعوم أميركيًا على إيران في يونيو 2025، وما تبعه من ردود إيرانية بالصواريخ والطائرات المسيّرة، عزز لدى دول الخليج قناعة بأن أي شرارة عسكرية قد تمتد بسرعة إلى فضائها الأمني.
وكشفت تلك التجربة محدودية قدرة الدول الإقليمية على ضبط تداعيات الصراع، حتى عندما لا تكون طرفًا مباشرًا فيه.
ويزيد من تعقيد المشهد أن الحلفاء الخليجيين أنفسهم ينظرون بشك إلى فرص نجاح المفاوضات الجارية بين واشنطن وطهران. فرغم إقرارهم بأن إيران تسعى فعليًا للجلوس إلى طاولة التفاوض، إلا أنهم لا يثقون بأن هذه المحادثات ستفضي إلى اتفاق مستدام يحد من البرنامجين النووي والصاروخي الإيرانيين.
ويتقاطع هذا التشكيك مع قلق آخر يتمثل في احتمال أن تستخدم واشنطن خيار التصعيد العسكري كورقة ضغط تفاوضية، من دون نية حقيقية لتنفيذ ضربة شاملة، ما يترك المنطقة عالقة في حالة توتر دائم.
وفي المقابل، يعكس رد ترامب على هذا التقييم قدرًا من البراغماتية الممزوجة بالغموض، حين قال إن الإيرانيين “يتفاوضون، لذا سنرى ما سيحدث”.
وتلخص هذه العبارة، رغم بساطتها، حالة الضبابية التي تهيمن على المشهد: تفاوض مستمر، حشد عسكري متصاعد، وحلفاء قلقون لا يعرفون إلى أي اتجاه ستنحرف الأمور.
وأمام هذا الواقع، تجد دول الخليج نفسها مضطرة إلى اتباع استراتيجيات احترازية متعددة، تشمل تعزيز جاهزيتها الدفاعية، وتنويع قنواتها الدبلوماسية، والسعي إلى تقليل انكشافها على أي مواجهة مباشرة.
كما يدفعها هذا الوضع إلى إعادة تقييم طبيعة اعتمادها الأمني على الولايات المتحدة، ليس من باب القطيعة، بل من باب البحث عن هامش أوسع من الاستقلالية في إدارة المخاطر.
ويعكس التكتم الأميركي على خطط التعامل مع إيران تحوّلًا في أسلوب إدارة التحالفات التقليدية، حيث تتقدم الحسابات الأمنية الضيقة على منطق الشراكة والتنسيق.
وبينما ترى واشنطن في الغموض أداة ضغط فعالة، يراه الحلفاء في الخليج مصدر قلق يهدد استقرارهم في مرحلة إقليمية شديدة الهشاشة.
وفي غياب رؤية واضحة أو قنوات تشاور حقيقية، يبقى الخليج عالقًا بين مطرقة التصعيد الأميركي وسندان الرد الإيراني، في انتظار أن تتضح وجهة البوصلة الأميركية، قبل أن تفرض التطورات الميدانية واقعًا جديدًا على الجميع.
ماذا سيحدث لو أغلقت إيران مضيق هرمز؟
وفي سياق متصل , مع تصاعد التهديدات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، يعود مضيق هرمز إلى واجهة المشهد بوصفه نقطة اختناق حيوية لأسواق الطاقة العالمية، وورقة ضغط إستراتيجية قادرة على نقل التوتر من مستوى الخطاب السياسي إلى صدمة اقتصادية دولية واسعة التأثير.
ولم يكن هذا الممر البحري مجرد قناة لعبور السفن، بل ارتبط تاريخيا بالصراعات الكبرى في الخليج، كما يوضح تقرير على الجزيرة أعدّه صهيب العصا، مستعيدا سنوات الحرب الإيرانية العراقية حين تحول المضيق إلى ساحة مفتوحة لحرب الناقلات.
خلال تلك السنوات، استُهدفت ناقلات النفط من الطرفين، ما أدى إلى اضطراب حاد في الملاحة البحرية، وارتفاع قياسي في أسعار النفط، لتترسخ مكانة المضيق لاحقا، باعتباره نقطة ارتكاز سياسية واقتصادية تتضاعف حساسيتها مع كل تصعيد عسكري جديد.
ويربط مضيق هرمز المياه الخليجية بخليج عُمان وبحر العرب، ويمتد لمسافة تقارب 180 كيلومترا، في حين لا يتجاوز عرضه عند أضيق نقطة 33 كيلومترا، مع عمق يصل إلى 60 مترا يسمح بمرور أضخم ناقلات النفط.
ويضم المضيق ممرين ملاحيين بعرض 3 كيلومترات لكل اتجاه، يفصل بينهما نطاق عازل وتخضع مياهه الإقليمية لإيران وسلطنة عُمان، في حين تعبره يوميا نحو 21 مليون برميل نفط، أي ما يعادل 21% من الاستهلاك العالمي.
شريان أساسي للطاقة
ولا تقتصر أهمية هذه الأرقام على النفط فقط، إذ يمر عبر المضيق أكثر من 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميا، ما يجعله شريانا أساسيا لأمن الطاقة في آسيا، خصوصا الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية، إضافة إلى أوروبا.
وأي إغلاق كامل للمضيق قد يدفع أسعار النفط إلى حدود 200 دولار للبرميل خلال أيام مع قفزات هائلة في تكاليف التأمين البحري ونقص حاد في الإمدادات، وهو سيناريو كفيل بإحداث هزة عنيفة في أسواق الطاقة العالمية.
عسكريا، يُنظر إلى حرية الملاحة في المضيق باعتبارها خطا أحمر للولايات المتحدة وحلفائها، ما يجعل أي إغلاق مدخلا لتدخل عسكري مباشر، رغم أن إيران نفسها تعتمد على المضيق لتصدير نفطها واستيراد احتياجاتها الأساسية.
وخلال سنوات التوتر الماضية، لوّحت طهران مرارا باستخدام المضيق كورقة ضغط، كما حدث في 2019 عبر هجمات على ناقلات في خليج عمان واحتجاز سفن تجارية، قبل أن تكثف لاحقا دورياتها البحرية وتلوّح بإجراءات رادعة.
وتعتمد إيران، وفق تقديرات عسكرية، على وسائل غير تقليدية لتعطيل الملاحة من بينها آلاف الألغام البحرية وزوارق سريعة مزودة بصواريخ وطوربيدات ومسيرات انتحارية، إضافة إلى تقنيات تشويش على أنظمة الملاحة العالمية.
بهذه الأدوات، يتحول مضيق هرمز من ممر حيوي لتدفق الطاقة إلى ساحة صراع محتملة، حيث تختلط الحسابات العسكرية بالاقتصاد العالمي، في مواجهة مفتوحة يصعب التنبؤ بحدودها أو مآلاتها.

